الفلسطيني: الحياة بعد الموت

تتغاير رؤية الكثيرين منا للموت، وما يكمن خلفه، غير أن الحرية تبقى التبرير الأكبر لتقبل الموت، على الرغم من أن الموت المعنى الأكثر قسوة، أو لعله الأكثر أثراً على من بقي حياً، لأن الأخير عليه أن يتعامل مع معضلة الفقد في استحضار مقولة غسان كنفاني في السياق عينه. ومع ذلك فإن موت أي إنسان ينبغي أن ينظر إليه بالقدر نفسه.
التقليل من قدر أو قيمة موت الآخر أمسى جزءاً من الثقافة الغربية التي غالباً ما تقدّس موتاها، في حين ترى أن موت الآخرين ليس بالقيمة عينها، فالمتأمل في الخطاب الإعلامي للكيان، ومن خلفه الإعلام الغربي يرى التوافق على أن موت الآخر لا يثير الكثير بمقدار ما يعنيه موت الذات المتعالية أو حتى أسرها، وهنا أستحضر أبياتاً من الشعر للشاعر اللبناني ميخائيل نعيمة، الذي اختبر الحرب العالمية الثانية، فخرج بقصيدة تختزل الغرب، وقدرته على صنع الحروب، أو الموت، فبعد أن انتهت حروبه الدموية جعل الموت حكراً على الآخرين.. فدعم المحتلين، وسلحهم، وساند الطغاة. ولعل أبيات نعيمة تعكس مقولة إن موت الآخر أو الشعوب ليس سوى آثار جانبية لصراع إمبراطوريات تبحث عن الربح بالمطلق:
أخي! إنْ ضَجَّ بعدَ الحربِ غَرْبِيٌّ بأعمالِهْ وقَدَّسَ ذِكْرَ مَنْ ماتوا وعَظَّمَ بَطْشَ أبطالِهْ فلا تهزجْ لمن سادوا ولا تشمتْ بِمَنْ دَانَا بل اركعْ صامتاً مثلي بقلبٍ خاشِعٍ دامٍ لنبكي حَظَّ موتانا
ومع توقف الحرب على غزة علينا أن نتأمل ملياً معنى الحياة بعد الموت، الحياة التي لم تكتمل منذ أن أدرك الفلسطيني أن وجوده منقوص، فهل يتقن الفلسطينيون الحياة بعد الموت؟ نعم إن الحياة قدرهم، فالموت سيقود إلى الحياة، غير أن الأكثر خطراً موت معنى الفلسطيني، أو بمعنى آخر موت فكرة الفلسطيني. فالفلسطيني ليس وجودا مادياً فحسب، إنما هو تجسيد للقيمة الإنسانية المفقودة، ونعني معنى العدالة، ومنها أن فكرة الفلسطيني الاختبار الأكثر معنى لإنسان العصر المتحضر، أو الإنسان الذي أعتقد أنه تجاوز معنى البدائية حين وضع منظومة قيمية – لأول مرة ـ عن الإنسان، وحقوقه، بما في ذلك حقوق الطفل، والأسير، وأخلاقية الحروب بعد الحرب العالمية الثانية، غير أنّ هذه المعاني باتت مجلبة للعار في حرب غزة، التي لم تعكس سوى بربرية الإنسان في الإطار الغربي؛ من منطلق أن دولة الكيان ابنة الغرب، حيث أظهرت هذه الحرب تهالك بعض العقل الغربي الذي فشل في أن يكون أخلاقياً، فبقي على تخوم إعلان خطابه الإنساني الذي فشل في أن يترجمه إلى واقع، وبقيت العدالة منقوصة في عالم لا يرى إلا بعين واحدة.
لا يمكن للفلسطيني أن يموت، لأن موته يعني موت الحرية، وللحرية شعوبها، فليست كل الشعوب تدرك الحرية، أو تعرفها… لأن الحرية تبدأ من وعي يعقبه إدراك ينتج عن ثقافة، وتاريخ ممتزجان بمعاناة تكشف جوهر الكرامة، إذ لا كرامة لمن لا يحمل قضيته، ولا حرية لمن لا يحميها بوعيه وكفاحه.

في مشهديات ستبقى راسخة في ذهن العالم بداعي فائض دمويتها ووحشيتها، غير أن السؤال الأكثر جدلاً كيف يمكن للإنسان ـ في العصر المتحضر – أن يتناسى أو ينسى أشلاء الأطفال، وجثث الشهداء تنهشها الكلاب في الشوارع، كما الجوع، والنزوح، والانفجارات التي لم تتوقف ساعة لأكثر من خمسة عشر شهراً، ومع ذلك فإن الفلسطيني سيبقى قادراً على الحياة، وعينه تتأمل الشهداء في وداع أخير، كما نراهم وقوفاً أو جلوساً عند رؤوس أحبتهم في خطاب أخير، أو للهمس بكلمات أخيرة.. هي محاولات لمخاطبة الموت، ولكنها قبل ذلك تعني مخاطبة الضمير الذي يعاني من موت إكلينيكي عند البعض، ولاسيما من يرون في الفلسطيني عبئاً على استمرارية الحياة، بل باتوا يضيقون ذرعاً به، ربما لأن الحياة لا تمنحهم صفاءً وسط أصوات المدافع، وصراخ المتألمين، ولأن بقايا ضمير في أعماقهم ما زالت قائمة، أو ربما لأنهم قد أنهكهم السأم، لكن كل ذلك يعكس خللاً في الإنسانية، والأهم أنه يكشف عن اختلال أعمق في عقلٍ فقد انتماءه لأي معنى حقيقي.
الفلسطينيون ليسوا خارقين، ولم يكونوا مثاليين يوماً، هم مثلهم مثل شعوب الأرض، لا يمتلكون سمات تفوق غيرهم، ولكنهم اختبروا تجربة الوجود، فثمة في التاريخ الكثير من تجارب الإبادة، والتهجير والقتل، وكل تجربة لها معنى آخر، وشكلت إضافة لفشل إنسانيتنا، ومع ذلك تبقى تجربة الفلسطيني المعضلة الأكثر تعقيداً لأنها لا تعني توفر أكبر قدر من الموتى فحسب، بل لأنها تتصل بفكرة نفي الوجود، أو ذلك المحو، فالفلسطيني يدرك أن الموت لن يكون كافياً لأن يعيش بسلام، فثمة بعد الموت رغبة أخرى تتمثل بإنهاء الوجود بكل أشكاله حين تتجاوز الشكل المادي للنفي المعنوي. ليست المعضلة في أرض وعقائد ومكاسب، إنما هي تبدو أكثر تعقيداً لأنها تصيب الذات التي تدرك أنها لم تعد تمتلك مركزاً تعود إليه، يرفض الفلسطيني أن يبقى أسيراً أبدياً لمحتل، ويرفض أن يبقى في دائرة أوديسيوس، فرحلة الفلسطيني تجاوزت رحلة ملك إيثاكا بسنواتها العشر.. رحلة الفلسطيني مستمرة منذ سبعة عقود.. ما زال يعيش حالة إرجاء لا للعودة فحسب، إنما للاعتراف بمعناه في تجربة لعلها الأكثر تفرداً في التاريخ.

عندما تتزحزح الإمبراطوريات تنتج عن ذلك انزياحات تطال الهوامش التي تسكن التخوم، ربما بضعة ملايين تموت هنا وهناك، أو ترتحل هنا أو هناك… لكل فرد من هذه الملايين أحلامه وعالمه، ولكن الإمبراطوريات لا تحفل به، لأن ثمة رؤى أكبر من ذوات لا معنى لها، ولا معنى لموتها، أو تشردها أو نزوحها، هي لست سوى تفصيل صغير في الامتداد الهائل للقوة، غير أن موت الفلسطيني يعني تحقق هذا المبدأ، وعلى النقيض من ذلك.. فإن حياة الفلسطيني سوف تعني انتهاك هذا المبدأ، وخرقه، ولعل هذا ما يزعج الكثيرين ممن يرون أن موت الفلسطيني تحقيق لقدر القوة على حساب الهامش، فالفلسطيني يبدو متفرداً لا لكونه مختلفاً، إنما لكونه يمثل تحدياً لفكرة أن الهوامش ينبغي ألا يحفل بها، وربما لهذا فإن الفلسطيني بات وجوداً مزعجاً عند العدو، وبعض الأصدقاء.
ينهض الفلسطينيون بعد الموت لأنهم لا يملكون خياراً آخر، فليس للفلسطينيين من خيارات كثيرة في هذا العالم سوى أن يعودوا إلى الحياة، وأن يحتفوا بالحياة… على الرغم من فائض الموت وثقله، ربما يبدو الفلسطيني مزعجاً، لأنه لا يعكس الصورة التي يرغب بها البعض، أو لأنه يعني للبعض صورة من يملك هذا القدر من القوة للوقوف في وجه الإمبراطوريات، فثمة في العالم دائماً تابع، وفي كل أمة هناك من يحب أن يكون تابعاً، بمن في ذلك بعض الفلسطينيين، فهم ليسوا مثاليين بالمطلق، غير أنهم يتميزون بديالكتيك غريب قادر على أن ينتج من ذاته المشوهة ذاتاً أخرى جميلة، ولذا من الصعب أن يموت.
كاتب فلسطيني أردني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية