معاناة جديدة للنازحين السوريين بعد عودتهم: حتى الحديد سُرق من البيوت

محمد كفرنبل
حجم الخط
0

إدلب ـ «القدس العربي»: تستمر معاناة السوريين في سعيهم للعودة إلى مدنهم وبلداتهم بعد نزوحهم قسرياً إلى مناطق أكثر أماناً داخل الحدود السورية أو خارجها.
فبعد أربعة عشر عاماً من الحرب التي عصفت بسوريا، اجتاح الدمار أكثر من ثلثي البلاد، وفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة.
ومع سيطرة إدارة العمليات العسكرية على البلاد الشهر الماضي، وسقوط نظام الأسد، باتت عودة ملايين النازحين من المخيمات ومناطق أخرى إلى مناطقهم ممكنة.

«لا خيار لنا»

وجالت «القدس العربي» في معظم مناطق جنوب وشرق إدلب، حيث أصبح العديد من هذه المناطق غير صالح للحياة بعد سنوات من غبار الحرب التي لم تنفض تل الغبار حتى الآن.
يقول أنيس أبو أحمد الذي عاد إلى بلدته مع عائلته بعد ستة أعوام من النزوح القسري، لـ«القدس العربي»: «منذ أن سقط نظام الأسد، لم يعد لدينا خيار سوى العودة مهما كانت الأسباب».
عند عودته وجد أبو أحمد منزله الذي لم يكتفِ النظام السابق بتدميره، بل امتدت يد العبث لتنهب ما تبقى من الحديد في أساساته، مما عمق جراح المعاناة التي يعيشها.
أنيس، (55 عاما) من بلدة معرشورين جنوب إدلب، قام بنقل شتاته بما في ذلك خيمته من المخيم الذي كان يقيم فيه، وعاد بها ليحولها إلى مأوى له على أنقاض منزله المدمر، ليبدأ رحلة جديدة بمأساة مختلفة.
وعن سبب إصراره على العودة إلى الحياة فوق منزله المدمر، يروي أنيس لـ«القدس العربي»: «إن مرارة العيش في المخيمات قد أثقلت أرواحنا، خاصة أننا كنا ندفع إيجار الأرض التي حولناها إلى مخيم للعيش فيها».
يضيف: «العيش في أرضي وعلى أنقاض منزلي يمنحني، مع عائلتي، الأمل وراحة البال بدلاً من العيش في مخيمات حدودية، وصفها بأنها «مخيمات الموت» لمن يقطن فيها.
ويواجه أنيس تحديات وظروفا معيشية قاسية في بلدته المدمرة في غياب كل مقومات الحياة وأبرزها الماء والكهرباء والمشافي والمراكز الصحية.

دمار واسع للبنية التحتية… بعضهم نصب خيمة فوق أنقاض منزله

ومنذ يومين تعرض طفله لوعكة صحية مما اضطره لإسعافه لمدينة إدلب كونها المكان الأقرب لهم في توفر المشافي.
ويقول أبو أحمد إن المسافة الفاصلة بينهم وبين أقرب مشفى هي ما يقارب 35 كيلو مترا، وإذا تعرض المريض لوعكة شديدة ربما هذه المسافة تساهم في فقدان حياته ريثما يصل إلى المشفى لتلقي العلاج.
وتُعد المنطقة الممتدة من ريف حماة حتى ريف إدلب الجنوبي والشرقي من أكثر المناطق المدمرة في سوريا نتيجة القصف والحملة العسكرية التي وقعت بين عامي 2019 و2020. وانتهت هذه الحملة بسيطرة نظام الأسد المخلوع على المنطقة، وبدأت قواته بهدم المنازل وسحب الحديد من أسطحها، مما حول معظم منازل ريفي إدلب وحماة إلى هياكل بلا أسقف وجدران.

التحديات الأساسية

وتتجلى التحديات التي تعيق عودة النازحين إلى منازلهم في عدة جوانب، أبرزها الدمار الواسع للبنية التحتية، حيث أدت العمليات العسكرية المدعومة من روسيا إلى دمار شامل في البنية التحتية والمنازل. فقد تعرضت معظم المباني السكنية لأضرار جسيمة، وتم تدمير أسقف المنازل والجدران وسحب الحديد منها بشكل ممنهج من قبل تلك القوات.
هذا الدمار لم يقتصر على المساكن فحسب، بل شمل أيضاً المنشآت الحيوية مثل المدارس والمستشفيات والأسوا،.ليجد العائدون أنفسهم أمام واقع مرير يتمثل في غياب الحياة بشكل كامل وانعدام مقومات الحياة.

