«الجفتلك» في سوريا… تشريقة الفقراء والمغامرين

حجم الخط
3

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان قاطنو جبال الساحل السوري ما يزالون حبيسي سفوحها ومنحدراتها وقممها، عاشوا على سطح تلك الخرائط الزمنية بينما هي تدور حول نفسها دون أن تتقدم قيد أنملة، مثل طواحين هواء تدور دونما غاية. علِق أهلوها تحت طبقات أخرى غير تلك التي نشط فيها أهل اللاذقية ودمشق وحلب وحمص وحماة، فظلّوا معزولين يمشون بخطوات واسعة معتمدين على عضلات سيقان اشتدّت وقويت من كثرة التنقل بين المنحدرات الوعرة، حيث الخوف من السقوط يلازمهم في كل لحظة.
تاريخهم البعيد ما يزال تحت وسائدهم، وحكايات دماء أجدادهم ظلّت تزكم أنوفهم، رأوا في التوجس من الغريب حكمةً، وفي سوء الظن وقاية، وفي الصمت والترقب واجبا للحفاظ على الروح والتستّر على الدين. لكن إلى متى سنبقى هنا؟ لا شيء سوى الصخر، ماء كثير ولا ترابٌ فما الفائدة! لنرفع رؤوسنا التي تُفتّش عن الخبيزة والفطر والمقسيطة والقرصعنة، ولننزل إذن.
هكذا أخذوا يشرّقون، الفقراء والمغامرون، يسبرون السهوب ويستكشفون النواحي، رفعوا رؤوسهم فوق منحدرات بيت ياشوط ومشتى الحلو وأبو قبيس، ورأوا الأفق الشرقي مفتوحا وبعيدا، لا مرتفعات تحول بينهم وبين المدى، فركوا أعينهم، لم تكن معتادة على الحرية، وأخذوا يستنشقون ريحا لم تصطدم بشيء، لا شيء يحجز الهواء، يلعب كما يشاء ويمضي من الغرب إلى الشرق في غالبية أيام السنة، مثل تيار آمالٍ عذبة.
نزلوا من على السفح الأخير وكأنهم فراخٌ تتعلم الطيران، قلوبهم تشهق من وفرة التراب وخفة الهواء، الحياة ممتدة وما على البشر إلا أن يجيئوا ويعيشوا. يستيقظون عند الفجر ويرون الشمس تشرق في لحظتها الأولى، ضوؤها الأحمر يبزغ، ليس عليهم بعد اليوم انتظارها حتى تصعد صفراء مكتملة من وراء الجبل. هكذا عرفوا بداية الضوء ونهايته، أول النهار وآخره، أوله تماما وآخره تماما، لا شيء يحجب البدايات، ولا شيء يحجب النهايات، هنا القصة كاملة. وأثناء القصة تُصرّ الأيادي على عفر التراب ودسّ البذور كل خريف وربيع، وتمضي في الطريق الأرجلُ التي شبّت جيلا بعد جيل على الخطوة الواسعة، كانت مثالية لبذر القمح والشعير، خطوة أولى: الذراع تمتلئ بالحَبِّ من الخِرجِ المعلّق على الكتف الثانية: الذراع على طولها تنثر البذور نحو الشمال، هكذا هو الزرع، واحد اثنان.. رشّة، واحد اثنان.. رّشة، تتقدّم الأقدام في خطّ مستقيم ولا تتوقف حتى التخم. يتكرر الأمر حتى تُوزَّع البذار على أقسام الأرض بالعدل، ثمّ تُطمر وتُسحّى. شخصان متقابلان، كلٌّ منهما يُمسك المسحاة من طرف، الأول يُجمّع التراب بشيفرتها، والثاني يسحبه فيعلو خطّ الفلاحة بينهما، ثمّ يرتسم خط مقابله في جولة ثانية، يفصل بين الخطين أقل من نصف متر. في الفراغ بينهما سيجري الماء ويدلف نحو المسكبة، سيتراكض بين خطوط الفلاحة ثمّ يعلو منسوبه رويدا رويدا، وحين تشبع، يسدّ الرفش بابها الضيق ببعض الطين، ليمضي الماء إلى المسكبة التي تليها.
من ينظر من بعيد إلى مشهد الريّة الأولى التي تُدعى «الترابية»، يرى فيه بشرا يسقون ترابا، ليس هنالك نبات، إنّه مجرد جنون وتعويل على معجزة متكررة. نُعيد التكوين، هذا كل ما في الأمر، ماء وتراب فطين، لا ندوس فيه حتى لا تُخرِّب آثار أقدامنا مواضع البذار فتنكشف على الهواء والريح الشمس، فلكي تلدَ تحتاج إلى رطوبة وظلام وصمت. أنظر من على سطح البيت، جزء من الحقل طين وآخر ظل ترابا، جزء غامق اللون وآخر فاتح، غدا سيتقدم الطين أكثر وتجفّ قليلا الأرض التي رُويت اليوم، وكأن الوحل يترك مكانه ويرحل، تطرده الشمس وتدفعه الرياح. بضعة أيام وستنتش البذور مثل رموش تتفتح، لم يتبقَ الآن سوى الدعاء أن تحمل الريح الغربية الغيم الأسود في مسارب السماء، فتتكفّل بريِّ الحنطة طوال الشتاء ولا نضطر لسقايتها إلى أن يأتي الربيع، عندما تكون قد كبرت ووصلت إلى مستوى الركبة، فنكْرِمها حتى تُتخم وتطول حدّ الكتف وتُسبل، عندئذ نرويها أكثر فأكثر كي تمتلئ سنابلها، وحين تشكرنا بانحناءة خفيفة نعرف أنها نضجت فنفطِمها ونتركها حتى تيبس.

تصوير: مصعب النبهان

أقل من شهر وتصير صفراء، تهبّ الريح وتتماوج الحنطة فتبرق العيون، «غدا نبدأ الحصاد» يُعلن جدي بعد عودته من جولة حول الحقل. يسنّ المناجل تحت الشجرة وقت الغروب ثمّ يضعها على مصطبة التنور قرب جدتي التي ستخبز اليوم مساءً، لأنّ لا وقت لديها في الصباح. ينهض الجميع ساعة الفجر، الكل يجب أن يحصد، الرجال والنساء، يدسّ جدي العشب بيده ويحمد الله أنه استشعر الندى.
لكل واحد ثلاثة خطوط فلاحة، من أمامه وعلى يمينه ويساره، ويبدأ السباق. جدتي تتفاخر بسرعتها وتلتفت كلَّ حين إلينا وتبتسم، ابنها الكبير وراءها، أظنه قادرا على تجاوزها لكنه يحافظ على مركزه الثاني. أما جدي فيحصد بهدوء، بيدين من صبر وغبار، بجوار بناته وكنته. ثمّ في لحظة يتوهج فيها الإحساس بالبقاء، يصعد صوت من كل تراب الدنيا، من أرواح الحصّادين على مرّ التاريخ، تأخذه جدتي وتبدأ بالتعتيب. لم أكن أفهم بعض الكلمات البدوية في المواويل، أو بالأحرى لم أكن أهتم بمعانيها، كان يأخذني صوتها فحسب، لم يكن عذبا ولا خشنا، يصعب القول إنه جميل، تلك ليست الكلمة المناسبة، كان محايدا مثل أرض تحكي، كان صوتا جماعيّا يخرج من حنجرة واحدة، شعائر من قشٍّ وطحين، من خبز وتراب. كانت مهمّتنا أنا وعليّ أن نجمع الشمائل ونكوّمها حتى تُصبح جاهزة للدَّرس ولافتراق حبّات القمح عن سنابلها إلى الأبد. بُعيد الساعة الثامنة تسطع الشمس فيطير النّدى ونتوقف عن الحصيدة حتى صباح الغد.
هذه السهول كان اسمها «الجفتلك»، وتعني بالتركية الأرض المزروعة، بدأت قصتها عام 1848، عندما كانت شبه خاوية وخالية من سكان دائمين. أراد الباب العالي للسلطنة العثمانية حماية حواضر حمص وحماة من غزوات البدو، فأصدر السلطان عبد المجيد الأول فرمانا أعلن فيه عن مغريات لكل جماعة تبني قرية، أو بلدة شرق نهر العاصي، كإعفائهم من الضرائب وإسقاط الجندية الإلزامية عن شبانها. أول الأمر كانت الهجرات بطيئة للغاية، وأخذت بضعة عقود حتى كبرت مثل كرة شمس تتدحرج من جبال اللاذقية والقدموس. نزل الأكثر يأسا والأقل ملكاً، ثم عاد بعض من نزل، أخبروا الناس عما رأوه وماذا يوجد خلف المرتفعات، ثم رجعوا ثانية ومعهم الأكثر أملاً والأقل ملكاً. اقتربوا من الينابيع ومن حواف السواقي والترع وشبكات القنوات الرومانية القديمة، وقبّة إثر قبّة راح يعمر الجفتلك بخطوط متوازية ومتداخلة من القرى المحاذية للبادية.
تنقّلت معظم العائلات بين مناطق مختلفة حتى طاب لها المقام في سهل فسيح أو على تلة عريضة، فتكاثرت القِباب مثل كائنات طينية مخروطية، وصار كلّ تجمع منها قرية صغيرة، وغدا الجفتلك درعاً تلقى بعض الضربات إثر خلافات مع البدو على الماء والمراعي ومواطن ورود المواشي. لكن ما لبثت السريرة أن هدأت وصار الدرع أقل صلابة، حين صارت السهام أقل حدّة، وشيئا فشيئا اندمج الحضر مع البدو، الغرب مع الشرق، العيون المتوجسة مع العيون المسهبة، الخشية مع المكر، الصوت الجهوريّ لسكان الجبال مع طلاوة كلام البداة، الترّدد مع الثقة بالأرض، الجهل بالطرقات مع المعرفة بها، المسارب الضيقة مع المساحات المفتوحة، الرغبة بالاستقرار مع الحرية. وبعد حين أخذ شعر رجال السكان الجدد يطول، وصارت القاف تنقلب كافا في المواويل، وامتدّ القصيد على صوت الربابات يناجي المحبوب على أبواب القفار ومتّسعات الأراضي. لكن لا حنين ولا اشتياق إلى الأصول، هذا عالمنا الجديد، سنبقى حيث يكون التراب، ولو أنّ البرد أشدّ والشمس أسطع والمطر أقلّ، فما نفع كثيرة في أرضٍ لا تُقدّر معروف السماء، منذ اليوم لن نبكي إلا ووجوهنا نحو الشرق.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية