غزة وآفاق اليوم التالي… خطوة للوراء وخطوة للأمام

سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

رام الله ـ «القدس العربي»: لم يلتقط قطاع غزة أنفاسه بعد حرب الإبادة الجماعية التي تواصلت على مدار عام ونصف العام وأكثر مع دخول وقف إطلاق النار أيامه الأولى، إلا وتعززت المخاوف مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول تهجير الغزيين إلى الأردن ومصر وأخيرا إلى سوريا.
تلك التصريحات المثيرة والباعثة على القلق غطت قليلا على نقاشات مستحقة حول مصير القطاع فيما بات يعرف «باليوم التالي»، ورغم أن مشاهد العودة الأسطورية من جنوب قطاع غزة إلى شمالها كانت تنقل الرسالة الفلسطينية الأكثر قوة وصلابة إلا أن المخاوف تبقى وتتعزز أمام المخططات الكثيرة التي تحاك وتطبخ للقطاع تحديدا وللمنطقة أيضا.
حركة حماس بدورها، قامت بتقديم رسالة قوية من خلال نشر عناصرها وتنظيم استعراضات التسليم الخاصة بالأسرى الإسرائيليين المفرج عنهم، وهي رسائل مهمة وجهت للخارج وكان للداخل الفلسطيني نصيب مهم منها، إنها لا تريد أن يتم تجاهلها في القادم من الأيام في القطاع.
بدوره، صرح رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى في مقابلة مع قناة «بلومبيرغ تي في»: «أن حماس لا يمكنها حكم غزة أو الاستمرار في التسلح»، وتوقع «ألّا تحكم حماس كحزب».
كما علق مضيفا أن حكومته «ستضمن إزاحة إسرائيل وحماس من الطريق لتمكيننا من تنفيذ مهمة إعادة إعمار غزة».
أما حول موقف الرئيس الأمريكي ترامب فقال: «لديّ كل الأسباب لأعتقد أن هذه الإدارة (إدارة دونالد ترامب) ستدعمنا فعليًا في تحقيق صفقة عادلة ومتوازنة قد تُنهي الصراع في المنطقة».

صور سيطرة حماس

وبالعودة لما فعلته حماس في القطاع مع دخول وقف إطلاق النار من إظهار سيطرة شبه كاملة على القطاع وتقديم صورة الحركة القوية، فقد انشغل بها الإعلام الإسرائيلي باهتمام بالغ، مثلا وزير جيش إسرائيل السابق يوآف غالانت علق على المشاهد قائلا: ‏»إن الذين هاجموا فكرة إنشاء بديل لحكومة حماس هم المسؤولون المباشرون عن الصور المروعة التي نشاهدها الآن في غزة».
وتابع الوزير السابق: «‏كان ينبغي علينا أن نمنع صور سيطرة حماس. لقد استعدنا حماس لأننا لم نعد بديلا – إن عدم الاستعداد لاستبدال حماس يعرض تحقيق أهداف الحرب للخطر».
بدا ذلك الأمر اعترافا بعدم وضوح المستقبل في قطاع غزة، سواء بالنسبة للإسرائيليين وحتى الفلسطينيين رغم وجود الخطط الكثيرة، لكن كل ذلك لم يوقف التحريض على غزة الذي تواصل على كافة القنوات العبرية ومن جميع المحللين السياسيين والعسكريين، نورد مثالا ما قاله هاليل روزين على القناة 14 قبل يومين تقريبا، قال: «يمكنني أن أخبرك أن المقاتلين (الجنود الإسرائيليين) الذين غادروا ممر نتساريم غادروا وهم يبكون، وقالوا إنهم يشعرون أن كل ما فعلوه على مدار أكثر من عام في قطاع غزة قد ذهب هباءً».
وتابع المحلل العسكري: «هذا الأمر يثير الغضب، وكما تعلم تحدثنا كثيرًا عن تكلفة الصفقة، كانت التكلفة سابقا هي الإفراج عن أسرى أمنيين أما اليوم، فقد أصبحت التكلفة عملياتية، لأن الآن شمال القطاع بات مكشوفًا، سيضعون لنا عبوات ناسفة تحت الأرض وسيزرعون ألغامًا في أماكن لم نعمل فيها بعد، وإذا كان هناك آلاف المسلحين في منطقة بيت حانون وجباليا، فقد يرتفع العدد الآن إلى أكثر من 10 آلاف وسيكون في انتظارنا، في حال عدنا للحرب قتال عنيف ومكثف لا يقل عما رأيناه من قبل، هذا الوضع يعني أننا إذا اضطررنا للعودة إلى القتال في شمال القطاع، فسوف نواجه تحديات أصعب بكثير».
الحديث هنا كان عسكري الطابع، حيث أضاف أن «التحصينات التي ستقام والأسلحة التي سيتم تهريبها تجعل أي عملية عسكرية مستقبلية أكثر خطورة وتعقيدًا، هذا الأمر يمثل ضربة كبيرة لكل الجهود التي بذلتها قواتنا في القطاع، والآن، يبدو أن كل ذلك يُهدر تمامًا».

استئناف العمليات العسكرية

المحلل السياسي والأكاديمي في العلوم السياسية الدكتور أمجد أبو العز توقف أيضا عند مشاهد استعراض القوة في القطاع، ولفت الانتباه إلى أن دولة الاحتلال قد تستغل العروض العسكرية لقدرات حماس الميدانية كأداة لتحفيز موقف أمريكي أكثر تشددًا تجاه غزة خلال الفترة المقبلة، خاصة ان هناك رغبة داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، لا سيما بين الجمهوريين أو أنصار ترامب، في استئناف العمليات العسكرية بعد انتهاء صفقة تبادل الأسرى.
وتابع أبو العز: «هذه الاستعراضات العسكرية قد تُستخدم لاستفزاز دونالد ترامب الذي ضغط على نتنياهو لقبول الصفقة كما يقول ترامب، بالتالي على الرغم من الرسائل التي ترسلها الاستعراضات العسكرية الا انها ستخلق صورة ذهنية لدى الإدارة الأمريكية أن حماس وفصائل أخرى لا تزال تشكل تهديدًا استراتيجيًا لإسرائيل ولحلفائها، ما يبرر إعادة العمليات العسكرية ومحاولة إقناع ترامب انه كان مخطئا في الضغط على إسرائيل».
ورأي الأكاديمي أبو العز أنه قد يكون تصعيد العمليات في غزة وسيلة لاستعادة بعض الدعم الشعبي لنتنياهو الذي فتح جبهة الضفة الغربية للبقاء في السلطة عبر إطالة أمد الحرب، خصوصًا في ظل الانتقادات المتزايدة لإدارة الحرب وفي ظل الدعوات التي يطلقها سموتريتش وبن غفير واعتبار الصفقة مهينة لإسرائيل.
وخلص قائلا: «باعتقادي أن منطقة الشرق الأوسط على مفترق طرق، والسؤال المركزي الآن هل نتجه لحل وطبخة إقليمية عربية مشتركة تتضمن الولايات المتحدة والسعودية والأردن ومصر وحماس والسلطة؟ أم نتجه لحلول أمنية عسكرية جديدة؟
وفي هذا السياق، وأمام تنامي الأحاديث عن «طبخة إقليمية» نجد أن الاحتلال الإسرائيلي لا يخفي خططه لغزة أو للضفة حتى. لقد أكد وزير المالية الإسرائيلي بتسئليل سموتريتش في تصريحات سابقة على تصريحات الرئيس الأمريكي، بإن الاحتلال يعد خطة مع رئيس الحكومة نتنياهو لتشجيع هجرة سكان قطاع غزة. كما اعتبر معارضة مصر والأردن لمقترح تهجير الفلسطينيين ليست ذات أهمية، مستشهدا بقدرة ترامب على تنفيذ قرارات مشابهة ويقوم بسحب كتاب استقالته من حكومة نتنياهو.
وشدد على أنه يجب احتلال قطاع غزة بعد انتهاء المرحلة الأولى من الصفقة.

الكرة في ملعب الشعب الفلسطيني

المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور يرى أن الكرة في ملعب الشعب الفلسطيني، وتابع: «الشعب الذي حُرم من حقه في الانتخاب واختيار من يمثله منذ قرابة العشرين عاما، ولا يُأخذ برأيه في قرارات الحرب والسلم، والذي يدفع فاتورة الحروب والانقسام وضعف السلطة وفسادها، مطالب اليوم أن يتخذ موقف».
وأضاف: «يشكل اتفاق التهدئة فرصة تاريخية لتغيير الواقع في غزة وانهاء الانقسام وتجديد السلطة (ليس على الطريقة الأمريكية) واستنهاض الحالة الوطنية برمتها».
ورأى منصور أن «الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق وعدم تجدد الحرب مشروطة بتغير الحكم في غزة».
وتابع: «هنا ليس بالضرورة أن تأتي السلطة بشكل تلقائي كما يتخيل قادتها، بل قد نكون أمام سيناريوهات عدة منها تمديد المرحلة الأولى إلى ما لا نهاية وبقاء القطاع من دون حكم حقيقي، ولكن أيضا دون إعمار، أو اللجوء لخيارات أخرى عربية ودولية بمشاركة أطراف فلسطينية أخرى».
ويخلص منصور إلى أن حماس باتت تعي هذه الحقيقة، بعيدا عن الاستعراضات وخطابات النصر، وتقدمت خطوة باتجاه إيجاد حل توافقي، واعتبر تصريحاتها قبل أيام والتي تقول إنها غير متمسكة بالحكم وتريد سحب ذرائع نتنياهو بالعودة إلى القتال والتراجع خطوة إلى الوراء.
وشدد على أن المطلوب من حماس أن تفعل أكثر من هذا: ان تقدم رؤية أوضح وأكثر تفصيلاً، وان تضعها أمام الرأي العام الفلسطيني. وفي المقابل المطلوب من السلطة والرئيس الفلسطيني محمود عباس تحديدا، كونه صاحب القرار، أن يخطو خطوة شبيهة.
إذا كانت خطوة حماس نحو الوراء، فإن خطوة الرئيس يجب ان تكون نحو الأمام، والحديث لمنصور، ويكمل: «مطلوب إعلان لقاء فوري على مستوى أول مع حماس وطرح رؤية حقيقية وعدم الخروج بدون اتفاق».
وحسب منصور فإن خطر عودة الحرب ما زال قائما، وخطر ترحيل ترامب ما زال قائما، وخطر الدمار والأوبئة واستمرار الحصار ما زال قائما، وفي المقابل فإن الفرص أمام الشعب الفلسطيني كثيرة، فإذا لم تقدم الأطراف على هكذا خطوة، سيكون على الشعب أن يقول كلمته، وأن يخرج إلى الشوارع تحت شعار: الوحدة الان أو التغيير، أمام المخاطر المحدقة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية