الإثنين تنطلق مفاوضات المرحلة الثانية من الصفقة لكن الأنظار تتجه لـ«اليوم الحاسم» بين ترامب ونتنياهو

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: فيما تتواصل عملية تطبيق نبضات المرحلة الأولى من الصفقة بين إسرائيل وبين حماس، تبدأ مفاوضات المرحلة الثانية منها غدا الإثنين. غير أن الأنظار تتجه لليوم التالي،الثلاثاء، إلى لقاء الرئيس الأمريكي ترامب مع رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو وهو لقاء حاسم بالنسبة لمستقبل الصفقة وربما مستقبل القطاع ومستقبل حماس وإئتلاف نتنياهو أيضا. منذ اليوم الأول كان نتنياهو يتهّرب من هذه الصفقة لعدم رغبته بوقف الحرب طمعا بـ إسقاط حركة المقاومة الإسلامية (حماس)» ضمن شعار «النصر المطلق» وتحاشي صور مربكة تهدد تماسك ائتلافه الحاكم الأكثر قومجية وتهدّد هيبته ومستقبله السياسي. وتساوقا مع رغبات شركائه السياسيين من ذوي شهوة الانتقام المفتوحة والطامعين باحتلال القطاع وإعادة الاستيطان به، كانت وما زالت هذه الصفقة بالنسبة لنتنياهو وائتلافه صفعة لأن مفاعيلها على وعي الإسرائيليين والفلسطينيين خطيرة، ومحتواها بمثابة صفعة لهم في ظل الفجوة الكبيرة بين الأهداف الإسرائيلية المعلنة وبين ما تنتجه هذه الاتفاقية على الأرض.
نجح نتنياهو عدة مرات في تعطيل الصفقة رغم الضغوط الخارجية والداخلية عليه، لكن الحرب طالت وتمكنت المقاومة الفلسطينية من الصمود وإلحاق الأذي بجيش الاحتلال في شمال القطاع خلال الشهور الأخيرة ما رفع منسوب الانتقادات والتساؤلات عن الإمعان في حرب باتت عقيمة رغم توحشها وعن خلوها من خطة سياسية لـ «اليوم التالي» لاستبدال حماس كسلطة في غزة.
بيد أن المتغيّر الأهم هو دخول ترامب الثاني على الخط مع رؤية وسلم أولويات مختلف فهو يريد إطفاء الحروب لا إشعالها كما جاء في خطاب النصر قبل نحو ثلاثة شهور، عينه على صفقة سياسية كبيرة في الشرق الأوسط، في جوهرها ضمّ السعودية لدائرة التطبيع، تترتب عليها منافع كبرى تقدر بالمليارات، وعينه الثانية على جائزة نوبل للسلام، طبقا لتسريبات مقربين منه. كذلك هناك مؤشرات متزايدة أن ترامب معني بوقف هذه الحرب وبإتمام الصفقة بين إسرائيل وحماس مقدمّة لصفقة سياسية أكبر، وكي يتفرغ لقضايا ملحة أكثر بالنسبة له كالسباق العظيم على الريادة الاقتصادية مع الصين ولتحديات دولية أخرى علاوة على هموم وتحديات أمريكية داخلية تشغله وهو صاحب نزعة انعزالية كما دللت تجارب الولاية الأولى. بخلاف توقعّات حكومة الاحتلال بدأت رياح واشنطن تهب بما لا تشتهيه سفن تل أبيب فور الإعلان عن انتخاب ترامب ثانية كما تجلى في تصريحاته ومواقفه، وقد بان أنه عندما هدد بالجحيم لم يكن يتوّعد حماس بحرب ضروس إنما هو تهديد لكل الأطراف وإشارة لرغبته الجامحة بإقفال هذا الملف. واتضحت الصورة أكثر عندما أقدم ترامب على مشاركته منشورا لأكاديمي أمريكي حمل على نتنياهو واتهمه بمحاولة جرّ الولايات المتحدة لحرب على إيران مثلما استدرجها في حرب على العراق قبل عقدين ونيف. هذا التحول في الموقف الأمريكي اضطر نتنياهو لقبول الصفقة والتعاون من أجل تطبيقها على مضض مما دفع وزير الأمن القومي ايتمار بن غفير للاستقالة وحزبه من الائتلاف الحاكم فيما يهدد وزير المالية رئيس حزب «الصهيونية الدينية» بالاستقالة إذا لم تعاود إسرائيل الحرب على غزة.

بين ضغطين

على خلفية ذلك سيجد نتنياهو نفسه يوم الثلاثاء المقبل أمام ضغطين، داخلي وخارجي، فترامب ورغم تطابق موقفه مع الرؤية الإسرائيلية الرسمية الداعية لعدم إبقاء حماس في سدة الحكم داخل القطاع، معني جدا باستكمال الصفقة وإنهاء الحرب. ولذا وبخلاف الإدارة السابقة التي قاطعت بن غفير وسموتريتش، وجد مبعوث ترامب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف من المناسب اللقاء بسموتريتش ضمن محاولة احتواء وتعزيز فرص بقاء ائتلاف نتنياهو متماسكا وهذا يتكاتب مع نص الدعوة الموجهة لنتنياهو لزيارة واشنطن حيث اعتمدت لغة حميمية قال فيها ترامب إنه سعيد باستضافة نتنياهو كأول قيادي من خارج الولايات المتحدة في البيت الأبيض ضمن ولايته الثانية التي بدأت للتو. ومن المتوقع أن تقدم الإدارة الأمريكية سلة هدايا وعطايا لحكومة الاحتلال مقابل وقف الحرب والنزول عن الشجرة العالية التي تسلقتها منها تطبيع مع السعودية، معالجة التهديد النووي الإيراني، محاصرة محكمة الجنايات الدولية، اتفاقية تحالف ثنائي أمريكي- إسرائيلي والمزيد من الأسلحة المتطورة. هدايا تعطي نتنياهو فرصة لإقناع شركائه في الائتلاف بقبول وقف الحرب بدون تحقيق أهدافها المعلنة خاصة ما يتعلق بحماس. ربما يقبل المتشددون داخل حكومة الاحتلال بهذه العروض والوعود الأمريكية، بيد أن هناك جهات متشددّة تحذّر في ذات الوقت من ذلك وترى أن هذه الوعود هي مجرد عصافير على الشجرة وأنه من المفضل إمساك عصفور واحد باليد على شكل إستئناف الحرب على غزة ومحاصرتها حتى إسقاط حماس.

أسئلة مفتوحة

ومع ذلك هناك أسئلة مفتوحة ربما يحسمها هذا اللقاء في البيت الأبيض مثل ماذا سيعرض ترامب على نتنياهو ولأي مدى الأول معني ببقاء الثاني سياسيا؟ كيف يمكن إنهاء الحرب وحماس ما زالت موجودة؟ وهل يتم رهن إعمار القطاع بنزول حماس عن المسرح السياسي الرسمي أو نزع سلاحها؟ ما موقف الدول العربية المعنية، دول الجوار، والسلطة الفلسطينية في هذا المضمار وهل هناك حل «خارج الصندوق» يرضي كل الأطراف من خلال التوافق على حكومة تكنوقراط أو حكومة فلسطينية وطنية تشمل حماس والسلطة؟
ضمن محاولة قراءة هذه الأسئلة والاحتمالات المطروحة يرى محلل الشؤون السياسية في صحيفة «هآرتس» يوسي فرطر أن نتنياهو سيلتقي في واشنطن صديقا من الماضي خاب أمله منه لافتا لامكانية أن ينتهي اللقاء بأكثر من طريقة. ويقول فرطر إنه لا مبرر للرهان اليوم على ما سيقوله ترامب لنتنياهو يوم الثلاثاء ويضيف «لكن بالحكم على أقوال صدرت في واشنطن خلال الأسبوع الماضي بين مقربين من ترامب وبين شخصية إسرائيلية مرموقة، فمن الاتجاه المتوقع سيكون كالتالي: سيقول ترامب لنتنياهو: عزيزي نتنياهو إنهي الحرب وتمّم الصفقة وأطلق سراح 82 رهينة وعندها يمكن التفرّغ للصفقة الكبرى حقا، لدرّة التاج، اتفاق مع السعودية». ولا يستبعد فرطر أن تكون زيارة نتنياهو الوشيكة لواشنطن «تاريخية» حقا فتحسم مصير الصفقة والحكومة. ويضيف: «هناك مؤشّرات على قرب الانتخابات العامة المبكرة في إسرائيل». من جهته يرى زميله المحلل العسكري في الصحيفة عاموس هارئيل أن صور الأسبوع تبشّر بانتصارات لكنها ليست لنتنياهو. وعن ذلك يقول: «مثلما أن هتافات النصر من جهة حماس ليست واقعية هكذا في الجانب الإسرائيلي، لا يوجد أساس للتباهي بالنصر المطلق من قبل أبواق الحكومة». وعلى غرار عدد كبير من المراقبين الإسرائيليين يرجح هارئيل أن الحرب قد انتهت بقوله إنه يمكن الاعتياد اليوم على موجات من المخطوفين يعودون لأحضان عائلاتهم ولفقدان صافرات الإنذار وانخفاض منسوب القلق على الجنود في الجبهة وتراجع في عدد تصريحات النعي بقتل جنود. بعد أسبوعين من وقف النار، تلقت إسرائيل 18 مخطوفا أحياء 13 منهم إسرائيليون وخمسة تايلنديون.

لا توجد صورة نصر، ولا ثمار نصر. هل هذا هو الوقت للاستمتاع بثمار الخسارة؟

من جهته يوضح عضو الكنيست الأسبق، الكاتب الصحافي ميكي روزنتال أن الجميع يعرف أننا خسرنا حرب «السيوف الحديدية»؛ نتنياهو يعرف أننا خسرنا، وسموتريتش وبن غفير يعرفان أيضاً أننا خسرنا، وهرتسي هليفي يعرف أننا خسرنا، والعالم كله يرى دولة دمرت بلد عدوها، وقتلت عشرات الآلاف من جنوده ومدنييه، واغتالت قياداته، وأغلقت كيلومترات من أنفاقه، ومع هذا خسرت. في حديث للقناة 12 العبرية قال روزنتال: «لم يتم تحقيق أي هدف من أهداف الحرب؛ فلم يتم تفكيك حماس، وما زالت تملأ صفوفها من جديد، والغزيون لم يذهبوا إلى أي مكان، والأمن لم يعد إلى سكان الغلاف الذين لم يعودوا إلى منازلهم المهدمة، ولم يعد عشرات المخطوفين من الأَسْر بعد. وخلال هذا كلّه، فقد خسرنا محبة العالم لأعوام، والاقتصاد دخل حالة ركود لعقد على الأقل، والجيش استُنزف، ودوائر إعادة التأهيل النفسي والجسدي توسّعت ووصلت إلى كل بيت في إسرائيل. كما لا يزال وهم العودة إلى القتال مخيماً على الأجواء؛ أي لِعام آخر ونصف عام من الشيء نفسه، فإنه ما لم نقم بتسويته بالأرض فسنسويه، وما سويناه بالأرض سيُسوى بالأرض مرة أُخرى، وسيُقتل مئات الجنود، وتتعمق الأزمة الاقتصادية، والصدمة الشخصية والقومية ستختلج كل روح، كما أن الجيش سينادي بأنه يريد مزيداً من المقاتلين لتعبئة الصفوف التي فرغت، والحاخامات الحريديم وأذرعهم سيضحكون طوال الطريق إلى أن يصلوا إلى صناديق الاقتراع، ولن يعود بقية المخطوفين، وذلك حتى الهدنة المقبلة، والصفقة المقبلة، والمرحلة المقبلة التي سنستمر خلالها في الخسارة». ويرى روزنتال أنه «لا توجد صورة نصر ولا ثمار نصر، لكن ما يمكن أن نستفيد منه هو ثمار الهزيمة، وهذا هو الوقت للاستمتاع بثمار الهزيمة؛ فثمار الهزيمة هي ثمار الوعي، وثمار المعرفة المرّة بأنه لا يمكن أن تكون الحروب طريقة حياة شعب محب للحياة. ثمار الخسارة هي الانتقال من ساحة المعركة الدامية والعودة إلى الأسرة الدولية، والعودة إلى الاتفاقيات الدولية والعودة إلى الاتفاقيات الأبراهيمية. ثمار النصر بعد حرب 1967 كانت أيامها قصيرة، وبعدها جاءت الحروب والمزيد من الحروب التي انتهت جميعها بالاتفاقيات التي يمكن القول عنها إنها الانتصار الحقيقي. ثمار اتفاقيات السلاح مع الأردن ومصر أنقذت إسرائيل لأجيال، وثمار اتفاقيات أوسلو دفعت إلى استقرار الوضع الفلسطيني على مدار جيل أو جيلين في الضفة الغربية، لكن لم يتم استكمال ذلك. ومن لبنان، هناك نور فهم بسيط، لذلك لم نخسر في لبنان حتى الآن». ويخلص روزنتال للقول إن الجميع يرى نتنياهو بضعفه الجسدي والنفسي والسياسي أيضاً، وبالنسبة إليه، فهذه هي اللحظة الأخيرة التي يمكن فيها التراجع عن الانتصار المطلق الذي لم ينجح منذ اللحظة التي تم خلالها التصريح به كشعار استعلائي، والعودة إلى فطنة السياسي، وإن لم تكن الأمور بهذا الحال، فإن «مذبحة 7 تشرين الأول/أكتوبر ستكون إرثه المخجل حتى يومه الأخير».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية