يقول ميخائيل باختين أثناء تحليله لروايات دوستويفسكي بوصفها رواية بوليفونية، التي هي حسب تعريفه، الرواية المتعددة الأصوات ذات الطابع الحواري، «تتمتع الفكرة بحياتها المستقلة داخل وعي البطل: إن الذي يحيا، بصورة خاصة، لا البطل، بل الفكرة، والكاتب الروائي يقدم وصفا لا لحياة البطل، بل يقدم وصفا لحياة الفكرة فيه»، فمن هم أبطال رواية «سمك ميّت يتنفّس قشور الليمون» (دار نوفل 2024)؟ وما هي «الفكرة» التي قدمها لنا خالد خليفة قبَيل رحيله؟
في تعريف باختين للرواية البوليفونية تتعد الأصوات وتتشابك، وتُروى الأحداث من خلال تلك الأصوات، فيسكت صوت لينطق آخر، ويستمر الأمر حتى نهاية الرواية لنكتشف ما كانت تخفيه الرواية، وسمعناه من وجهات نظر مختلفة، والأصوات فيها تتسلم السرد كأنها في حركة أخذ وردّ، يبدأ صوت حيث ينتهي الآخر، ولكن في رواية خليفة، التي أنهاها ورحل، وقدّمتها لنا الدار بشكلها النهائي بكل احترافية ومهنية (على الرغم من بعض أخطاء الطباعة واللغة الطفيفة)، فإنّها بوليفونية، وليست بوليفونية في الوقت نفسه.
سمعنا في الرواية أربع قصص طويلة لِـ: سام وماريانا وموسى ومنال، أربعة أصدقاء من مجموعة ضمّت إلى جانبهم، روني ويارا، ويمكن أن نضمّ إليهم شخصيات ميسون وريما، وبشكل أقل، ولكن بتأثير قوي، والد منال، وجدّ موسى، والشخصية الأكثر عمقا بالنسبة إليّ، منعم الجلّاد، شقيق منال.
أقول إنها قصص أربع، أو روايات قصيرة عن اللاذقية خلال الثمانينيات والتسعينيات، جمعتها، ليس قصة الفرقة الموسيقية «المسوخ» الذين أرادوا تغيير العالم بالموسيقى، بل ما كان يجمع تلك القصص في رأيي، هو قصة الكورنيش، كورنيش اللاذقية بوصفها مدينة ساحلية، للبحر فيها ولشاطئه وكورنيشه خصوصية تاريخية وجغرافية واجتماعية.. فكان ما جمع تلك القصص الأربع هو الكورنيش الذي هدمه «النظام» وأقام مكانه ما لا يشبه المدينة وتاريخها وواقعها، ومستقبلها بطبيعة الحال، في شيء. أما الشخصيات فقد جمعتها الفرقة والصداقة وقصص الحب. سمعنا قصة الكورنيش الذي أثّر على حياة أبناء المدينة، سام وماريانا وموسى، ذكروه وذكروا علاقاتهم به، وذكروا، كلا من وجهة نظره، ومن خلال قصص مختلفة لأناس لهم علاقة معه، ولعلّ أبرزها قصة موكب فرقة الكشافة الذين رافقوا الأستاذ كريم وعائلته، فأدوا تحيتهم للكورنيش القديم قبل هدمه، ورموا صورهم على صفحة المياه ورحلوا، تركوا البلاد لمن سيبني كورنيشها الجديد. ولهذه المسيرة العمق الأبرز لمواقف أهل المدينة من التغيير الذي سيلحق بها، وكان الكورنيش رمزا لكل تغيير حصل في تلك المدينة، وكل البلاد نحو الأسوأ.
الأمر الأكثر حنكة، قبل الانتهاء من الحديث عن الكورنيش، هو عندما تحدثت عنه منال، ومن يقرأ النص يعرف أنها الشاعرة من بين أعضاء الفرقة، وقد جعلها خليفة تتحدث عن الكورنيش بالشعر، أو بما يشبهه، وهذا أمر يُحسب للكاتب الذي لم تفته تفصيلة صغيرة، فهي تقول «كانت الدموع تغرق المدينة، تبكي الحفّارات التي فتحت جسد الكورنيش الغربي والمدينة وأهالت التراب على المدينة وذكريات ودموع أهلها … طعم ذلك اليوم لا يغادرنا. لم نعتقد أنه سيحفر في داخلنا إلى هذا العمق». فما فعلته الجرافات هناك، هو ما فعلته في أعماق الناس، فمنهم من بقي فتغيرت حياته وأصبح «مسخا»، ومنهم من عارَض وسُجن، ومنهم من قرر الرحيل عن البلاد التي ما عادت تشبهه.
قصص الحب التي جمعت سام وماريانا، وروني ويارا، التي انتهت بفشل العلاقة، أرادت الرواية من خلال التأكيد على تأثير المدينة ومن يحكمها على حيوات الناس، سام الذي لم يستطع الخروج من تأثير ابن عمه الضابط وسطوته، وماريانا التي لم يكتمل تحررها بحب من هو من غير دينها، هي التي كان روني شقيقها صديقها الأول، روني الذي لم تكتمل علاقته بيارا التي جنَّت وهي تلاحق حلمها، أو وهمها، كثيرة كانت حكايات هؤلاء الشباب وطموحاتهم، ولكن الرواية لم تحيِ سوى واحدة منها، علاقة موسى ومنال. ولعلّ اختيار هذه العلاقة وقرار إنجاحها من قبل الكاتب، كانت بسبب عمق التناقض بين طرفيها، أي «الفكرة» حسب باختين، موسى ابن العائلة المعروفة وصاحبة التاريخ والأملاك والقصور، ومنال ابنة صاحب بسطة البطاطا، الذي كان يتاجر بالبنات العذراوات، ومنهنّ بناته، وهنا ترك خليفة موقف منال وما قامت به لحماية نفسها، بأنّ قررت أذيتها، حسب العرف الاجتماعي، للقارئ وموقفه من الأمر.
قصص صغيرة داخل النصّ لا بدّ من الإشارة إليها بوصفها عواميد رئيسية لبنائه، طاقة البصاق السرية التي أسستها جورجيت وشهناز، البصاق على الزعيم ومن يحكمون البلاد بالطغيان، تلك التي تشير الرواية إلى أنها انتشرت في جميع أنحاء البلاد، فمن لا يستطيع الاعتراض بحرية، ما له إلا البصاق بالسرّ لمن كمم فمه. قصة الجد والجدة وافتراقهما، وسطوة قرارات الجدّ الغني وإن لم يقصدها، ذلك الغني الذي ادعى الخوف على العامة ومصالحهم، ولكنه كان يرتدّ عنها عندما يمسه الأمر شخصيًّا… كثرت تلك القصص مع قصص الرفاق «المسوخ» وفرقتهم، خصوصا أغنية «قشور الليمون»، التي غنّت في الكنيسة فقامت الدنيا وما قعدت، دنياهم ودنيا البلاد، ولكنهم فشلوا في التغيير، حتى بيروت، الثمانينيات، لم تكن متاحة لهم، وهذا أمر قصدته الرواية من دون التركيز عليه، فحتى منال، التي فُتحت لها أبواب جيدة هناك، عادت ورحلت إلى اللاذقية.
أما القصة الأبرز فهي قصة منعم، الشاب الذي تحوّل جلّادا بعد تعرضه لمحاولة اغتصاب، ولأنّ تلك المحاولة كانت البداية، لم يركز عليها النص كما ركزت نصوص أخرى وحالات سمعنا عنها، ولكن النصّ ركّز على تحوّل هذا الشاب المندفع، عندما حمّله «الطاغية» سوطا وسيفا ليدافع عنه بوصفه الحقّ والحقيقة الوحيدة، تحول ذلك الشاب، كما المئات والآلاف، إلى جلادين يستمتعون بالتعذيب والموت، وقصته تحاك عنها قصص كثيرة، ولكن الرواية أرادته ضحية، وهذا يُحسب لها، فكأنّ خليفة قبل رحيله، أراد أن يمهّد لما كان مقتنعا بأنه سينتصر، ولكن كأنه أراد أيضا أن يُعامل، حتى الجلاد، بوصفه مريضا من مرضى الديكتاتور وممثليه.
رواية ممتعة فيها نوستالجيا من نوع رقيق ومؤلم، يسيطر الألم على الرقة في معظمها، ولكن الرقة تلامس دواخلنا باستمرار، وهي رواية عن المدينة والبلاد، وعن أحلام شبابها التي تموت ويتشتت أصحابها، إلا أنها كانت تحمل الأمل دائما، ولعلّ «مارلي وشهناز»، ابنا موسى ومنال التي أرادت الرواية أن تعطي الأمل بنجاح علاقتهما، فقد نجح الأمل بالاستمرار، واستطاعت «فكرة» كل شخصية منهما أن تحيا وتستمر، على الرغم من التناقض، بل كان التناقض ما أسس لبنيان متين، واللقاء في القصر الذي تمّ في نهاية الرواية، حيث اجتمع الجميع وكانت الحميمية مسيطرة، ذلك الاجتماع حصل في التسعينيات بعد موت الجدّ، وصحيح أن الجدّ لا يشبه الطغاة، ولكن الاجتماع في قصره كان تمنيّا أراده خليفة، وما أجمل أن يجتمع الجميع، بعد عشرين عاما على اللقاء في الرواية، في «قصرٍ» نعرفه، بعد رحيل الكاتب بعام تقريبا، ولكن الأمل اليوم لا يشبه أمل الكاتب، فالحقيقة والواقع أخطر من أمل المبدع والمثقف.
كاتب لبناني