سرديات السخرية في «وادي الفراشات» للعراقي أزهر جرجيس

تضعنا رواية «وادي الفراشات» للروائي أزهر جرجيس، الصادرة عن «دار الرافدين، مسكلياني/ بيروت/ تونس 2024» إزاء لعبة سردية تعيش تفاصيلها شخصية مستلبة، في توصيفها النفسي، وفي انكشافها على عالم يمور بالصراعات والتحولات والفقد، فبالقدر الذي تعانيه من فقدان الحلم والحب والحبيبة والابن والزوجة والبيت، فإنها تعمد إلى التمرد على الواقع والسخرية منها، عبر البحث عن حلول فنتازية لأزمتها، وتحويل رمزية وجودها الشائه إلى مقابلٍ سيميائي يستبطن شيفرات الحرب والاستبداد والحصار والفقر وانعكاساتها على الواقع، وكأن التلازم ما بين ثنائية «الفقد والفقر» يتحول إلى حافز سردي يبعث على الهوس بالمواجهة، عبر اصطناع حياة ضاجة بالمغامرة، وبسوداوية الفقد والخذلان..
بطل الرواية الساخر، هو الواقع العراقي المخذول، حيث يتبدى حضوره عبر التورط في غواية الحلم المكسور، و»العشق الممنوع»، يلبس لهما الروائي «قناع الدونكيشوت» مغامرا، موهوما، كاشفا عن خذلان زمنه الفروسي، وفاضحا هشاشته «بطله المثقف» الذي يقرأ الكتب ويدرس المسرح، لكنه يعتاش على الهامش، فلا يؤدي سوى وظيفة الكاشف السردي لخوائه الداخلي، ولتحول حيرته وضآلته إلى حبكة تعكس مفارقاته في الوعي، وفي الحب، وفي الاغتراب، فيتوزع وجوده المتشظي بين سرد اليوميات، وتورطه في تفاصيل الصراع الاجتماعي والنفسي والطبقي، الذي يستغرقه، حيث تتحول خساراته الشخصية إلى خسارات وجودية، يفقد فيها خياره في العمل والانتماء والحب والأبوة، مقابل الانخراط في حياة ممزقة، تكشف عن هشاشتها وبوهيميتها، ليجد نفسه غارقا في أعمال هامشية، تتوزع بين تهريب أفلام الجنس الممنوعة، والعمل سائق تاكسي، وموظف في أرشيف كلية الفنون، ونزقه الذي يدفعه للاحتفاظ بكتاب محظور في مكتبة خاله، والدخول إلى مكان للدعارة في ملهى ليلي، والاتهام بتجارة بيع الأعضاء البشرية، وكلها تُهم يختلط فيها الأخلاقي بالنفسي وبالسياسي القدري، التي تكسب شخصية «عيسى عواد» بعدا تراجيديا، يجعلها أكثر قربا لتمثلات السرد في «الواقعية السوداء» حيث الاستغراق في حيوات النبذ والهامشية والضياع، وحيث يتحول الاغتراب الداخلي إلى تمثيل قدري فاجع وعذاب جحيمي، يجعله أكثر نزوعا لمقاربة تقوّضات «الزمن السياسي العراقي»، من خلال تمثيل خواء أنموذجه المثقف، وانحطاطه، ومتاهته في المكان/ المكتبة/ المقهى/ البيت/ المقهى، أو في خواء علاقاته في الحب/ الأبوة/ الأخوّة/ الأمومة، وهي إحالات رمزية ونفسية لمظاهر التفكك الاجتماعي والنفسي، التي يجعلها «بطله الدونكيشوتي» علامة على انهيار زمنه الشخصي، كمقابلٍ لانهيار «الزمن الفروسي»، وبدء زمنه «اللغوي»، إذ ينسج الروائي حبكته الدرامية عبر سرده الساخر والماكر، كتورية للإيهام بسردية التفريغ، وكسر نمطية شخصياته الساندة، إذ يعمد إلى جعلها شخصيات لا تشبهه، تعيش تحولها واغترابها، لكنها تشاطرها نقائض الزمن التاريخي والسياسي الذي تعيشه، حيث تتمثل هواجس أزماتها الداخلية، وهي تنخرط في لعبة مفارقة، تحضر فيها عين السارد وكأنها اداة استعارية لعين الكاميرا، حيث تتقصى حركة الشخصيات، في يومياتها، وفي بحثها عن مصائرها، وصولا إلى رحلة البطل الأخيرة نحو مقبرة «وادي الفراشات» حيث تتقوّض واقعية السرد السوداء، لتبدأ لعبة الفنتازيا السوداء، التي تتحول فيها ثيمة التعرّف على الشيخ الدرويش إلى عتبة سردية مفارقة، تفضي إلى تعرية ما خفي من الواقع، عبر استعارة «كتاب الأرواح» كمجسٍّ يقود إلى البحث عن الموتى المجهولين، وكمقابل دلالي للبحث عن أسرار فقدانه الشخصي، حيث الابن المفقود، والذات المتشظية، وصولا إلى الخاتمة المتخيلة بالعثور على «طفل السيارة» كاسرا به خيار الموت والفقد الذي هيمن على مسار الرواية..

شخصيات وأفكار..

قد تبدو الرواية غامرة بالأحداث التي تعيشها الشخصية الرئيسية، لكنها من جانب آخر تبدو الأقرب إلى رواية أفكار، كاشفة عن فنتازيا الواقع العراقي، وعن رمزية تعرية هذا الواقع، عبر الإفصاح عن ضياع شخصياته، وضياع أحلامها، وعلى نحو يجعل الرواية، وكأنها تدوين شهادات لا يُخفي منطقها السردي استغوار التفاصيل، والحفر في أسرارها، والاحتيال على مصائرها من خلال توظيف الإثارة والسخرية، والاصطدام القدري والساذج أحيانا بيوميات المدينة وتوحشها، حتى يتحول الدخول إلى عالمها السوداوي، مفتاحا لمقاربة الشروخ التي تنكسر من خلالها حمولات الحب والحلم والعائلة، فيتحول الفقد إلى محنة غياب، وإلى بحث عن إشباعات كاذبة، من خلال سرديات الرسائل والجنس والبيت الآيل للسقوط، وعلى نحوٍ يجعل من عجزه وفشله، وكأنهما خيط يقود إلى عجز التاريخ ورثاثته، والى ضآلة حكاياته، وزيف وعيه، وهو يرقب انهيار المصائر من حوله، الحبيبة تمارا، الصديق، الخال/ جبران، حتى يبدو هذا الانهيار المُركّب وكأنه كناية عن انهياره الوجودي في عراق الحرب والحصار والخوف والأحزان الوطنية والاحتلال، وتمثيلا لاصطخاب عوالمه الداخلية المتوترة، ولهشاشته في الوجود الدوستوبي الذي يعيشه..
شخصية الخال الغامضة في ماضيها، وفي هروبها السياسي والجنسي، وحتى في موقفها اللامنتمي مع العالم، تبدو وكأنها شاهد على تاريخ من العبث السياسي والثقافي، وعلى والانهيار الثقافي، فبقدر ما هو بطل ساند في الرواية، إلا أنه كان يؤدي وظيفة الظل، عبر الإيحاء برمزية الحكيم والشاهد والعارف والحارس الثقافي لذاكرة المكان العراقي، وحتى المكتبة لا تحضر، إلّا بوصفها مكانا أيقونيا، حمائيا للذاكرة، وأن خرابها هو علامة على التحول الفارق الذي تعرضت له الأمكنة الثقافية في الحياة العراقية، لاسيما بعد موت الخال جبران، ليجدها عيسى بعد خروجه من السجن وقد تحولت إلى أحد أمكنة الاستهلاك التجاري، التي استغرقت الحياة العراقية بعد 2003. كما تكشف شخصية الحبيبة/ الزوجة تمارا، عن مفارقة تمثيل الصراع بين هامشية البطل الطبقية، وحلمه بالإشباع الرمزي/ الفروسي، فتتحول تلك الهامشية إلى لعنة تطارده بالفقد، والخيبة والخسران، وحتى شخصية صديقه «مهند» بدت أكثر قدرية في الاستعداد للتحول، وللهروب من زمنها الثقافي إلى زمن إيهامي، له دلالته في الإشباع والتعويض، وفي تمثيل المفارقة السردية.
تشوهات مصائر في المكان/ البلاد.. له إحالاته الوجودية والرمزية، فالأم تفقد وجودها عبر علة الصمت والمرض، الأخ يفقد وجوده الاخلاقي عبر قسوة القلب، والزوجة تفقد وجودها العياني والرمزي والجنسي، من خلال الطلاق والزواج بآخر وإنجاب الولد الغائب/ سامر كدلالة على إماتة الواقع، وإحياء الحلم. ولعل شخصية الشيخ الدرويش كانت هي الأكثر إثارة في التسمية، وفي تخليق النص الموازي، على مستوى سردنة وجودها، أو على مستوى وظيفتها السحرية في المقبرة، وفي تأليف «كتاب الأرواح»، الذي استدعاه الروائي كتقانة قصدية لـ»الميتا سرد» وبهدف تحريك عناصر السرد الأخرى، في تنامي الحبكة، وفي مقاربة يوميات بطله، المهووس بالتحول، وبفعل الحركة، حيث يأخذ تحوله إلى «سائق جنائز»، مسارا يعمد من خلاله تغيير مسار السرد، وتخفيف التوتر الذي طغى على النصف الأول من الرواية، كاشفا عن «المسكوت عنه» في سرائر الحياة العراقية في مرحلة الصراع الأهلي، حيث يتحول اختيار الزمن/ الليل، والمكان/ المقبرة إلى فضاء سردي تتأسطر فيه فكرة تغييب الموتى، وفي تصميم الرحلة، وفي اختيار الشخصية الشبحية للشيخ، ليبدو «كتاب الأرواح»، وكأنه طلسم لإخفاء الأسرار، والمقبرة تبدو مكانا يوتوبيا لإقامة العدالة للموتى المجهولين، حيث يتوهم الفرح لأرواحهم، بعد تحولهم إلى فراشات، ليكونوا شهودا على ما جرى، وما يجري من الفقد والضياع والاستلاب والعجز، وبالاتجاه الذي يجعل الحل السحري نظيرا لتقويض واقعية الحدث السوداء، لتكون واقعية سحرية، تتيح له تجاوز النبذ والهامشية إلى صانع العدالة والتطير عبر صناعة القبور في الوادي..

السخرية ولعبة السرد

قد تبدو سمة الرواية مكشوفة على تمثيل الزمن الثقافي، لكن عناصرها الأساسية تتحرك وفق فهم هذا الزمن وانكساراته من خلال الشخصيات، بوصفها تمثل علامات الوجود الرمزي في الرواية، وفي بناء أنساقها السردية، حتى تبدو هزيمة الشخصية الرئيسية وكأنها إشارة إلى هزيمة «المثقف» عبر حشره في مقاربات سردية الفقد، وسردية الحب الضائع والموت، وبالشكل الذي يجعل من التعالق بين الواقعي والرمزي مجالا لفاعلية التخييل التي تصنعها الشخصية المهزومة، والفاقدة لإشباعها الإنساني والوجودي، فالروائي يجد عبر تقانات الراوي العليم والراوي الشخصي نوعا من «الحكي السير ذاتي»، الذي يدخل في لعبته مراوغا، أو مفارقا واقعه المأزوم، حيث يتشتت فيه، ضحية أو بطلا دونكيشوتيا واهما، فيضع صوته الشخصي مقابلا لصوت الواقع، بحثا عن إشباع رمزي يستدعي له «الشيخ» و»كتاب الأرواح» بقصدية مضادة، تجعل من اكتشاف مخطوطة الكتاب، وكأنه اكتشاف للحياة، وبأن الإيحاء بها يتطلب تقاطعا بين اليقين والشك، وعلى نحوٍ يقود إلى أن يزج الروائي نفسه في لعبة السرد، من توظيف حكايات داخلية- حكاية بائع الممنوعات، وحكاية السائق وبائع الكتب، والمتهم بالدعارة وبائع الأعضاء البشرية – للكشف عن محنة التشظي التي عانى منهاالجيل الثقافي في مرحلة ما بعد الحرب، وباتجاه جعل من تشييد السيرة مجالا لاصطناع تناقضات ومفارقات يتفاضح فيها التخيل بالواقعي، والحب بالفقد، والمغامرة بالحمق، وهي ثنائيات يقترحها الروائي ليسوغ وجود القصدية في الاستثارة، وفي تمثيل الوعي النقدي الرائي لأوهام الشخصية وهي تعيش خذلانها في الحب والفقد والوعي، وفي تحويل السرد إلى محاولة في كتابة سيرة الشاهد الذي لا يرى العالم إلا من خلال لعبة الكتابة وهي تلاحق سرديات الشخصية والتاريخ والواقع..

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية