الأمم المتحدة ـ نيويورك ـ «القدس العربي»: بعد 471 يومًا من حرب الإبادة التي شنها الكيان الصهيوني بدعم مطلق من الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية على قطاع غزة المحاصر منذ عام 2007 والذي تعرض لست حروب متتالية قبل عملية «السيوف الحديدية» الأخيرة، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين حركات المقاومة، وعمودها الأساسي حركة حماس، وإسرائيل، بوساطة قطرية، مصرية-أمريكية، مؤكدين أن الدور المصري لم يكن أكثر من «شاهد صامت» حضوره مهم وغيابه أو تغييبه كان سيعطل الاتفاق.
دخل الاتفاق حيز التنفيذ صباح الأحد 19 كانون الثاني/يناير 2025 بعد أن ولغ العدو الصهيوني في دم الفلسطينيين وخاصة الأطفال مخلفا وراءه قطاع غزة مدمرا بالكامل و47 ألف شهيد و10 آلاف مفقود، وأكثر من 110 آلاف مصاب، وهذه الأرقام غير دقيقة وسنعرف العدد الإجمالي ربما بعد سنة أو أكثر. وقام العدو الصهيوني بمحاولة لاجتثاث الوجود الفلسطيني بكامله مستندا إلى شهوة الانتقام الجامحة حيث أعلن قائد جيش القتل والتدمير بأن هؤلاء «حيوانات بشرية» و «لا يوجد بريء في غزة». فقد نفّذت قوات هولاكو الجديد عمليات تدمير متواصل من دون هوادة أتت على المباني السكنية والبنى التحتية، مثل الكهرباء والماء والمصانع والمخابز والمدارس والجامعات والمستشفيات والمساجد والكنائس والملاجئ ومؤسسات الأمم المتحدة والطرق والمشاتل والأراضي الزراعية. الهدف كان واضحا: القتل ثم القتل ثم القتل. وما جرى يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر ومجموعة الأسرى (الرهائن) حجة لتبرير القتل واستدرار الدعم الأمريكي الألماني البريطاني الفرنسي المتواصل.
لكن إسرائيل في نهاية المطاف وافقت على اتفاق وقف إطلاق النار الذي طرحه أساسا الرئيس بايدن على أنه مشروع إسرائيلي في نهاية شهر أيار/مايو واعتمد كقرار في مجلس الأمن تحت رقم 2735، بتاريخ 10 حزيران/يونيو الماضي، ومع هذا ظل نتنياهو يماطل لايقاع مزيد من القتلى وظنا منه أنه سيكسب المعركة عسكريا ويطلق الرهائن بدون قيد أو شرط، كما ظل يردد.
ونستطيع أن نلخص الأسباب التي أجبرت نتنياهو أن يقبل الاتفاق:
-الصمود الأسطوري للمقاومة الفلسطينية كان العامل الأساسي في قبول هذا الاتفاق، ولو أن نتنياهو كان يعرف أنه سيحسم المعركة عسكريا لما توقف لحظة. كانت المعارك التي سبقت الهدنة بأسبوعين والخسائر الكبرى التي لحقت بالجيش الإسرائيلي عاملا حاسما لقبول وقف إطلاق النار.
-ضغط أهالي الأسرى واستمرار احتجاجاتهم خاصة بعد اعتراف الجيش بأنه هو الذي قتل عددا مهما من المحتجزين. كما أن عددا من القيادات العسكرية استقالت أو كانت على وشك الاستقالة احتجاجا على تعنت نتنياهو.
-الوزن الذي شكله تدخل الرئيس الأمريكي ترامب قبل أيام من التنصيب لعب دور بيضة القبان في إجبار الكيان على الانصياع. كان ترامب حريصا على أن تتوقف المواجهات حتى يستمتع بحفل تنصيب لا تشوبه أخبار المجازر واقتحام المستشفيات وذبح الأطفال أم موتهم جوعا. لذلك تدخل ووضع وزنه إلى جانب وقف إطلاق النار. يذكرنا هذا بوقف الحرب على غزة يوم 18 كانون الثاني/يناير 2009 قبل تنصيب باراك أوباما بيومين، وإطلاق سراح الرهائن المحتجزين في إيران بعد 444 يوما صبيحة تنصيب الرئيس رونالد ريغان يوم 20 كانون الثاني/يناير 1981.
الهدنة ما لها وما عليها
من وجهة نظر المقاومة كان أهم بند في الاتفاق وقف آلة الموت الإسرائيلية لأنها تحصد الأبرياء. ولكنها كانت حريصة على ألا تمنح نتنياهو انتصارا في أي من الأهداف التي وضعها لعملياته:
-لقد أفشلت المقاومة مخطط التهجير وإفراع غزة من سكانها؛
-كما فشل نتنياهو وجنرالاته في تحرير الرهائن بالقوة المسلحة؛
-وكان الفشل الأكبر في تحقيق هزيمة ساحقة ماحقة لحركة حماس وحركات المقاومة في غزة واجتثاثها من غزة؛
-وفشلت دعوة نتنياهو لإنشاء روابط قرى لإدارة غزة. كما فشلت فكرة إدارة غزة من قوى غربية أو عربية مرتبطة بإسرائيل. وعندما خرج المقاومون بزيهم وسلاحهم وسياراتهم وشرطتهم وانتهت على الفور كل مظاهر الفوضى وغياب القانون تأكد الجميع أن المقاومة ما زالت بقوتها ولا أحد يستطيع تجاوزها بما في ذلك سلطة رام الله.
إذن لا نستطيع أن نقول إن المقاومة قبلت بهدنة مذلة تنازلت فيها عن خطوطها الحمراء، على العكس من ذلك حققت الكثير خاصة إنهاء احتلال غزة تدريجيا، إعادة المهجرين، إطلاق سراح آلاف الأسرى من بينهم أعداد من المحكومين بأحكام عالية. أضف إلى ذلك الموافقة على إدخال كميات كبيرة من المساعدات الإنسانية بمعدل 600 شاحنة يوميا. لكن الاتفاق ليس خاليا من العيوب والمثالب التي قد يتسرب منها دعاة استمرار الحرب للعودة إلى القتال وخاصة بعد أن تعرض نتنياهو لانتقادات حادة وانسحابات من وزراء واستقالات من قيادات الجيش العليا. نتنياهو لا يريد للحرب أن تتوقف وأكبر دليل على ذلك هو إشعال الحرب في جنين بعد أن فشل وكلاؤه في حسم المعركة وإدخال المقاومين بيت الطاعة تحت حجة استتباب الأمن وسيادة القانون.
إن تقسيم الهدنة إلى مراحل بينها مسافات زمنية 42 يوما قد تكون الثغرة التي يتسلل منها نتنياهو باتهام الطرف الفلسطيني باختراق الهدنة تحت أي ذريعة حتى لو اختلق العذر، مرتكزا على تأييد إدارة ترامب الجديدة الصهيونية أكثر من الصهاينة. فهناك حزبان يهددان بالانسحاب من الحكومة إذا لم تستأنف الحرب، وهما حزب بن غفير «القوة اليهودية» وحزب سموترتش «الصهيونية الدينية» وهو ما يؤدي إلى إسقاط الحكومة وفتح الطريق نحو محاكمة نتنياهو والانتهاء به في السجن. وكي يؤجل قرار انسحاب الحزبين أطلق عملية «السور الحديدي» في الضفة الغربية وزاد من حجم الاضطهاد وضاعف من عدد المعتقلين ورفع عدد الحواجز من 680 حاجزا إلى أكثر من 900 تتعمد إجراء تفتيشات دقيقة ومذلة وطويلة تعطل حركة المواطنين بشكل كبير.
هناك تحديات ومعوقات جدّية تواجه الانتقال من المرحلة الأولى إلى الثانية ومن الثانية إلى الثالثة التي تتضمن وقف إطلاق النار الدائم وإعادة الإعمار والانسحاب الشامل، قد يستغلها نتنياهو لإطلاق الحرب مجددا في قطاع غزة لتحقيق أهدافه المعلنة وغير المعلنة، خاصة إذا تأكد أن عدد من تبقى من أسرى أحياء قليل يمكن أن يضحي به.
لكن أهم عوامل الالتزام باتفاقية وقف إطلاق النار هو موقف إدارة ترامب «المتصهينة» ومستوى الضغط الذي ستمارسه على نتنياهو للالتزام بتنفيذ المرحلتين الثانية والثالثة من الاتفاق.
ومن العوامل التي قد تدفع الجانب الإسرائيلي والمجتمع الدولي الضغط للالتزام بالاتفاق هو قيام وحدة وطنية فلسطينية وتشكيل حكومة وفاق وطني تتسلم مسؤوليات المرحلة المقبلة بعيدا عن محاصصات الفصائل وتتكون من شخصيات وطنية وازنة معروفة بنزاهتها وصدقيتها والتزامها بأهداف الشعب الفلسطيني القائمة على إنهاء الاحتلال بكافة الوسائل بما فيها المقاومة الشرعية، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والقابلة للحياة والمترابطة والتي تمثل حقيقة كل الشعب الفلسطيني أينما كان، فالانتماء لفلسطين لا يقتصر على سكان الضفة الغربية وقطاع غزة بل يشمل الفلسطينيين في دول اللجوء والشتات.
نحن نمر الآن في مرحلة اختبار للأطراف جميعا: فهل ستلتزم إسرائيل بالاتفاق؟ وهل ستدعم إدارة ترامب تنفيذ الاتفاق؟ وهل سترتقي القيادات الفلسطينية لمستوى التحديات وتبدأ بلملمة الأطياف جميعها والسير على طريق النهوض والتعافي لمواجهة أخطر استعمار استيطاني إحلالي عنصري عرفه التاريخ الحديث.