الأردني جمال ناجي: التكثيف في الرواية كفيل بإبقائها في المشهد الأدبي

حجم الخط
0

عمان ـ «القدس العربي»: يؤمن الروائي الأردني جمال ناجي بأن الواقع بات أكثر غرابة من الخيال، في ظل ما يشهده العالم من انقلابات ومذابح وجرائم صادمة، أصبحت تعد أخبارا تمر سريعا من دون اهتمام، بينما في الرواية هنالك مقدمات وسياقات مختلفة، لذلك يمكن أن تكون صادمة، وهذا هو حال روايته الأخيرة «موسم الحوريات»، التي أدرجها مؤخرا موقع أمازون ضمن قائمة مبيعاته للنسخة العربية الصادرة عن دار بلومزبري مؤسسة قطر للنشر، فيما ستصدر لاحقا وعن الدار ذاتها، النسخة الإنكليزية من الرواية.
وحسب الموقع فإن «موسم الحوريات»، رواية تتعامل مع تداعيات الربيع العربي، وانتشار التعصب في صفوف الشباب المسلم ضمن نطاق جغرافي شاسع، يمتد من بلدان الشرق الأوسط وحتى الشرق الأقصى، في إطار تقنية سردية آسرة تحبس الأنفاس وتستند إلى عمق الشخصيات والأبعاد النفسية التي تنطوي عليها، وهو ما مكن الكاتب من رسم صورة موسعة ودقيقة حول الحقائق التي أدت إلى الحروب الطائفية والدينية الطاحنة.
صدر لجمال ناجي، الذي بدأ شوطه مع الكتابة الروائية عام 1977 العديد من الروايات والمجموعات القصصية، وقد أدرجت روايته «عندما تشيخ الذئاب» ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية «بوكر»، كما أدرجت روايته «غريب النهر» ضمن القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، وحاز العديد من الجوائز في الأردن والوطن العربي، كان آخرها جائزة الدولة التقديرية للرواية 2014.
التقته «القدس العربي» وكان هذا الحوار.

■ بعض أحداث روايتك «موسم الحوريات» تبدو صادمة، لاسيما حين تتكشف الحقائق في الصفحات الأخيرة من الرواية، هل أصبح عالمنا مظلما إلى حد تنكر الآباء للأبناء أو العكس، أو توظيف القدر من أجل خدمة غايات ومصالح معينة؟
□ في تقديري أن الدهشة انقرضت من حياتنا؟ فقدَ الإنسان نعمة الدهشة! ولم تعد الأحداث والتطورات والابتكارات مثار استغراب مثلما كانت في ما مضى، لو قرأت خبرا عن مذابح ارتكبها كهول بحق أطفال، أو العكس لما استغربت، لأن ما يحدث هذه الأيام أفظع من ذلك، ولو شاهدت اختراعا يعيد الحياة للموتى، لما أصابتني الدهشة، نحن في عصر الممكن اللامتناهي. هذا على مستوى الواقع المعيش. أما الواقع الروائي فمن الممكن أن يكون صادما، نظرا لوجود مقدمات وسياقات مختلفة إلى حد ما. في المحصلة يمكن القول إن الواقع بات أكثر غرابة من الخيال الذي، ربما انتهت صلاحيته.
■ يشعر قارئ «موسم الحوريات» بأنها عمل مكثف وبعيد عن الإطالة والإسهاب، هل كان هذا التكثيف غاية في حد ذاته؟
□ التكثيف وسيلتي وليس غايتي. ربما كان واحدا من قواعد تعاملي مع اللغة الروائية أساليب توظيفها والإفادة منها، فأنا أشعر بأن لكل كلمة وكل عبارة وظيفتها في الرواية، بخلاف ذلك لا داعي للثرثرات وانجرار الروائي لخدع الاسترسال في سرد الذكريات أو التفاصيل والحكايات غير اللازمة. أعرف بأن هذا قد يحرم الروائي من متعة إطلاق العنان للزوايا الدفينة في أعماق ذاكرته، لكنه يريح القارئ من عبء احتمال المحتويات المملة، التي قد تزخر بها تلك الأعماق. بصراحة، لا يعجبني انصياع الكاتب لإلحاح الثرثرة التي هي من علامات الشيخوخة المبكرة أو المتأخرة، بصرف النظر عن سن الكاتب، لأن الشباب أيضا غالبا ما يقعون في هذا الفخ، وأحيانا يصعب عليهم التضحية بعبارة أو فقرة كتبوها فأعجبتهم، على الرغم من أنها غير لازمة للرواية، ولا أريد التطرق هنا إلى انتشار الرطانة الأدبية، التي زادت الطين بلة، فهذه تحتاج حديثا مطولا. في كل الأحوال فإن الفن الروائي يقف الآن عند مفترق طرق وامتحان عسير، إذ لا يمكن لهذا الفن أن يعمر كثيرا إذا تحول إلى ساحة للبوح والإسهاب والإطناب، لذا فإن التكثيف هو الحل، وهو الكفيل بإبقاء الرواية في المشهد.
■ تقنية تعدد الأصوات أو «البوليفونية» التي استخدمتها في هذه الرواية، سبق أن وظفتها في روايتك «عندما تشيخ الذئاب» لماذا تمسكت بهذه التقنية؟
□ لم أتمسك بتعدد الأصوات لمجرد رغبتي أو افتتاني بها، إنما لأن المتطلبات الفنية للروايتين اقتضت ذلك، فأفكار الرواية وشخوصها وأحداثها هي التي تفرض التقنية التي تلزمها، يبدو هذا جليا للكاتب عند اللحظات الأولى لعملية الإقلاع الروائي، التي في ضوئها تتحدد طبيعة الأجواء ونوعية الاحتياجات والأدوات الفنية المناسبة. أما رأيي في تعدد الأصوات الروائية فلا أتردد في القول إنها تقنية فنية ديمقراطية، تتيح للشخصيات حرية الحديث واختيار اللغة والأفكار والضمائر، وهي ـ أيضا ـ ديمقراطية بالنسبة للقارئ لأنها تتيح له فرص الانتقاء والانتقال بين الأفكار والآراء والقناعات داخل الرواية وخارجها، وتجنبه أحادية الأفكار أو الاجتهادات.
■ تدور أحداث الرواية في بلدان عدة، لكنها تتركز في منطقتنا التي يعصف العنف بها ويدمر مقدراتها ويسلب شعوبها نعم الاستقرار، هل تشعر باقتراب النهاية لهذه الفوضى؟
□ الفوضى في بدايتها، للأسف، ولا يوجد ما يشير إلى قرب انتهائها، بعد أن انبثق ذلك الكائن الفطري الذي كان كامنا في أعماق الإنسان، وصار يقتل ويدمر كل ما هو في طريقه. الأهم أن هذا الكائن ليس سوى نتاج لعقود طويلة من التشوه والقهر والفقر والظلم والعسف، الذي مارسته الأنظمة بحق شعوبها، وحتى في محاولاتها تدارك الأمر، فإن الأنظمة لا تفعل شيئا غير إطلاق القذائف والرصاص بدلا من مراجعة أخطائها التاريخية، وفي أفضل الأحوال فإنها تقدم علاجات تحويلية تزيد من إرباك المجتمعات، وتغرق شعوبها بتشكيلات من الثقافة الكرنفالية البعيدة عن احتياجاته الحيوية. يضاف إلى هذا وذاك، انفجار موجات التكفير وتمددها، من دون جوهر ثقافي، وانتشار أشكال من العُصاب الديني، والاحتماء بالأوهام وتحكيم النصوص بدلا من تفعيل العقل، والاستثمار في الموت بدلا من الحياة، والتنافس المحموم على قتل أكبر عدد من الناس، فضلا عن توفر البيئات الخصبة، التي منحت هذه الموجات أسباب النمو والتهيج والتوحش أيضا. ودعني أقولها بوضوح: إن إساءة توظيف الأديان في حياتنا ستكون له نتائج كارثية، كما أن الراديكالية الدينية تكاد تُفقد ديننا حيويته وفضائله وقابليته للتعايش مع العصر، فضلاً عن أنها لم تعد خياراً واقعياً. كل ما أخشاه هو أن تتسبب هذه الراديكالية الساخطة في عمليات الذبح المبرمج للأفراد والجماعات والشعوب.
■ اعتاد النقاد العرب في كتاباتهم على وصف شخوص الروايات التي يتناولونها، على أنهم شهود على الأحداث، أو على الهزائم أو غير ذلك، لكن شخوص «موسم الحوريات» ليسوا كذلك، إنهم شركاء في كل ما يحدث وليسوا مجرد شهود. هل وجدت أن إشراك الشخوص أفضل من الاكتفاء بشهاداتها؟
□ لم أقتنع يوماً بأن شخوص الرواية هم شهود على عصر ما أو تحول ما، هذا تراث نقدي في طريقه إلى الزوال حسب اعتقادي. ثمة شركاء في الفعل والحدث الروائي بالتوازي مع شركاء الواقع، الذين يوجدون في الأعمال الروائية بأشكال مختلفة أو رمزية، وهم الذين يصنعون الانتصارات والهزائم والتحولات والحب والكره داخل العمل الروائي، الذي يمثل واقعا فنيا كاملا وقابلا للتفاعل والود والاشتباك والتسامح والمكر والطيبة… الذين يقومون بهذه الأفعال في الرواية لا يمكن أن يكونوا مجرد شهود. إنهم شركاء كما ذكرت في سؤالك.
■ أين تصنف كتاباتك الروائية؟ يقال بأنك قريب من الواقعية وبعيد عنها في الوقت ذاته؟
□ لست ميالا إلى التصنيفات المدرسية حين يتعلق الأمر بالأدب، كما لست معنيا بالرصانة الأكاديمية التي تعمل على حشر الروايات والأشعار في قوالب يطلقون عليها مسمى «المدارس الأدبية» وأحيانا يسمونها المذاهب الأدبية.
التعامل مع الواقع أمر لا غنى للروائي عنه، لكنه لا يعني بالضرورة أن الكاتب واقعي، كما لا ينفي عنه هذه الصفة، ما يحدث الآن أن الحدود بين ما أطلق عليه «المدارس الأدبية» في طريقها إلى التلاشي، إذ لم يعد بوسعنا أن نصف عملا ما بأنه رومانسي أو كلاسيكي أو واقعي مثلا إلا في ما ندر، ففي العمل الفني المعاصر تجتمع المدارس المعروفة وتلك التي لم يتم تشخيصها بعد، هنالك ما هو مختلف عن الفهم الستاتيكي للتصنيفات التي كثيرا ما تُفسد جماليات الأدب.

آية الخوالدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية