مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية: ضعف الدعم الحكومي يتعارض مع أهمية الحدث الثقافي الكبير

فايزة هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: اختتمت مؤخراً الدورة الرابعة عشرة لمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية التي أُقيمت في الفترة من 9 إلى 14 كانون الثاني/يناير2025، وهي واحدة من أبرز الفعاليات الثقافية والفنية في مصر. شهد المهرجان حضوراً لافتاً بمشاركة 65 فيلماً من 35 دولة أفريقية.
تنافست الأفلام المشاركة في مسابقات عدة، أبرزها مسابقة الأفلام الروائية الطويلة التي شهدت تتويج الفيلم السنغالي «ديمبا» بجائزة أفضل فيلم، إلى جانب حصول الممثلة التونسية أمل مناعي على جائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «عصفور جنة» ونيل الممثل باريس سامبو من مدغشقر جائزة أفضل ممثل عن فيلم «ديسكو أفريقيا»، بينما ذهبت جائزة لجنة التحكيم الخاصة إلى فيلم «د/ فانون» من الجزائر. أما مسابقة الأفلام القصيرة فقد سلطت الضوء على التنوع الكبير في الإنتاج السينمائي الأفريقي من خلال عروض مميزة تعكس ثراء هذا النوع من الأفلام. في مسابقة أفلام الدياسبورا، تم تسليط الضوء على التجارب التي تعكس حياة المجتمعات الأفريقية في المهجر، فيما وفرت مسابقة أفلام الطلبة المصريين فرصة ذهبية لعرض إبداعات الشباب وإبراز مواهبهم في عالم السينما.
في مجال مشروعات الأفلام التسجيلية الطويلة، شهدت المنافسة تتويج مشروع فيلم «جذور الذاكرة» للمخرجة مي الحسامي بالجائزة الأولى، بينما فاز مشروع فيلم «ذكريات آمنة» لسلمى سعد حلمي بالجائزة الثانية، ما يعكس الدعم الذي يقدمه المهرجان للمشروعات الوثائقية الجادة.
تميز المهرجان أيضاً بتكريمه لعدد من الشخصيات البارزة في السينما الأفريقية والمصرية، حيث تم تكريم النجم المصري خالد النبوي والمخرج مجدي أحمد علي والمخرج السنغالي موسى توريه والممثلة والمخرجة الغانية أكوسوا بوسيا والفنان التونسي أحمد الحفيان.
على صعيد الفعاليات الموازية، شهد المهرجان تنظيم عدد من الندوات التي تناولت موضوعات مختلفة تتعلق بمستقبل السينما في أفريقيا، من أبرزها ملتقى «مستقبل السينما الأفريقية في عصر الرقمنة»، الذي ركز على التحديات والفرص التي تواجه الصناعة السينمائية في ظل التحول الرقمي، مع تقديم رؤى مبتكرة حول كيفية الاستفادة من التقنيات الحديثة في الإنتاج والتوزيع. كما تم تنظيم ندوة تكريمية للفنان الراحل نور الشريف بمناسبة إطلاق اسمه على هذه الدورة، حيث تناولت الندوة مسيرته الفنية وإسهاماته الكبيرة في السينما المصرية والأفريقية. إلى جانب ذلك، احتفى المهرجان بمئوية الفنان الكبير شكري سرحان من خلال ندوة خاصة استعرضت مسيرته وأعماله التي تركت أثرًا كبيرًا على السينما المصرية.
ولتعزيز دور المهرجان في خدمة المجتمع، تم تنظيم 12 ورشة فنية متنوعة في مجالات الإخراج والتصوير والسيناريو وغيرها، لتكون هذه الورش بمثابة منصة لتطوير مهارات الشباب وفتح آفاق جديدة أمامهم في مجال الإبداع الفني.

جسر ثقافي بين مصر وأفريقيا

تعد مصر من الدول الرائدة في القارة الأفريقية، حيث تمتلك جذورًا تاريخية عميقة وعلاقات متشعبة مع دول القارة السمراء تمتد لآلاف السنين. في العصر الحديث، ومع بزوغ حركة التحرر الوطني في القارة الأفريقية، لعبت مصر بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر دورًا محوريًا في دعم حركات التحرر الأفريقية من الاستعمار، ما جعلها منارة للنضال ضد الاستعمار الأوروبي.
شهدت أدوار مصر في أفريقيا تراجعًا ملحوظًا بعد وفاة عبد الناصر، خاصة في العقود التي تلت ذلك، ولكن تبقى لأفريقيا أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لمصر، إذ تُعتبر القارة مصدرًا مهمًا للموارد الطبيعية وفرص الاستثمار، كما أن دول حوض النيل تُشكل عاملًا حيويًا لمصر فيما يتعلق بالأمن المائي، وتمثل أفريقيا أيضًا سوقًا كبيرة للصادرات المصرية وفرصة لتعزيز التعاون الاقتصادي، إضافة إلى أن وجود مصر الفاعل في أفريقيا يعزز من قوتها الإقليمية ويمنحها مكانة مميزة على الساحة الدولية.
مع التراجع الذي شهدته العلاقات المصرية الأفريقية بعد فترة الستينيات، جاء مهرجان الأقصر ليعيد التأكيد على أهمية التواجد المصري داخل القارة. أصبحت دورات المهرجان المتعاقبة مساحة لخلق التعاون الثقافي والفني بين مصر ودول أفريقيا، ما يفتح آفاقًا جديدة للتعاون في مجالات أخرى مثل الاقتصاد والسياسة. خلال الدورات السابقة، استطاع المهرجان أن يصبح حدثًا مرموقًا على مستوى القارة، ما يعزز من صورة مصر كداعم للفن الأفريقي. تكريم شخصيات بارزة من مختلف دول القارة، وتنظيم مسابقات وأقسام مخصصة للأفلام الأفريقية، جعل المهرجان جزءًا لا يتجزأ من المشهد الثقافي الأفريقي، مما يسهم في إعادة مصر إلى مكانتها الثقافية والسياسية في أفريقيا التي تكتسب اليوم أهمية خاصة، لا سيما في ظل التحديات العالمية والإقليمية التي تواجهها القارة. التواجد المصري في أفريقيا، سواء على الصعيد الثقافي أو السياسي، لا يقتصر على الأبعاد التاريخية فقط، بل هو جزء من استراتيجية جديدة تهدف إلى تعزيز التعاون مع الدول الأفريقية في مجالات متنوعة مثل الاقتصاد، الثقافة، والسياسة.
مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية يلعب دورًا محوريًا في هذه الاستراتيجية، حيث يساهم في بناء علاقات قوية مع الدول الأفريقية من خلال التبادل الثقافي الذي يخلق شبكة من التفاهم والتعاون على كافة الأصعدة.
أما على صعيد السياحة، فيعتبر المهرجان عاملًا مهمًا في جذب السياح إلى مدينة الأقصر، التي تعد واحدة من أهم الوجهات السياحية في مصر. من خلال استقطاب الزوار من مختلف أنحاء العالم للمشاركة في الفعاليات السينمائية، يسهم المهرجان في تنشيط القطاع السياحي في المدينة، وخصوصًا في فترة الشتاء التي تعد موسمًا مفضلًا للسياحة الثقافية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن مهرجان الأقصر يساهم في تسليط الضوء على المعالم السياحية والتاريخية في الأقصر، مثل معابد الكرنك ووادي الملوك، مما يعزز من مكانتها كوجهة سياحية عالمية. ويوفر المهرجان تجربة ثقافية متعددة تجمع بين الفن السابع والسياحة الثقافية، ما يجعل من الأقصر وجهة فريدة للزوار.

عقبات وتحديات

رغم مكانة المهرجان الهامة على خريطة المهرجانات السينمائية في المنطقة، إلا أن القائمين عليه يواجهون العديد من التحديات، أهمها ضعف الدعم الحكومي، والذي يعتبر حجر الزاوية في تعزيز نجاح المهرجان. فبينما يُتوقع أن تُولي الحكومة المصرية اهتمامًا أكبر لدعم مهرجانات ثقافية وفنية تمثل هويتها الثقافية وتعكس صورة إيجابية عنها في الخارج، إلا أن المهرجان يظل في حاجة ماسة لدعم حكومي أكثر فاعلية. هذا النقص في الدعم الحكومي ينعكس بشكل مباشر على القدرة التنظيمية للمهرجان، ما يضطر القائمين عليه إلى الاعتماد على موارد محدودة، وبالتالي يحد من القدرة على جذب الضيوف والمشاركين من دول أخرى.
واحدة من أبرز المشكلات التي يواجهها مهرجان الأقصر هي ثبات الدعم المالي رغم زيادة التكاليف التي يتعرض لها المهرجان سنويًا. ففي ظل التضخم الاقتصادي وزيادة أسعار السلع والخدمات، لا يزال الدعم المالي المقدم للمهرجان على حاله، وهذا يخلق فجوة كبيرة بين الميزانية المتاحة والتكاليف الفعلية لتنظيم الحدث. هذه الفجوة تؤدي إلى صعوبة في توفير الخدمات اللوجستية والبنية التحتية الضرورية لاستقبال الضيوف والمشاركين.
وتعد مشكلة ارتفاع أسعار تذاكر الطيران وتكاليف الإقامة من التحديات الكبرى التي يواجهها مهرجان الأقصر. فبسبب الأوضاع الاقتصادية العالمية والتضخم، ارتفعت تكاليف السفر بشكل عام، ما جعل الوصول إلى الأقصر مكلفًا للعديد من الضيوف والمشاركين، سواء من أفريقيا أو من خارجها. هذا يشكل عائقًا أمام حضور ضيوف مهمين وصناع سينما من مختلف أنحاء العالم، ويؤثر على التنوع الثقافي والفني للمهرجان.
إلى جانب تلك التحديات المالية، يواجه المهرجان العديد من المشكلات الإجرائية والروتينية المتعلقة بالتراخيص والتنظيمات الحكومية، ما يزيد من صعوبة إقامة الحدث بسلاسة وبالتوقيت المحدد. يتطلب تنظيم مثل هذه الفعاليات الكبرى تنسيقًا بين عدد من الجهات الحكومية المختلفة، وهو ما يؤدي في بعض الأحيان إلى تأخيرات أو تعقيدات في الإجراءات.
على الرغم من هذه التحديات، يبقى مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية واحدًا من أهم الفعاليات الثقافية التي تشكل علامة فارقة في تاريخ السينما الأفريقية بفضل القائمين عليه. ولضمان استمرارية المهرجان ونجاحه في المستقبل، أصبح الاهتمام الحكومي بالمهرجان ضرورة ملحة لنجاحه على المستوى الدولي. فالاهتمام بهذا المهرجان ليس مجرد رفاهية بل هو استثمار في العلاقات الثقافية وتأكيد مكانة مصر في القارة الأفريقية. لذلك يجب أن يكون المهرجان جزءًا من استراتيجية الدولة الثقافية، وأن تدرك الحكومة أهمية هذه الفعالية وتعمل على توفير الدعم المالي المستدام وتقديم التسهيلات التنظيمية لتقوية مكانة المهرجان والاستفادة منه فنيا وسياسيا وسياحيا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية