دمشق ـ «القدس العربي»: بدأ سوق الأدوية في سورية يشهد انفتاحاً غير مسبوق بعد اغلاق دام لسنوات، فأصبح بإمكان أي صيدلية بيع الأدوية الأجنبية المستوردة أصولاً، من دون الخوف من دوريات الجمارك، السيف المُسلط في عهد نظام الأسد، على الصناعيين والتجار.
وحظر الأدوية الأجنبية أدى إلى انتشار التهريب بشكل غير مسبوق واعتماد الكثير من الصيادلة على كلمات مشفرة، وخصوصاً في ظل تردي جودة بعض الأدوية المنتجة محلياً، على خلفية تقليل المواد الفعّالة بحجة التكلفة العالية وعدم الجدوى الاقتصادية.
ودخلت معامل إدلب على خط الإنتاج وأصبحت الأدوية التي كانت تصنع في تلك المحافظة المحاصرة سابقاً، تباع في باقي المدن السورية، في ظل وعود من وزارة الاقتصاد بفتح السوق وإلغاء احتكار إجازات استيراد المواد الأولية الداخلة في صناعة الأدوية.
وكشف رئيس المجلس العلمي للصناعات الدوائية محمد نبيل القصير أنه تم ضخّ الأدوية التي كانت يتم تصنيعها في إدلب في السوق المحلية، مشيراً إلى وجود ثلاثة معامل منتجة حالياً، وأربعة أخرى قيد الإنشاء.
وبيّن لـ«القدس العربي» أن السوق السورية بدأت تشهد وفرةً في الأدوية المنتجة محلياً ولم تعد توجد أصناف دوائية مقطوعة كما كان الحال، مشيراً إلى أن النظام البائد منع الأدوية عن سوق إدلب، ووضع المعامل التي ترسل أدويتها تحت المساءلة الكبيرة، ما دفع حكومة الإنقاذ إلى العمل على الاكتفاء الذاتي في الصناعة الدوائية، من خلال التشجيع على إقامة عدد من المعامل في المحافظة.
ونقل القصير عن معاون وزير الصحة عندما اجتمع مع المجلس العلمي، قوله إن «حكومة الإنقاذ، وقبل تحرير سورية، استوردت كميات كبيرة من الأدوية الأجنبية منها وصلت إلى سورية وتم ضخّها للسوق الداخلية، ومنها قيد الوصول» مشيراً إلى أن «هذه الأدوية تم استيرادها بشكل نظامي، وأنها خضعت للتحاليل الدوائية، ولا مشكلة فيها، وتباع في السوق المحلية».
وذكر بأن الحكومة السورية تتجه نحو اقتصاد السوق المفتوح، ولكن وفق ضوابط محددة.
ونُقل عن وزير الاقتصاد في حكومة تسيير الأعمال باسل عبد العزيز «أننا ذاهبون نحو الاقتصاد المفتوح، ولكن سيتم حماية المنتجات المحلية التي تنتجها العديد من المصانع وليس المنتج الذي يحتكره مصنع واحد» لافتاً إلى أنه حالياً يمكن استيراد أي دواء في حال كان آمناً وفعالاً.
وقال: «ليس هناك تحرير لأسعار الأدوية، وستبقى وزارة الصحة تشرف على وضع أسعارها» مؤكداً أنه لا ارتفاع حالياً في الأسعار وتباع وفق التسعيرة القديمة المحددة من وزارة الصحة» بعد أن زادت بنسبة 10 ٪ في الأيام الأولى لسقوط النظام على خلفية تدهور قيمة الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي، لكن الأسعار عادت بعد أسبوعين إلى وضعها السابق بعد تحسن واستقرار صرف الليرة السورية، حسب ما أكدته صاحبة إحدى الصيدليات لـ«القدس العربي» في دمشق.
تسهيلات للاستيراد
وأكد القصير أنه تم الاجتماع مرات عدة مع معاون وزير الصحة المعني بشؤون الأدوية وتم تقديم العديد من التسهيلات التي تساعد في تطوير الصناعات الدوائية في سورية، منها إلغاء إجازات استيراد المواد الأولية الداخلة في إنتاج الأدوية واقتصر الموضوع حالياً على الموافقات المتعلقة بالمواصفات الفنية لهذه المواد.
وأشار إلى أنه تم أيضاً إلغاء قوائم ما تسمى في عهد النظام المخلوع، بالمخصصات الصناعية للمعامل، موضحاً أن المعامل سابقاً كانت تضع قوائم بالمواد المستوردة لتصديقها من وزارة الصناعة، وحالياً تم إلغاء ذلك وأصبح بإمكان أي معمل استيراد المواد التي يحتاجها ما دامت ضمن المواصفات الفنية المطلوبة، وأن تكون الشركة التي يتم استيراد المواد الأولية منها حاصلة على شهادة «الجودة».
جميع الأصناف متوفرة… وقيمة الصادرات لا تتجاوز 40 مليون دولار
وبيّن أن الوزارة سهّلت استيراد المواد الأولية الداخلة في صناعة الأدوية ووصلت إلى مطار دمشق الدولي أثناء التحرير، ولم يكن لديها إجازات بعد، وبعد التحرير تم التأشير على دخولها وبدأت المعامل بتصنيعها.
وحذّر من الأدوية المهربة، مؤكداً أن وزارة الصحة ستقوم بالعديد من الجولات لضبط هذا الموضوع، مشيراً إلى أن الوزارة سحبت مؤخراً مستحضرين من الأدوية لمعملين بعدما تم التأكد من مخالفتهما للمواصفات الفنية.
تصدير مخجل
وأعلن القصير أن نسبة تصدير الأدوية سابقاً لا تتجاوز 10٪ من نسبة الإنتاج أي أن إيرادات التصدير في هذا القطاع لا تتجاوز 40 مليون دولار، في المقابل إيرادات الأردن من تصدير الأدوية تتجاوز 700 مليون دولار.
وتوقع أن يرتفع تصدير الأدوية في الفترة القادمة إلى 30٪، مع وجود أسواق جديدة غير الاعتيادية كما سيترك رفع العقوبات المرتقب أثراً إيجابياً، وسط معلومات عن تخفيفها خلال الأسبوع الحالي.
العديد من الصيادلة في حلب، ممن تواصلت معهم «القدس العربي» أكدوا أن مدينتهم قد استقبلت كميات كبيرة من الأدوية القادمة من إدلب، بما في ذلك المستوردة من قبل حكومة الإنقاذ، مشيرين إلى أنها أدوية تمتلك فواتير نظامية وخاضعة للتحاليل، ومثل هذه الأدوية كانت تعتبر في عهد النظام السابق غير نظامية وتُعامل معاملة المواد المهربة، ولكن مع تحرير البلاد وتوحيد سورية فإنها أصبحت تباع بشكل طبيعي في الأسواق.
وحول أسعار الأدوية المستوردة، أكد أحد الصيادلة، أنها محددة من قبل وزارة الصحة وفق فواتير نظامية، مشيراً إلى أن اسماء المستودعات المرخصة في إدلب تم توزيعها على الصيدليات في حلب.
الخبير في سوق الأدوية والأستاذ الجامعي في كلية الصيدلة لؤي العلان رأى أنه من الطبيعي وجود كميات كبيرة من الأدوية المستوردة في السوق المحلية، مشيراً إلى أنه توجد ذات الوقت أدوية مهربة كانت مخبأة في زمن النظام المخلوع وظهرت على السطح اليوم.
وفي تصريح لـ«القدس العربي» أوضح العلان أن بعض الأدوية الأجنبية أصبحت أرخص من الأدوية المنتجة محلياً، باعتبار أنه لم تعد هناك «أتاوات» تفرض على المستوردين، كانت تسبب في غلاء مثل هذه الأدوية.
وأكد على ضرورة الحفاظ على السوق الوطنية، بمعنى عدم تشجيع السوق المفتوحة في قطاع الأدوية لأن صناعتها عريقة، مشدداً على ضرورة مراقبة المعامل أثناء طبخ المواد الأولية والتأكد من فعالية هذه المواد حتى تستعيد هذه الصناعة تألقها.
وقال: إن «وكلاء الشركات العالمية الذين كانوا سابقاً في سورية، تقدموا إلى وزارة الصحة بطلبات لإعادة نشاطهم مجدداً في سورية، وأخبرتهم الوزارة أن هناك أولويات على موضوع الأدوية المستوردة وأنها في حاجة إلى ثلاث أشهر لترتيبها» مؤكداً أن الوكلاء مستعدون لإعادة فتح مكاتبهم بمجرد حصولهم على موافقة الوزارة.