دمشق ـ «القدس العربي»: كشف رئيس عدلية دمشق القاضي المستشار علي المغربي، عن إصدار مذكرات بحث بحقّ الرئيس المخلوع بشار الأسد وعائلته وعشرين شخصية من رموز النظام المخلوع، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه سيتم محاسبة أي شخص متورط بجرائم ضد الشعب السوري بغض النظر عن مذهبه أو طائفته، كما أشار إلى أن النظام السابق أصدر مذكرات بحث بحق مليون سوريّ، معظمها على خلفية قضايا سياسية.
أكد لـ «القدس العربي» أن الكثير من العقارات نقلت ملكيتها بطرق غير نظامية
وفي تصريح لـ«القدس العربي» من مكتبه في القصر العدلي الكائن في شارع النصر في قلب العاصمة السورية، تحدث المغربي عن بدء ورشات عمل لتجهيز ملفات قضائية بحق رموز النظام وعلى رأسهم الأسد، بما في ذلك ملف المقابر الجماعية والفساد المالي، لعرضها أمام القضاء المحلي والجهات القضائية الدولية المختصة، متطرّقاً إلى آلية محاكمة الأسد ورموز نظامه موضحاً أنه لم يصدر حتى الآن أيُّ شكلٍ معين حول كيفية هذه المحاكمات، لكنه أشار إلى القيام بدراسة ما يسمى «العدالة الثورية» بإجراءاتها الخاصة المختلفة عن المحاكمة الاعتيادية.
تجهيز ملفات
المغربي الذي كان يشغل منصب المفتش الأول في وزارة العدل في حكومة تسيير الأعمال قبل تعيينه كرئيس لعدلية دمشق، أوضح أن الحوار والمشاورات حول الدستور المقبل للبلاد قد بدأت، لكن لا مؤشّرات حتى الآن عن توجّه معيّن تجاه الشكل الجديد للدستور السوري.
وأكد أنه ستتم محاسبة أشخاص محسوبين على النظام المخلوع، وقال: ستكون هناك دراسة حول العديد من الشخصيات التي كانت محسوبة على النظام وفي حال ثبوت تورّطها بارتكاب جرائم، فسوف يتم تحريك الادعاء بحقها سواء كان شخصياً أي من قبل مواطنين، أو عن طريق النائب العام.
مذكّرات بحث بحق الرئيس المخلوع بشار الأسد وعائلته وعشرين شخصية من النظام
وطمأن كل السوريين بأن حساب المتورطين في دم الشعب السوري، سيكون على الجرم الذي ارتكبه الشخص وليس على طائفته، وقال: «أي شخص متورط في ارتكاب جرائم بحق الشعب السوري سيتم محاسبته مهما كانت طائفته وعبر القضاء».
وأشار إلى أن «محكمة الإرهاب التي كان يستخدمها النظام المخلوع لترهيب السوريين تمّ إغلاقها بشكل كامل» مضيفاً: «لو افترضنا تشكيل محكمة خاصة لمحاسبة رموز النظام لن تكون على أساس محكمة الإرهاب التي تمّ تشكيلها بطرق غير دستورية».
المحكومون سياسياً
وحول وضع المحكومين سياسياً في عهد النظام المخلوع والذين صدرت بحقهم أحكام قضائية، أوضح المغربي أن هذه الأحكام تخضع للمرحلة الانتقالية والتي سميناها بـ «العدالة الثورية» والتي من خلالها تصدر قرارات بانعدام هذه الأحكام.
ولفت إلى أن قسماً من الموقوفين بسبب جرائم جنائية ليس لها علاقة بالمواقف السياسية، فروا صبيحة يوم سقوط النظام، ولكن قسماً منهم راجع القضاء وتم توقيفهم مجدداً، مضيفاً: أما فيما يتعلق بالفارين الآخرين الذين لم يُسلموا أنفسهم، فإنه تم إحصاء أعدادهم من خلال الأضابير الموجودة في العدلية، وتم تسطير مذكرات بحث جديدة بحقهم إلا أن جهاز الشرطة لم يكتمل بعد للقيام بعمليات القبض عليهم.
وحول سير الدعاوى الجزائية التي يوجد فيها موقوفون، بيّن المغربي أن هذا يتوقف على طبيعة الدعوى، فإذا كانت الدعوى جنائية الوصف وفيها موقوفون، فإن إجراءاتها تتوقف حتى يتم القبض على الموقوفين لصالح الدعوى، مضيفاً: في حال كانت الدعوى جنحة الوصف ولو كان الموقوف غير موجود، فإن إجراءاتها تسير بشكل طبيعي وتصدر أحكام غيابية بحقهم.
رقم كارثي
وكشف المغربي عن رقم كارثي حول مذكرات البحث التي كان النظام المخلوع قد أصدرها، موضحاً أنها صدرت بحق مليون سوري، معظمها لأشخاص اتخذوا مواقف سياسية ضده، وأخرى وفق تقارير من أجهزته الأمنية، معتبراً أن النظام المخلوع خالف الأصول القانونية في إصدار إذاعات البحث بما يتناسب مع مصالحه الداخلية، وذلك بتسليط مخافر الشرطة بإصدارها من دون الرجوع إلى القضاء.
وأشار إلى أن النظام ظلّ يمارس هذا الإجراء منذ اندلاع الثورة في عام 2011 وحتى عام 2018، وعندما تم تنبيهه من قبل بعض الحقوقيين بأن هذا الإجراء ليس قانونياً، اضطره إلى توكيل القضاء في مذكرات البحث.
ولفت إلى الإجراءات القانونية، التي يجب إتباعها في إصدار مذكرات البحث، مشيراً إلى ضرورة صدروها من قبل القاضي.
عدد جرائم القتل التي وقعت في دمشق منذ سقوط النظام تكاد لا تُذكر
وأشار إلى أن كفّ البحث يتم وفق طلب يُقدم إلى النيابة العامة مشفوعاً بصورة عن الضبط الذي تمّ تنظيمه بحقه، وينظر رئيس النيابة بالطلب، فإن كانت الدعوى لم تُحسم بعد، يُحيل طلب كفّ البحث للمحكمة الناظرة بالدعوى، أما إن كانت الدعوى محسومة، فيتولى رئيس النيابة كف البحث، وخصوصاً أن هناك مذكرات بحث صدرت بحق أشخاص متعلقة بالحقوق الشخصية.
الملكية الخاصة مُصانة
وأرجع المغربي أسباب توقف دعاوى تثبيت البيوع في القضاء حتى الآن، إلى أن هناك الكثير من العقارات تم نقلُ ملكيتها بطرق غير نظامية في عهد النظام المخلوع منها عن طريق وكالات مزوّرة أو بحكم قضائي مبني على تبليغ غير أصولي، وقال: خوفاً من تكرار تداول هذه العقارات مرةً أخرى فإنه تم إيقاف نقل الملكيات إلى حين إيجاد حل لهذه الحالات ضمن «العدالة الثورية».
وتابع: إلى الآن، لم يتم إحصاء عدد العقارات التي تم نقلها بشكل غير أصولي في عهد النظام المخلوع، موضحاً أن هناك ورشات عمل تقوم بإحصاء هذه العقارات ولم تنتهِ من ذلك بعد.
وأضاف: لا شك أن الملكية الشخصية مصانة، وبالتالي فإن أي اعتداء من أي شخصية أو صفة كانت، على ملكيات وحقوق خاصة تعود لأي مواطن، بغض النظر عن طائفته أو مذهبه، فسوف يُعاد الحق الشخصي لصاحبه عن طريق القضاء.
وأشار إلى أنه في حال وقع أي تصرفات من أشخاص بالسيطرة على الحقوق والملكيات الخاصة تعود لأي مواطن بحجة أنه يخدم في جيش النظام أو جهاز الشرطة أو في أي مؤسسة، فإن هذه التصرفات فردية وسوف تعود الحقوق الخاصة إلى أصحابها، باعتبار أنه لا يوجد أي شكل قانوني يحمي مثل هذه التصرفات.
تصرفات فردية
وتطرق إلى وجود مشكلة حالياً تواجه القضاء، وهي أن ربع عقارات في دمشق مؤجّرة وفق تمديد حكمي، وبعد سقوط النظام، استغل أصحاب هذه العقارات الأوضاع وأخرجوا المستأجرين بشكل تعسّفي، وحالياً يتم إعادة الوضع إلى ما هو عليه بإعادة المستأجرين إلى هذه العقارات التي تم إخراجهم منها وتوجيه المالك إلى الطرق القانونية الصحيحة للوصول إلى حقّه، مشيراً إلى أن المشكلة تكمن في القوانين والإجراءات المعمول بها في زمن النظام المخلوع وليس المشكلة بالمستأجرين.
مواطنون أحرقوا مقرات القضاء العسكري ومحكمة الجمارك كرد فعل على الأحكام التي صدرت عنها
وعن مصير الدعاوى التي تم تحريكها في عهد النظام المخلوع، بيّن أنه قد تم تدوير هذه الدعاوى إلى العام الجديد، والإجراءات تسير بشكل اعتيادي، والدعاوى الجاهزة للحسم يتم إصدار الحكم القضائي من قبل القضاة الذين ينظرون بها، مشيراً إلى أن الدعاوى الجديدة سيتم البدء بتسجيلها اعتباراً من اليوم الثاني من الشهر القادم. وأكد المغربي أنه تم الإيعاز للمحاكم بالالتزام بالقوانين السارية المفعول قبل سقوط النظام، باعتبار أنه إلى الآن لم يتم تعديل أي من القوانين أو فرض أي من القوانين المطبّقة في المناطق المحررة في إدلب قبل سقوط النظام.
جرائم قليلة
وتابع: فيما يتعلق بمحاكم إدلب، تم الإيعاز لها بالنظر بالدعاوى القائمة قبل سقوط النظام وفق القوانين التي كان معمول بها في المناطق المحررة، مؤكداً أنه في المستقبل وبعد الانتهاء من هذه الدعاوى سيتم توحيد الإجراءات في أنحاء سورية.
وأشار إلى أن النظام المخلوع أهتمّ بسرقة أموال الناس وتناسى الاهتمام بمصالحهم فأهمل القضاء قصداً، واصفاً البنية التحتية للمحاكم بـ «المزري».
وأكد المغربي أن عدد جرائم القتل التي وقعت في دمشق، منذ سقوط النظام وحتى الآن، تكاد لا تذكر، مقارنةً بعدد سكان دمشق، مُرجعاً ذلك إلى وعي الشعب السوري.
وتابع: كذلك حال جرائم الخطف والسرقة فعددها قليل جداً، وحتى جرائم الاعتداء على الأملاك العامة كانت قليلة، ففيما يخص المحاكم في دمشق تم إحراق القضاء العسكري ومحكمة الجمارك وأسباب حرقها كانت معروفة وهي ردّة فعل على الأحكام التي صدرت من هذه المحاكم والمخالفة للدستور.
وكان وزير العدل شادي الويسي، قد ألغى في الرابع عشر من الشهر الجاري منصب المحامي العام الذي كان يُعد أعلى سلطة قضائية في قصور العدل للمحافظات السورية كافة، وأحدث منصباً جديداً باسم «رئيس عدلية» في كل محافظة، إضافةً إلى تحويل المحامين العامين في زمن النظام السابق، إلى رؤساء نيابات عامة.