قرار إغلاق تطبيق التواصل الاجتماعي يعتبر منعطفا لأنه يؤكد الحرب القائمة بين بكين وواشنطن حول صناعة الرأي العام والتكنولوجيا ومظهرهما الاستخباراتي.
لندن ـ «القدس العربي»: أيدت المحكمة العليا في قرار مثير وبالإجماع القانون الفيدرالي الذي يحتم على الشركة المالكة لبرنامج التواصل الاجتماعي الصيني أو تطبيق منصة تيك توك بيع الشركة لجهات أمريكية أو إغلاق تطبيق التواصل الاجتماعي ابتداء من الأحد 19 كانون الثاني/يناير الجاري. ويعتبر هذا القرار منعطفا لأنه يؤكد الحرب القائمة بين بكين وواشنطن حول صناعة الرأي العام والتكنولوجيا ومظهرهما الاستخباراتي.
وتبرز جريدة «وول ستريت جورنال» أن الحكم سيعني إغلاق هذه المنصة الصينية الشهيرة ولو بشكل مؤقت، مما سيحرم ملايين المراهقين الأمريكيين وغيرهم من مستخدمي تيك توك من الحصول على ما يستهلكونه من إنتاج رقمي يوميا وخاصة مقاطع الفيديو القصيرة التي تبقيهم ملتصقين بهواتفهم. وإضافة إلى القرار القضائي، شجع غالبية أعضاء الشيوخ والنواب الأمريكي من جمهوريين وديمقراطيين بضرورة حظر هذه المنصة الصينية لما يعتبرونها خطيرة على الأمن القومي الأمريكي.
وفي توافق للمحكمة العليا مع الكونغرس جاء في أهم فقرة من الحكم الصادر في 20 صفحة ما يلي «بالنسبة لأكثر من 170 مليون أمريكي، يوفر تطبيق تيك توك وسيلة مميزة وواسعة للتعبير عن الرأي، ووسيلة للمشاركة، ومصدرًا للمجتمع». لكن الكونغرس قرر أن منع التطبيق أمر ضروري لمعالجة مخاوفه المبررة بشأن الأمن القومي فيما يتعلق بممارسات تيك توك في جمع البيانات وعلاقتها بخصم أجنبي. ويبلغ عدد مستعملي تيك توك شهريا في العالم مليار و700 مليون، وهي ضمن الخمس الكبار إلى جانب فيسبوك ويوتيوب وإكس وإنستغرام، لكن تيك توك الأحدث ضمن هذه التطبيقات أو المنصات وقد يصبح الأول في ظرف زمني وجيز بسبب سهولة استعماله والتسهيلات التي يقدمها لنشر أشرطة الفيديو القصيرة.
ورغم قرار المحكمة، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي سيتولى رئاسة البلاد الاثنين المقبل يأمل في عدم صدور القرار والعمل على حل النزاع بطرق حبية مع الصين. والمفارقة المثيرة أن القرار يجب أن يدخل حيز التنفيذ ابتداء من الأحد 19 الجاري، أي بعد منتصف ليلة السبت، لكن إدارة الرئيس جو بايدن التي ستغادر البيت الأبيض لا ترغب في تطبيق الحظر وستترك قرار تنفيذ الحكم لإدارة ترامب، وفق كارين جان بيير سكرتيرة الصحافة في البيت الأبيض التي قالت «تدرك هذه الإدارة أن إجراءات تنفيذ القانون يجب أن تقع ببساطة على عاتق الإدارة المقبلة».
لم يتأخر ترامب في الرد بتصريح يؤكد فيه «سأتخذ قراري بشأن تيك توك في المستقبل غير البعيد، لكنني أحتاج إلى وقت لتحليل الموقف، ترقبوا!». وأضاف «تحدثت يوم الجمعة (17 يناير الجاري) مع الزعيم الصيني شي جين بينغ وناقشنا مجموعة متنوعة من القضايا، بما في ذلك تيك توك». ويبدو أن ترامب يريد حلا توافقيا لاسيما بعدما أقدم على مبادرة رمزية وهي توجيه دعوة إلى المدير التنفيذي لتيك توك شو شيو لحضور مراسيم تنصيبه. وبغض النظر عن تطورات هذا الملف، حيث قد يتم حظر المنصة نهائيا في الولايات المتحدة أو أن تشتريها شركة أمريكية ويجري تداول اسم أوراكل وفق جريدة «نيويورك تايمز» في عدد الجمعة من الأسبوع الجاري، تبقى العوامل المتحكمة في القرار القضائي الذي يعد حلقة ضمن حرب التكنولوجيا هي ما يلي:
في المقام الأول، بدأت الولايات المتحدة تستعمل نفس الأسلوب في مواجهة الصين، إذ تمنع بكين جميع المنصات الرقمية الأمريكية مثل يوتيوب وإكس (تويتر سابقا) وفيسبوك وإنستغرام، حيث لا يمكن للصينيين استعمالها.
في المقام الثاني، تعتبر الولايات المتحدة أن الدولة التي تنجح في إنتاج منصة يستعملها العالم ستحقق هدفين، الأول وهو التحكم في صناعة الرأي العام العابر للحدود أي الدولي والوطني، وما يحمله ذلك من انعكاسات على الانتخابات والهوية والتأثير في القضايا الجيوسياسية الحساسة لاسيما إبان الأزمات، ولا يتردد بعض المشرعين في الكونغرس بالقول بأن تيك توك هو أداة حربية ضد الولايات المتحدة. علاقة بهذا، جاء في استطلاع لمركز بيو للأبحاث، أن 45 في المئة من الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا يتفقدون تطبيق تيك توك بانتظام يوميا للحصول على مختلف المعلومات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية. ويتجلى الهدف الثاني في أن المنصات الرقمية أصبحت أكبر مخزون للمعطيات حول مختلف شعوب العالم، حيث يمكن تتبع الشخص طيلة سنوات لمعرفة طريقة تفكيره والقرارات التي يتخذها والمهن التي يطمح لها. وتعتبر دراسة الشعوب وطريقة تفكيرها من أهم الأدوات في حالة الصراع لاسيما في حالة الصين والولايات المتحدة، حيث يتنافس البلدان على ريادة العالم خلال العقود المقبلة. وتوجد واشنطن في وضع متأخر مقارنة مع الصين، لأن المجتمع الأمريكي مفتوح وفيه جالية صينية ضخمة، بينما المجتمع الصيني ما زال مغلقا رغم الانفتاح الاقتصادي الكبير ولم تتسلل إليه التطبيقات الغربية وخاصة الأمريكية، بينما الصينية مثل تيك توك تسللت إلى المجتمعات الغربية.
وفي المقام الثالث، لا يمكن فصل ما يجري عن الصراع القائم ليس فقط حول التمركز الاقتصادي والسياسي والعسكري عن الصراع حول التكنولوجيا الرقمية بمنصاتها وأدواتها. فقد كان الرئيس ترامب نفسه قد وجه ضربة إلى هواتف هواوي التي كانت قد بدأت تكتسح العالم، كما ضغطت واشنطن على عدد من الدول الغربية لكي تقلل من اعتمادها على الأجهزة الخاصة بالجيل الخامس من الإنترنت إلى مستوى المنع.
ولن تتوقف هذه المعركة ضمن حرب التكنولوجيا بين الولايات المتحدة والصين عند هذه المنصة أو التطبيق، بل يعد الغرب لحرب جديدة ضد المنصة التجارية الرقمية TEMU الصينية ومنصات أخرى للبلد نفسه. وبهذا ستكون الحرب حول التطبيقات والبرامج والمنصات الرقمية مظهرا من مظاهر الحرب الباردة الآخذة في التبلور بين الغرب والصين.