ترنو مريم العذراء وبيديها وردة متكورة على جفافها. ومن ملكوت صوتها يندلع سكون سماوي:
– السر في أريحا.. جدِ أريحا.
– سيدة كاريس.. عذراً لإيقاظك.. غادري رجاءً؛ لا جدوى من البقاء.
– لا بأس دكتور.. سأبقى بجانبه؛ أخشى أن يستفيق ولا يجدني.
– لا أمل في صحوته… دعينا ننزع الأجهزة.
أجراس الكنيسة ترقص رقصاً نقرياً في قلبها الموبوء بصلواتٍ تكاد تفقد إيمانها؛ لم تستطع إيقاظ طفلها من غيبوبته بعد. ولم تتحلَ قبل عام بشجاعة تحريره من سباته، لكنها تؤمن أن ثمة ما يجعل القديسة مريم تعكف على زيارتها في المنام وتجتر ذات التوجيهات: السر في أريحا.. جدِ أريحا.
تُغالب دمعها الذي يوشك الآن على سؤال البابا عن تأويل محتمل للرؤيا فلربما يفك أحجيتها، غير أن كاريس لا ترغب في البوح بمكنونات خلجاتها لرجل دين؛ لئلا ينتهي بها الأمر للاعتراف بالخطايا. يُكفكف نبضها نحيبه الخفي جازماً بأن السماء باغتتها برقاد سرمدي لأمومتها وطفلها عقاباً على محاولتها إجهاضه، تماماً كما فعلت بوأد من قبله في أحشائها. إذن، توقن إن الإفصاح لن يعيقها عن مزاولة الندم، ليس بعد تركها الصغير في عهدة زوجها الذي أطعمه جرعات موت زائدة من الهيروين كحبوب إفطار.
سيدتي إليك الوردة لتعود بسمتك!
قالها بنبرة طفولية تزدرد الرجاء. راحت تتأمل قسماته التي ينهال منها التعب، وتتفحص جسده المليء بندوب تطؤها الجراح، ملابسه الرثة، حقيبة الورود البالية، وحذاؤه الملطخ بتراب التيه. لا شك أن القلوب البائسة تستدل على خفقات بعضها ببسمات تخبو فيها الأوجاع، لعل هذا فعلاً ما قاده لاختيارها من بين جموع الكنيسة. تُمسك الوردة البيضاء وتدس المال في جيب الصغير.
– هنا الكنيسة لا المتجر.. هل أضعت والديك؟
لم يعرها جواباً وانصرف يجري دامعاً نحو الخارج. تتبارى تنهداتها مع أقدامها التي لم تتمالكها، فور لمحها الوردة المكورة الجافة التي رأتها بيد مريم العذراء في المنام تتدلى من حقيبته.
ـ كيف اختفى سريعاً؟ وكيف سأجده مجدداً؟ سألت الرصيف.
على متن عبّارة تقلها بحرياً من أثينا إلى جزيرة ليسبوس اليونانية، تفشل كاريس في صرف عينيها عن زوجين يداعبان صغيرهما، وسراً تشتم قلبها الذي شّله العمى فأبى التنبؤ بما سيؤول إليه اقترانها بذاك الرجل من خيباتٍ تقيء الحب. لكنها بطلاقها ستنفث ذكراه، لاسيما بعد أن بات الآن خلف أسوار يعاقر فيها العتمة لا نساء أخريات. لا شيء يمنعها من لعن قدر قذفها قسراً إلى الحياة بلا هوية؛ ثمرةً لعلاقة غير شرعية نفتها لوحدة ترعرعت بجحيمها في دار رعاية اجتماعية. لا شيء مكّن الأقراص المضادة للاكتئاب من منع استمرار رؤيتها لمريم العذراء، ومحو مشهد لحاقها بالطفل خارج كنيسة هجرتها قبل تسعة أشهر مضت. بعد قليل ستصل أخيراً إلى مخيم موريا المأهول بآلاف اللاجئين؛ لتبدأ رحلتها العلاجية في مواجهة مخاوف جزم طبيبها النفسي بتبددها.
-السر في أريحا.. جدِ أريحا..
تُمنّي نفسها بأن هذا الهمس محض دعابة ستتلاشى بعد ثوانٍ من انغماسها في الشرح، بيد أن دَوِيّه ظّل يترنح في وجدانها بإلحاح جعلها تنهي درسها للأطفال، وتصاب بعجز خشيت أن يفقدها مهارة تعليمٍ أجادتها عبر مهنتها، أستاذة للغات والآداب في أثينا. تخرج كاريس على عجل من الفصل طرداً للزفير ورغبة عارمة بالهروب. وهناك تراه جالساً مستنداّ إلى شجرة، متمعناً ذات الوردة الجافة المتكورة في حجره. يلتقي بصرها بعينيه فيرمقها في ذهول.
– عزيزي.. أريد شراء هذي الوردة.
– ليست للبيع.. هل أضعت طريق المتجر؟
– جئت لتعليم الأطفال. لم لا تبيعها؟
يخبئ الوردة في حقيبته ويجفل كنبي يتوارى وراء الغيم. تتبع خطاه إلى إحدى الخيمات المكتظة بأجساد ثملة بالشتات. تحدّق في أعين اللاجئين التي تأوي حروباً تتضور أوطاناً. كل شيء ينطق شوقاً وفقداً ويخاطبها بالقول:
لست الوحيدة.
هنا امرأة تبكي حُمى رضيعها وترحيلها المحتمل خارج الحدود، وبجوارها رجل هرم إلا من صبره، تنعى تجاعيده أولادا قضوا في تفجير غادر. صار بوسع آلامها أن تشرب نخباً على اغترابهم، والامتنان لسقف سماء آمن غير مخروم بالرصاص.
«اسمه آدم! وهو الناجي الوحيد من أسرة أغرقتها أمواج البحر في درب الهجرة» قالتها الفتاة التي جلس الصغير قربها منزويا على اشتياقه. وبدمعٍ يشوبه استحياء تدنو كاريس وتستقر جلوساً إلى جانبه.
سيدي آدم.. أنا أيضاً بلا أبوين.. هل لديك وردة تعيد بسمتي؟
يومئ برأسه نافياً وبصمت يحرر القارورة من ماءٍ تنحدر بعض قطراته على الوردة التي فجأةً تتمدد أوراقها ويحال جفافها لاخضرارٍ يغمر كاريس بدهشةٍ تفغر فاها.
-أريحا ليست للبيع.. أوصتني ماما بأن أحييها بالماء كلما جففتني الحياة.
تعانق آدم وتعتريها صدمةٌ تثقب صدرها بحيرةٍ تشي بأن الهبوط إلى النسيان موت يلد الذاكرة.
كاتبة بحرينية