القاهرة ـ «القدس العربي»: في فيلم «العزيمة» قدم رائد الواقعية المصرية المخرج كمال سليم أول نموذج لصعود الطبقة المتوسطة، من خلال شخصية حسين صدقي، الموظف الحكومي الذي نال قدرا وفيرا من التعليم فأصبح مؤهلا لإدارة الشركة الاستثمارية التي أسسها الباشا والد صديقه أنور وجدي، الشاب الارستقراطي الطائش الذي تفوق عليه «محمد أفندي» أو حسين صدقي في التعليم، فاكتسب ثقة الباشا الذي كان حانقا على ابنه لعدم اكتراثه بمستقبله وحياته العملية، كان شديد الإعجاب بالشاب المكافح الفقير إلى الحد الذي جعله يشجع علاقته بابنه كي يصلح من شأنه ويتأثر إيجابيا به.
كان الهدف من الفيلم هو إعلاء قيمة العمل وتجاوز الفوارق الطبقية والتأكيد على أن العلم هو المقياس الحقيقي للتميز والتمييز، ونجح الطرح السينمائي والفكري في «العزيمة» وكان له بالغ الأثر في استمرار المدرسة الواقعية التي تسلم رايتها من كمال سليم بعد ذلك المخرج الكبير صلاح أبو سيف، الذي قدم أفلاما مهمة في هذا الصدد استهدفت كسر الحاجز الطبقي وتلاشيه تماما، ولعل فيلم «بداية ونهاية» كان التجربة الأثرى من حيث اللغة والمضمون، حيث ساوي بين حسنين «عمر الشريف» ضابط الحربية الذي ينتمي لأسرة فقيرة، وبين أقرانه من أبناء الباشوات، الذين جمعت بينهم كلية واحدة وتخرجوا ضباطا لا تفرق بينهم إلا الكفاءة، دون النظر إلى الخلفيات الاجتماعية التي جاءوا منها، غير أن سوء الحظ فقط كان حليفا لأسرة حسنين فأوردها موارد التهلكة.
وتنوعت التجارب والرؤى السينمائية عند صلاح أبو سيف وغيره وجاء فيلم «رد قلبي» ليضع نهاية لنزعات التعالي ويهدم أسوار الطبقية المجتمعية، التي كانت قبل قيام ثورة يوليو/تموز، وأرخ لها الكاتب الكبير ثروت أباظة في روايته الشهيرة التي تحمل العنوان نفسه، إذ تمكن علي ويكا ابن الريس عبد الواحد الجنايني من الالتحاق بالكلية الحربية ليصير ضابطا في الجيش المصري مشهودا له بالكفاءة والانضباط وحسن الخلق، ويعد «رد قلبي» من أقوى الأفلام التي علقت بأذهان الجمهور وعاشت في وجدان الملايين، لأنه ناهض فكرة بائدة وصحح مفاهيم كانت سائدة في عصور سابقة.
ومنذ ذلك التاريخ أخذت السينما على اتقها مسؤولية إنصاف الفقراء والانحياز لهم، بوصفهم ملح الأرض، وقدرت كل الثورات والانتفاضات الشعبية وهبات الإصلاح والتطوير، بتقديم النماذج المشرفة من الكادحين والمطحونين، وعبر مراحل كثيرة جاء التنوع والتباين، ولم تغفل السينما حق هؤلاء، ففي فيلم «الأرض» برزت شخصيات تولت مهمة التنوير وتبصير أهل القرية مثل الشيخ حسن «يحيى شاهين» ومحمد أندي «حمدي أحمد» اللذين تصديا للعمدة الفاسد، ومحمود باشا الإقطاعي المستقل، وقد قصد يوسف شاهين أن يعلي من قدر المتعلمين في القرية البسيطة، دلالة على ضرورة التعليم وأهميته، وفي الوقت نفسه لم يقلل من شأن الفلاح البسيط محمود سويلم، بل على العكس وضعه في مكانه متميزة وحباه بالوقار والشجاعة والقوة والصلابة.
كذلك قدم صلاح أبو سيف النموذج المعاكس في فيلم «المواطن مصري» عمر الشريف العمدة المستبد الظالم والانتهازي، الذي يضطهد عزت العلايلي الفلاح الأجير ويغريه بالمال ليتنازل عن نسبه لابنه ليتم تجنيده بدلا من الابن الحقيقي للعمدة، الفتى الملل المنفلت. المعالجة هنا تعقد المقارنة بين ابن الذوات الرخو وابن الفقراء الأكثر خشونة ورجولة وقدرته على تحمل المسؤولية، وهي ذاتها فكرة الإطاحة بالهاجس الطبقي الذي يعطي الحق لأبناء الكبار في التمييز وتفويت الفرص على غيرهم من أولاد الناس الغلابة في المناصب والوظائف المرموقة بالمواقع السيادية، وهو الملف الذي لم يمل المبدعون من فتحه ومناقشته.
هناك على وجه التحديد فيلم اختص بهذه القضية وطرح صورة تراجيدية لظروف وواقع العناصر المتفوقة دراسيا وعلميا والمظلومة اجتماعيا الفيلم بعنوان «أني لا أكذب ولكني أتجمل « جسد فيه الفنان الراحل أحمد زكي شخصية إبراهيم، ابن أحمد الجزيري الذي أنفق على تعليم ابنه من كده وعرقه، مع أمه ناهد سمير التي تعمل خادمة لدى أسرة آثار الحكيم حتى صار ابنهما على مستوى رفيع من الوعي والعلم، ولكن حال انتمائه الطبقي والاجتماعي بينه وبين خيرية زميلته في كلية الطب سليلة الأسرة العريقة، وعلى هذا ظل الصراع الدرامي محتدما في الرؤية الإنسانية التي قدمها المخرج إبراهيم الشقنقيري بمنتهى الواقعية، فجعل النهاية في غير صالح البطل ليلفت النظر إلى العوار الاجتماعي القائم بفعل معتقدات وعادات وتقاليد متوارثة قضت بأن يكون الفقير أقل حظا.
وتمر السنوات ويعود أحمد زكي أيضا لتجسيد النموذج المغاير في «البيه البواب» مع المخرج حسن إبراهيم، معطيا إشارة إلى أن البواب لا تنقصه إلا الفرصة ليصبح ناجحا، فليس القصور في العقل أو التفكير، وإنما هي القدرة على النشاط والدأب وتطويع الظرف الاجتماعي واستثماره وفق قدرات الإنسان وميوله واستعداده الفطري.
ولا يمكن أن ننسى في سياق ما نطرحه من وجهات نظر سينمائية وإبداعية حول قضية الطبقية وعلاقتها بالوظائف والمهن ومصائر البشر فيلم «الأيدي الناعمة»، الذي قدم صورة سلبية عن الإقطاعي الثري العاطل بالوراثة، والواقف «محلك سر» في مفترض الطرق ما بين الماضي البرجوازي والتحول الاجتماعي الجديد، مكابرا ومعاندا ورافضا لفكرة المساواة، فيما نلحظ أبناء الفقراء يتقدمون خطوات للأمام ويسجلون نجاحات عظيمة في شتي مناحي الحياة، من الدكتور إلى الشاب ابن بائع «البسبوسة» إلى العامل في السكة الحديد، لقد برع أحمد مظهر في لعب دور البرنس الفاضل في التأليف الموسيقي والتمثيل المتحول فيما بعد إلى عنصر صالح، بعد أن أدرك قيمة العمل وشعر بتطور الحياة من حوله واعترف مؤخرا بالمساواة وسمح بزواج ابنته من ابن موظف السكة الحديد، هذا العمل الفني ميز من الناحية الفنية والناحية الضمنية.
وتأتي التجربة الأخيرة الدالة على الأزمة الطبقية والمرض الاجتماعي المزمن متمثلة في فيلم «عمارة يعقوبيان» المأخوذ عن رواية بالاسم نفسه للكاتب علاء الأسواني، حيث يناقش الفيلم الذي كتب له السيناريو وحيد حامد، وأخرجه مروان حامد قضية ابن البواب الذي رفضت كلية الشرطة قبول أوراقه، لكونه من طبقة اجتماعية دون المستوى، فكان ذلك كفيلا بتحوله الكامل في ما بعد حسب أحداث الرواية، وهي ذاتها القصة الحقيقية المستلهمة من حادث انتحار طالب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، الذي تخرج بتفوق وحصل على الشهادة ورفضت وزارة الخارجية تعيينه فانتحر جراء الصدمة.
في هذا الفيلم جاءت المعالجة واقعية وراصدة للخلل وحاملة الإدانة للنظام السياسي السابق الذي كرس لهذه القواعد المجحفة وغير العادلة، التي كانت سببا في قيام ثورة 25 يناير/كانون الثاني.
في هذا الملف قدمت السينما المصرية عشرات الحالات بأوجه مختلفة جاءت كلها ساخرة من هذا المفهوم الرجعي ومتبنية لفكرة العدالة المطلقة في الحصول على كافة الحقوق المنوط بالمواطن الشريف الحصول عليها.
وما أوردناه كان بمثابة ملامح لأهم الأفلام وليس لكل الأفلام، بالطبع وما قصدناه هو الوقوف على حدود العلاقة بين ما يفرزه الواقع ويشكل قضايا عامة، وما تطرحه السينما ويعبر عن النمط الفكري والإنساني وتفاعل الرأي العام معها، ولهذا فإننا نسوق هنا نموذجا أخر لفيلم تناول القضية الطبقية بشكل مباشر محذرا من التسلق وواضعا عنوانا استنكاريا «انتبهوا أيها السادة» كي يضيء اللمبة الحمراء في وجه المجتمع الانفتاحي، الذي جعل العناصر الطفيلية هي الطافية على السطح، رامزا لها بشخصية محمود يس، الزبال الذي انسلخ من طبقته وعاش حياة البذخ، بعد أن صار مليونيرا وأصبح نظيرا لأستاذ الجامعة حسين فهمي، وتختلف النظرة في هذا الفيلم عن الأفلام السابقة من حيث المعالجة، فهو يدعو للتوازن الاجتماعي وعدم القفز اللامنطقي على الطبقة الأعلى، ولكنه لا يسخر من الزبال كرجل مهني، وإنما يسخر منه حين يتحول إلى شخص احتكاري يتصرف بجهالة في ما لا يفهم فيه، إذ أن المعنى من السخرية هو الجهل وما ينتج عنه من مساوئ وليس الزبال أو مهنة الزبالة في حد ذاتها.
ونحن إذ نذكر هذا الفيلم كونه عملا فنيا تعرض مباشرة للقضية ذات البعد الطبقي، في وقت مبكر انتقد فيه الصعود العشوائي والسريع للعناصر الطفيلية، التي تاجرت في أي شيء وكل شيء، فكونت ثروات طائلة وعاشت على أنقاض المجتمع الفقير، فاختل بظهورها وتوحشها ميزان العدل الاجتماعي، فانقسم المجتمع نصفين نصف يمتلك كل شيء والنصف الآخر لا يمتلك أي شيء.
كمال القاضي