يقول خالد السرجاوي، أحد العائدين الى بلدته معرشورين جنوب إدلب «للقدس العربي «، إن المنطقة أصبحت غير صالحة للعيش بسبب نقص المياه والكهرباء والرعاية الصحية. ويشير إلى أنه لا يمكن العودة إلى هذه المنطقة إلا بتدخل المجتمع الدولي لإعادة الإعمار وتوفير الخدمات الأساسية.
ويضيف أنه في هذه الفترة لن يعود مع عائلته إلى بلدته حتى تتم إعادة إحياء البنى التحتية بالكامل وتوفير كافة مستلزمات الحياة الأساسية.
ولم يكن أبو رياض، البالغ من العمر (40 عاماً) من مدينة معرة النعمان جنوب إدلب، أفضل حالا من السرجاوي.
وفي حديثه مع «القدس العربي» يعبر عن معاناته بعد عودته إلى مسقط رأسه بعد غياب استمر ستة أعوام من النزوح القسري. وقد واجه أبو رياض ظروفاً معيشية قاسية للغاية، حيث غابت معظم الخدمات الأساسية وسط دمار واسع في البنية التحتية.
ويضيف أنّ المدينة والمنطقة المجاورة تفتقر تمامًا إلى المستشفيات أو المراكز الصحية. وفي حال حدوث أي طارئ طبي، سيكون على السكان السفر إلى مدينة إدلب، التي تبعد حوالي 45 كيلومترًا عن معرة النعمان، مما يزيد من معاناتهم.
ويشير إلى افتقار المنطقة للمدارس، بالإضافة إلى أزمة المياه، حيث لم تُفعّل الآبار بعد. وهذا الوضع يسبب معاناة كبيرة للسكان الذين يضطرون لتأمين المياه من مناطق مجاورة، أقربها تبعد حوالي 25 كيلومترًا، مما يزيد من صعوبة الحياة اليومية في هذه الظروف القاسية.

نقص التمويل

في حديثه لـ«القدس العربي» أشار فراس كردوش، مدير مديرية الشؤون الاجتماعية في الحكومة السورية الجديدة، إلى التحديات الضخمة التي تواجه جهود إعادة الإعمار. وذكر أن الدمار الذي خلفه النظام السابق أثر بشكل كبير على البنية التحتية والخدمات الأساسية. وأكد على الحاجة الماسة لإعادة بناء المدارس والمستشفيات والطرق، بالإضافة إلى تأمين المياه والكهرباء.
كما أضاف أن الحكومة وضعت خطة شاملة لإعادة الإعمار تهدف إلى دعم المجتمعات المحلية عبر مشاريع تمكين اقتصادي، لكنه حذر من أن العقوبات الاقتصادية وقلة الموارد المالية تشكل عائقًا أمام تحقيق هذه الأهداف.
ويشكل نقص التمويل الدولي، حسب قوله، عائقًا كبيرًا أمام جهود الإغاثة وإعادة الإعمار، مما يزيد من تفاقم الأوضاع الإنسانية في المنطقة. هذا النقص يعقد عملية العودة للنازحين الذين يتطلعون إلى بناء حياة جديدة في بلادهم، ويزيد من معاناتهم اليومية.
وتظل تحديات العودة إلى المناطق المنكوبة للنازحين السوريين جرحًا مفتوحًا يحتاج إلى معالجة عاجلة، وفق قوله، مضيفا: الدعم الدولي وإعادة الإعمار هما السبيلان الأساسيان لتحسين الظروف المعيشية للعائدين.
يؤكد كل من أنيس أبو أحمد والسرجاوي وأبو رياض «للقدس العربي» على ضرورة التدخل الحكومي أو الدولي للمساعدة في إعادة إعمار منازلهما المدمرة. فهما، مثل معظم النازحين، يفتقران إلى الموارد اللازمة لترميم منازلهم، وإن دعم المنظمات الدولية في هذا الصدد يعد أمرًا حيويًا لتخفيف معاناتهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية