بعد بضع ساعات على تسلمه رسالة الاستقالة التي نشرها رئيس الأركان هرتسي هليفي الثلاثاء الماضي، بذل وزير الدفاع إسرائيل كاتس جهوداً كبيرة للسيطرة على جدول الأعمال الإعلامي. بشكل عجيب، تسربت في ذاك المساء في أخبار 12 اقتباسات قاسية لمحادثة أجراها كاتس مع هليفي قبل بضعة أسابيع. يجب فرك العيون عند قراءة الاقتباسات التي جلبها المراسل السياسي يارون أبراهام. الوزير الغض ألقى على مسامع رئيس الأركان خطاب توبيخ لاذعاً، فيه تفسيرات مفصلة حول واجب رئيس الأركان بتحمل المسؤولية عن الإخفاقات التي سمحت بحدوث المذبحة في 7 أكتوبر. “المسؤولية ليست كلمة عامة. أنت تترأس هذا الجهاز”، قال كاتس لهليفي.
هليفي، بصفته رئيس الجهاز العسكري، هو وبحق المسؤول وكان عليه الاستقالة، كما يبدو في مرحلة مبكرة. والمطلوب حقاً درجة كبيرة من الانغلاق كي تقدم طلبات كهذه لرئيس الأركان في الوقت الذي كان فيه كاتس نفسه عضواً في الكابنيت وقت حدوث الفشل. أما وزير الدفاع الحالي فقد عينه المسؤول الأول عن الكارثة، رئيس الحكومة نتنياهو. ولكن كاتس يتصرف كسائح أو محلل صادف تواجده في المكان، وبالطبع يتجاهل جزء المسؤولية الذي لن يكلف المسؤول عنه نفسه عناء تطبيقه.
ولأن شبكة العلاقات بين السياسيين وهيئة الأركان تميل مسبقاً لصالح السياسيين، ولأن الجمهور الإسرائيلي متعب ومتآكل إلى درجة لا يمكنه الخروج بجموعه إلى الشوارع، ها هو نتنياهو مرة أخرى يرتسم باعتباره الباقي الأخير؛ وينجح في اجتياز عقبة هليفي. فبدلاً من أن يستقيل هو نفسه، فإنه سيبقى في منصبه، بل وسيحدد من سيكون رئيس الأركان القادم. المقابلات الشخصية التي سيجريها كاتس الأسبوع القادم مع المرشحين الثلاثة لهذا المنصب – الجنرالات أيال زمير وأمير برعام وتمير يدعي – ليست سوى ستار آخر من الدخان. وفي هذه المرة، ليس كالسابق، رئيس الحكومة وحده من سيقرر. يتبين في هذه الأثناء أن لعائلة نتنياهو، فرع ميامي، تحفظات أيضاً على اختيار المرشحين من قبل كاتس. والقائمة قد تطول أيضاً.
تفاصيل توزيع المسؤولية لا تعني من يؤيدون نتنياهو وشركاءه؛ فهم منشغلون بمراكمة المزيد من القوة وتطهير صفوف القيادة العليا العسكرية من المعارضين المحتملين، الذين حسب أقوال الوزير سموتريتش، ملأوا عقول الجنود بأفكار مسممة عن “التقدم” والانهزامية والحوكمة. هجمات رئيس قائمة “الصهيونية الدينية” الأخيرة، عملية لحرف الانتباه. على سموتريتش طمس الحقيقة المدهشة بشكل ما، وبقي في الحكومة حتى هذه الأثناء رغم تصويته وتحريضه على صفقة المخطوفين. إن تركيز النقاشات على رئيس الأركان واتهامه بعدم تحقيق الانتصار على حماس، يوفر للوزير مخرجاً مريحاً.
إعلان هليفي بالاستقالة الفعلية في 6 آذار القادم يذكر بمفهوم كان سائداً في الأقسام الرياضية، عندما كان الحديث يدور عن مدربي كرة القدم. قرار الاستقالة سبق الإقالة. قرأ هليفي الصورة جيداً وعرف أنه ما دام على الكرسي فسيواصل كاتس التنغيص عليه. التنغيص اليومي على هليفي إضافة إلى المضي بقانون الإعفاء من الخدمة العسكرية، هي المهمات الأساسية التي ألقاها نتنياهو على كاتس في وزارة الدفاع، وهو ينفذها بإخلاص. إلى جانب ذلك، يحرص على التقاط كثير من الصور أثناء زياراته للوحدات والجبهات. اهتمامه اليوم بإدارة الجيش والوزارة في المقابل، قليل جداً.
مطلوب ضابط ملتزم
الأبواق الآن منشغلة بتشكيل قوائم من ستتم ترقيتهم ومن سيتم عزلهم في هيئة الأركان، بأسلوب غير مسبوق في إسرائيل منذ 6 أو 7 عقود، منذ فترة مباي السعيدة. طلب أحدهم (في الحقيقة أمر) هذا الأسبوع من الجنرالات يدعي وينيف وعاسور، وحتى العميد احتياط عوفر فنتر، إخراج الزي العسكري من الخزانة وكيه. في القريب، سيسارع هؤلاء الأشخاص أيضاً إلى طلب الفضل لأنفسهم إذا صودق على التعيينات والترقيات. إلى جانب الترقيات، يتوقع حدوث إقالات أيضاً. في محيط نتنياهو يريدون رؤية إقالة الجنرالات المتورطين في الفشل. وفي المقابل، الإسراع إلى ترقية ضباط يعتبرون “هجوميين” (على الأغلب، هذه هي الشيفرة السرية لمعتمري القبعات)، الذين “أثبتوا أنفسهم في الحرب”. في هذا الإطار، من غير المستبعد أن الضباط الذين قام هليفي ووزير الدفاع السابق غالنت بترقيتهم أثناء الحرب، سيطلبون المغادرة أو نقلهم إلى وظيفة أخرى بسرعة نسبية. إذا كان الليكود يشعر الآن بأنهم في المقدمة، فلماذا لا يركزون على هدف أهم – إقالة رئيس جهاز “الشاباك” رونين بار؟ في الوقت الحالي، يبدو أن بار عازم على البقاء في منصبه، رغم المضايقات ومسؤوليته الفعلية عن يوم الكارثة. نأمل أن يصمد.
وفر هليفي هدفاً مريحاً لإلقاء مسؤولية الفشل عليه. ولكن الحاجة إلى إقالته ترتبط بالجهد أيضاً، الفاشل حالياً، لإجازة قانون الإعفاء. في الشهرين الأخيرين، قاد هليفي خطاً حازماً يقول إن الجيش يستطيع استيعاب عدد كبير من الحريديم بقدر المطلوب، لأنه بحاجة إلى التعزيز، لا سيما في الوحدات القتالية. رئيس قسم القوة البشرية الجديد، الجنرال دادو بار – كليفه، قال أموراً شديدة أول أمس في لجنة الخارجية والأمن: “الجيش الإسرائيلي بحاجة إلى 7 آلاف مقاتل تقريباً، وحوالي 3 آلاف جندي في وظائف تدعم القتال في وحدات الخط الأول”، “جميعنا قلنا في 7 أكتوبر إن ما حدث لن يتكرر”، ذكر أعضاء الكنيست، وأضاف: “في اليوم الأول للحرب (بصفتي قائد الفرقة 36) دفنت 98 جندياً”.
الخوف في مثل هذه الظروف هو أن يحاول كل من نتنياهو وكاتس، في إطار التحقيقات الأولية لهما، ابتزاز المرشحين للتعهد بالسير معهما، وأول شيء ضمان إعفاء الحريديم. عملية التعيينات تجد هيئة أركان خائفة ومتعبة. وضع الجيش النظامي في أسوأ الحالات. التوجهات التي ظهرت خلال الحرب، على رأسها قرارات استقالة ضباط برتب متوسطة، ربما تحصل على زخم آخر أثناء وقف إطلاق النار. القادة يديرون حرباً مانعة لإبقاء ضباط شباب في الخدمة، ويستخدمون كل الإغراءات والتهديدات الممكنة. الادعاء الأكثر فاعلية ألا يكون هناك من يشغل الوظيفة بدلاً منهم. هذا الوضع، لا سيما بعد آلاف المصابين والقتلى، يعني أن على الجيش أحياناً التنازل عن الجودة.
رئيس الأركان القادم سيتولى منصبه بمجال عمل مقلص، في ظل حكومة منفلتة العقال وعدوانية ومشاكسة. هو سيقابل جمهوراً متعباً بسبب عبء الخدمة، ويحتاج إلى علاج قائمة طويلة من المهمات، مثل طول المنفى – بدءاً بتغييرات مطلوبة في بنية القوة العسكرية، وحتى الاستعداد لاشتعال جديد في غزة، وهجوم محتمل للمنشآت النووية في إيران.
لا تنتظره شاحنة محملة بالأوسمة، بل جيش منهك. ورغم نجاحاته العملياتية في السنة الأخيرة، ما زال يعتبر نفسه جسماً منهكاً في ظل صدمة المذبحة. إذا لم يتم انتخاب شخص قوي، فثمة خطر يتربص صفوف الجيش الإسرائيلي أشبه برواية انهيار الشرطة في ظل الوزير بن غفير.
عاموس هرئيل
هآرتس 24/1/2025