جمود في سوق العقارات السورية… وعمليات تسجيل البيع والشراء متوقفة

جانبلات شكاي
حجم الخط
0

دمشق ـ «القدس العربي»: شهد تسجيل عمليات بيع وشراء العقارات في سوريا جموداً كاملاً منذ إسقاط نظام بشار الأسد، بسبب توقف تسجيل ملكية العقارات في الدوائر الحكومية بما فيها القضاء والسجل العقاري.
وأكد الخبير العقاري عمار يوسف، لـ«القدس العربي» أن «من بين أبرز أسباب توقف حركة البيع بشكل كامل في سوريا، العمل لضبط المتاجرة بالكثير من العقارات التي تعود ملكيتها إلى فلول النظام السابق، ومن الممكن لاحقاً أن يكون مصيرها المصادرة لصالح الدولة».
وأشار إلى أن «كل الدوائر الحكومية المرتبطة بتسجيل وتثبيت ملكية العقارات متوقفة، ومنها المديرية العامة للمصالح العقارية أو ما يعرف بالطابو، وكذلك السجل العام للإسكان، وذلك بهدف إعادة جدولتها ومعرفة أرقام العقارات التابعة لفلول النظام، إضافة إلى القلاقل الموجودة حالياً في وزارة المالية».
وتابع: «مجموعة قرارات صدرت عن وزارة العدل، جمّدت بدورها، موضوع الوكالات الخاصة في عملية البيع والشراء، فتوقفت هذه العملية أيضاً عبر القضاء».
وتعتبر المديرية العامة للمصالح العقارية من أقدم المؤسسات الخدمية العاملة في سوريا، فقد تأسس السجل العقاري منذ منتصف العشرينات من القرن المنصرم في ظل الانتداب الفرنسي في سوريا. وظلت المصالح العقارية تتبع لوزارة الزراعة إلى حين صدور القانون رقم 7 تاريخ 21/2/2010 الذي ربطها بوزارة الإدارة المحلية، وبدأ العمل من حينها لأتمتة مديريات المصالح العقارية في المحافظات وربطها بشبكة مركزية، باعتبار السجل العقاري ومخططاته المتممة له، يشكل إحدى الدعائم الأساسية في الحكومة الإلكترونية، لكن تلك الجهود قابلتها الكثير من العثرات.
ولفت يوسف إلى أن من الأسباب التي دفعت إلى جمود السوق العقارية «الهزات التي تحدث حالياً في أسعار صرف الليرة السورية مقابل الدولار وعدم استقرارها، وهذا ما يولّد مخاوف لدى الكثير من الأشخاص على الإقدام على حركة بيع أو شراء العقارات».
وأكد أن «سقوط أي نظام يؤدي إلى جمود في الحركة التجارية بشكل عام حتى تتشكل رؤية جديدة ومستقبل واضح لدى المواطنين» معتبراً أنه «من الطبيعي أن تتأثر حركة بيع العقارات في سوريا باعتبارها وسيلة استثمارية وائتمانية».
وتطرق إلى التذبذب الحاصل في أسعار إيجارات العقارات «فهناك مناطق انخفضت فيها، وارتفعت في المقابل في مناطق أخرى، بسبب قدوم الكثير من العوائل إليها، والتي كانت تسكن في منازل تعود ملكيتها للدولة وتم تسليمها بعد سقوط نظام الأسد، مثل منازل المتطوعين في الجيش والشرطة وغيرها من التي تعود ملكيتها للدولة».

تذبذب في أسعار الإيجارات… وخبير: 100 ألف عائلة غيّرت سكنها خلال أشهر

وقدر يوسف أن «نحو 100 ألف عائلة غيرت سكنها خلال الأشهر الأخير، نتيجة تسليمها لمنازل كانت تقيم فيها وتمتلكها الدولة» ما أدى، حسب تعبيره، إلى «حدوث تغيير ديموغرافي في تلك المناطق» مقدرا بأن «ما يقرب من 40 في المئة من هذه العوائل عادت إلى مناطقها وقراها الأصلية، على حين أن الـ60 في المئة الباقون ذهبوا إلى مناطق أخرى بحثاً عن بيوت للإيجار وهذا ما زاد من الإقبال على استئجار العقارات في هذه المناطق».
وباعتبار دمشق، العاصمة السياسية وتتمركز فيها كل الدوائر الحكومية وحتى العسكرية والأمنية منها، فقد نمت في محيطها أحياء المخالفات والعشوائيات التي كانت تضم عائلات وأسر موظفي الدولة من المدنيين والعسكريين، وهؤلاء بأغلبيتهم كانوا من الساحل السوري وممن استغلهم النظام السابق لتشكيل أحزمة حول الأحياء الأخرى، وكانوا أيضاً من ضمن جنوده وميليشياته الذين سخّرهم في حروبه على الشعب السوري، ومن أبرز تلك الأحياء سواء ضمن العاصمة أو محيطها: «عش الورر» في برزة البلد، و«السومرية» و«مزة 86» في المزة، و«حي الورود» و«مساكن الحرس الجمهوري» في دمر، و«جبل الورد» في الهامة، و«مساكن الديماس» شمال العاصمة، و«الكباس» و«دويلعة» و«التضامن» شرق وجنوب دمشق وغيرها.

لا انخفاض في الأسعار

وعلى الرغم من تراجع أسعار بعض المواد بعد تحسن قيمة الليرة أمام الدولار، وتخفيض الرسوم على المواد المستوردة، إلا أن العديد من أصحاب المكاتب العقارية الذين جالت «القدس العربي» على محالهم لم يبدوا أي تفاؤل في انخفاض أسعار العقارات على المدى المنظور.
وأكد صاحب مكتب في منطقة كفرسوسة الراقية، وسط العاصمة دمشق، أن هناك جموداً في شراء وبيع العقارات منذ سقوط النظام، وفي حال عودة الحركة مجدداً فإنه من المتوقع ألا نشهد انخفاضات قريبة في أسعارها.
صاحب مكتب آخر في منطقة الصناعة في دمشق أكد أن «انخفاض أسعار العقارات متعلق بموضوع المواد الخاصة بها، ففي حال شهدت هذه المواد انخفاضات ملحوظة فإنه من الممكن أن نشهد انخفاضاً في أسعار العقارات، ولكن هذا لن يتم على المدى المنظور» بحسب تعبيره.
صاحب مكتب عقاري ثالث في منطقة الزاهرة، التي تعتبر من المناطق المرغوبة للسكن، أكد أنه «لا يمكن التنبؤ بأسعار العقارات حالياً باعتبار أن هناك جموداً في عملية البيع والشراء، ولكن بالمجمل فإن النشاط في هذا القطاع يعود لقدرة المواطنين» مشيراً إلى أن «عدم الاستقرار في الأسعار كان من بين الصفات الملازمة لسوق العقارات في سوريا».
وبين أن «حركة بيع العقارات ظلت ضعيفة في السنوات الأخيرة بسبب التراجع الكبير للقدرة الشرائية شبه المعدومة لدى أغلب المواطنين، وكذلك للارتفاع غير المسبوق وغير المبرر في أسعار العقارات وخصوصاً في العاصمة دمشق».

ملاذ للاستثمار

وشكل شراء المنازل خلال العقود الأخيرة، حلماً للكثير من السوريين، بسبب الغلاء الفاحش في أسعارها، ففي دمشق كانت قيمة الشقة قبل بدء الثورة في الأحياء الراقية مثل المالكي وأبو رمانة وكفرسوسة والفيلات الشرقية والغربية في المزة، نحو 50 مليون ليرة، أي ما يعادل مليون دولار، وحافظت هذه على أسعارها بقيمتها الثابتة، ولكن تدهور الليرة السورية جعل سعر الشقة يصل إلى 15 مليار ليرة.
وحسب مختصين في السوق السورية، فإن الأسعار الفلكية كانت نتيجة المضاربات في أسعار العقارات وكان مردها إلى انغلاق آفاق استثمار رؤوس الأموال في قطاعات أخرى، ظلت حكرا على فئات معينة من زبانية النظام والمستفيدين من بيئته الفاسدة، وبات الاتجار بالعقارات من أكثر الأساليب الرائجة للمحافظة على رؤوس الأموال وتنميتها، وإن اقتحم هذا القطاع حديثو النعمة من أبناء المسؤولين في الدولة، وحاولوا أيضا الاستفادة من مزاياه، لكنهم لم يستطيعوا إغلاق هذا القطاع أمام عامة الشعب بسبب حجمه الكبير.

الاستئجار بطريقة «حُبّية»

ودفع الارتفاع الكبير في أسعار العقارات، شراء أو استئجاراً، بالكثير من السوريين للبحث عن فرص عمل في الخارج لتأمين قيمة شقة يمكن أن تؤوي عائلاتهم، ومع سقوط النظام والانتهاء من الهاجس الأمني الذي كان يقبع على قلوب السوريين، بدأ هؤلاء مشوار عودتهم للوطن، لكن حالة عدم الاستقرار الحالية، شكلت عائقا وراء عدم عقد صفقات شراء سريعة.
وأوضح أحد العائدين من لندن لـ«القدس العربي» أنه وخلال أكثر من أسبوعين أو ثلاثة من البحث، لم يستطع استئجار منزل في المزة أو كفرسوسة، فالبعض يطلب إيجاراً يصل إلى 2500 دولار لشقة تتراوح مساحتها بين 150 و200 متر مربع في المزة، على حين طلب آخرون في كفرسوسة إيجاراً يصل إلى 14 ألف دولار في السنة لمنزل مفروش.
وقال المغترب السوري العائد، دون ذكر اسمه، إن «أي عقد، سواء للشراء أو للإيجار، فإنه لابد وأن يتم بين عائد وصاحب منزل من معارفه أو أصدقائه المقربين، لأن العقود تتم اليوم بطريقة «حُبّية» قائمة على الثقة المطلقة ولا توجد أي طريقة رسمية لتنظيم مثل هذه العقود الممنوعة حالياً».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية