أفريقيا: إقبال على الطاقة النووية ومخاوف من الاعتماد على الدول الكبرى

حجم الخط
0

نواكشوط ـ «القدس العربي»: عاد الملف النووي عودة قوية إلى واجهة النقاش على مستوى منابر ومنصات الطاقة العالمية، لكونه أحد ركائز الانتقال إلى مصادر الطاقة منخفضة الكربون.
ووفقًا لتقرير «آفاق الطاقة العالمية 2024» الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة «IEA» تمثل الطاقة النووية حوالي 9 في المئة من الكهرباء عالميًا، مع استمرار بناء مفاعلات جديدة بوتيرة متسارعة.
وفي ظل معاناة أفريقيا من نقص مزمن في الطاقة، حيث يفتقر حوالي 600 مليون شخص إلى الكهرباء، بدأت القارة انخراطا متسارعًا في هذه الديناميكية الجديدة.
وتعد مصر من أبرز الدول الأفريقية التي تخطو خطوات كبيرة في بناء محطة نووية جديدة.
ويقع مشروع «الضبعة» على الساحل الشمالي المصري، ويتضمن بناء أربعة مفاعلات بقدرة 1200 ميغاوات لكل منها، بإجمالي قدرة 4800 ميغاوات.
ويتم تنفيذ المشروع من قِبل شركة «روساتوم» الروسية بتمويل يصل إلى 85 في المئة من خلال قرض روسي قيمته 25 مليار دولار؛ ومن المتوقع أن يغطي المشروع حوالي 7 في المئة من احتياجات مصر من الكهرباء. لكن مشروع «الضبعة» أثار جدلاً بشأن الشفافية، حيث أشار تقرير صدر عام 2021 عن «معهد جنوب أفريقيا للشؤون الدولية» (SAIIA) إلى أن العقد مع «روساتوم» تم التفاوض عليه من دون إشراك البرلمان المصري، ما أثار تساؤلات حول غياب النقاش العام والإشراف المستقل.
وبعد عقود من المحاولات الفاشلة، وجدت جمهورية غانا الآن في الطاقة النووية حلًا لأزماتها المتكررة في قطاع الطاقة.
وتسعى غانا إلى بناء أول محطة نووية بحلول عام 2030، وعقدت حكومتها اتفاقيات مع روسيا والصين وكوريا الجنوبية للحصول على دعم مالي وتقني.
وشهد التعاون بين غانا والولايات المتحدة في المجال النووي تقدمًا ملموسًا، حيث تم توقيع اتفاقية تجارية في اب/أغسطس 2024 بين الحكومة الغانية وشركة «Regnum Technology Group» الأمريكية لتطوير مفاعل نووي صغير «SMR» باستخدام تقنية «NuScale Power». وتسعى غانا إلى جعل هذا المشروع حجر الزاوية في تحسين بنيتها التحتية للطاقة.وحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن ثلث بلدان العالم التي تفكر في استخدام الطاقة النووية تقع في أفريقيا.
وتشمل هذه البلدان مصر وغانا وكينيا والمغرب ونيجيريا والسودان، إضافة لدول أخرى توجد هي الأخرى أمام الخيارات النووية بينها الجزائر وتونس وأوغندا وزامبيا
وبالنسبة لكينيا، فمن المقرر أن يبدأ بناء أول محطة نووية عام 2027 لتكون جاهزة بحلول 2034؛ أما أوغندا، فتطمح إلى إنتاج 2000 ميغاوات من الطاقة النووية بحلول 2032 بمساعدة روسية وصينية. كذلك، تخطط جمهورية رواندا لبناء مفاعل تجريبي بحلول عام 2026، بينما وقّعت كل من بوركينا فاسو ومالي اتفاقيات تعاون مع «روساتوم» الروسية لتطوير بنيتيهما النووية.
ويعود الاهتمام بالطاقة النووية على المستوى الأفريقي لمواجهة الأزمة الطاقة الحادة التي تواجهها القارة، حيث يتزايد الطلب على الكهرباء بشكل مطرد.
ويرى الخبراء أن الطاقة النووية تقدم حلًا موثوقًا يوفر كهرباء مستقرة ومنخفضة الانبعاثات، على عكس مصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والشمس التي تعاني من التقطع.
كما تُعتبر الطاقة النووية رافعة استراتيجية لبعض الدول الأفريقية لتعزيز سيادتها في مجال الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
وفي الوقت ذاته، تتنافس القوى الكبرى مثل روسيا والصين والولايات المتحدة على تقديم الدعم التقني والمالي للدول الأفريقية، الأمر الذي يثير مخاوف بشأن الاعتماد التكنولوجي على هذه الدول.
وبالنسبة للتوقعات حتى 2050، فقد أكد تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية لعام 2024، أن القدرة النووية لأفريقيا قد تتضاعف بحلول عام 2030، مع إمكانية زيادتها بأكثر من عشرة أضعاف بحلول عام 2050. وتشير التقديرات المتفائلة إلى أن القارة قد تصبح لاعبًا رئيسيًا في مجال الطاقة النووية عالميًا، ما يساهم في سد احتياجاتها المتزايدة من الكهرباء وتعزيز النمو الاقتصادي.
وفي خضم الخطاب الأفريقي الجديد الداعي لترسيخ سيادة الدول في جميع المجالات، عبرت حكومات أفريقية عدة عن مخاوف من الاعتماد على الدول الكبرى، ومن التبعية التكنولوجية التي تجعل بلدان القارة تعتمد بشكل كبير عليها للحصول على التكنولوجيا النووية والخبرات التقنية، ما يضعها في موقف ضعيف أمام هذه القوى.
وغالبًا ما تترافق المقترحات الخاصة بالمشاريع النووية مع قروض ضخمة وشروط تمويل قد تؤدي إلى زيادة الديون السيادية، الأمر الذي يثقل كاهل للدول الأفريقية.
ومما تخشاه الدول الأفريقية وجود أبعاد جيوسياسية للتعاون النووي، إذ قد تؤدي المنافسة بين الدول الكبرى، مثل الصين وروسيا والولايات المتحدة، إلى تدخلات سياسية أو انقسامات بين الحكومات الأفريقية.
مخاطر السلامة النووية: تعتمد السلامة التشغيلية والصيانة على الخبرات الأجنبية، مما قد يشكل خطرًا إذا ما توقفت الدول المصدرة عن تقديم الدعم الفني أو إذا حدثت أزمات سياسية؛ كما قد يؤدي الاعتماد الكبير على الدول الكبرى في مشاريع الطاقة النووية إلى تقليل قدرة الحكومات الأفريقية على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن إدارة الطاقة والبنية التحتية.
ومن الحلول المقترحة، تعزيز التعاون الإقليمي بين الدول الأفريقية لتطوير خبرات محلية في مجال الطاقة النووية، مع تنويع الشراكات الدولية لتقليل الاعتماد على طرف واحد، إضافة للاستثمار في تدريب الكوادر المحلية وبناء مؤسسات بحثية وتقنية مختصة بالطاقة النووية، مع التركيز على الاتفاقيات التي تضمن نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة النووية.
ولا شك أن توجه أفريقيا نحو الطاقة النووية يحمل فرصًا كبيرة، لكنه يتطلب تسييرا حذرًا ومُحكمًا للمخاطر المرتبطة بالتبعية الجيوسياسية والانعكاسات المالية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية