هل بات أصحاب المال هم القوة السياسية الأولى في الجزائر؟

حجم الخط
1

أثارت التصريحات الأخيرة لرجل المال الجزائري علي حداد، أثناء اجتماع لجنة التعاون المشتركة الجزائرية الصينية، التي ضمنها دعوة لرجال الأعمال الصينيين للقدوم للاستثمار بقوة في الجزائر وبالمرة للزواج بالنساء الجزائريات، ردود أفعال قوية من شتى الشرائح والقطاعات المجتمعية في الجزائر، منددة بمضمون التصريح الذي، قرئ من الجميع على أنه ضرب من ضروب المس بكرامة وقيمة المرأة الجزائرية.
بينما أعاد لدى المتتبعين للأحداث في الجزائر طرح جملة من الأسئلة تتعلق بظاهرة اتساع رقعة هيمنة أصحاب المال على مصادر القرار السياسي في الجزائر، في عمق غرفة التحكم السوداء داخل السلطة، التي كانت وإلى وقت قريب مستعصية على الاختراق غير قابلة لا للانقسام ولا للاقتسام، وهذا مذ تحررت البلاد ورأت الدولة القطرية ولادتها القيصرية العسيرة، مع ما واكب ذلك من صراعات دموية بين مختلف فرقاء السياسة من رجال الحركة الوطنية الذين انضووا حينها تحت لواء جبهة التحرير الوطني.
كيف ظهر أصحاب المال؟ سؤال يفرض نفسه بالضرورة على كل من أطل بوعي على المسار التاريخي للدولة القطرية التي تأسست بعد الاستقلال، حيث تداعت كل الأطراف حينها للنظرية الاشتراكية كمرجعية أيديولوجية ونهج اقتصادي واجتماعي، وتم تكريس ذلك في كل المواثيق المؤسسة للجمهورية، وكان دستور البلاد سنة 1976 قاطعا في هذه المسألة، حين نص صراحة على أن «الاشتراكية خيار لا رجعة فيه» بيد أنه ومباشرة بعد رحيل هواري بومدين صار هذا الخيار يتلاشى على صعيد الاقتصاد أولا، من خلال اللجوء إلى عدة إصلاحات تستهدفها بدورها إصلاحات أخرى عنونت بمختلف العناوين، من تسيير اشتراكي للمؤسسات، إعادة هيكلة المؤسسات، استقلالية المؤسسات، إلى أن وصل الأمر بداية العشرية السوداء، وبعد توقيع الاتفاق مع صندوق النقد الدولي إلى ما يعرف بخصخصة القطاع العام، وهنالك أجهز بشكل نهائي على وهم التعايش الاشتراكي، وولدت أسماء رجال المال الذين سيتضخم سلطانهم مع توالي السنين.
لكن قبل هذا هل كان في الجزائر رجال مال كبار بمقدورهم التأثير في سلطة القرار السياسي والسيادي في البلاد؟ قطعا لا، فحتى الذين سمحت لهم الدولة في نهاية الستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي بمزاولة نشاطات اقتصادية خاصة مثل رجل المال الشهير مسعود زوغار وعبد الحفيظ بوصوف، كان ذلك بغرض تحييدهم عن نشاط الدولة، وإبقائهم خارج إطار أي طموح في تسيير شؤونها، نظرا لمكانتهم السابقة في الأجهزة في الدولة لا سيما المخابرات التي تعد العمود الفقري لسلطة الدولة القطرية، التي تأسست كما أشرنا بعد الاستقلال في خضم تصارعي تقاتلي بين مختلف مكونات قادة الحركة الوطنية.
في ثمانينيات القرن الماضي كان نشاط المال الخاص متوسطا في الجزائر ولا يتجاوز نطاق المقاولات المتوسطة، بيد أنه شرع تدريجيا يتضخم حتى وصل نهاية ذلك العقد إلى حد منافسة كبرى مؤسسات القطاع العام، لا سيما في قطاع الأشغال العمومية والبناء، بل أنه استثمر في أخطاء السلطة في مجال التخطيط لاقتصاد موجه تهاوى مع الانهيار الكبير والشهير لسعر النفط عام 1986، ليغدو الأكثر استعدادا لاستقبال اليد العاملة على صعوبة واستحالة امتصاص بطالة تضخمت إذ ذاك، بفعل سوء التسيير والإخفاق في مسار التحول الاقتصادي، مع ما صاحب ذلك من انهيار سريع وكبير لأسعار النفط تسبب في انفجار الجبهة الاجتماعية في ما عرف بانتفاضة أكتوبر 1988، كان من نتائج ذلك كله تدشين إصلاحات عميقة وجذرية على مستوى منظومة المجتمع بكليتها الاجتماعية، السياسية والاقتصادية، اتضح عبرها التوجه الصريح نحو لبرلة المجتمع والدولة، من هنا بدأ أصحاب المؤسسات الخاصة يستفيدون من امتيازات بيروقراطية ومصرفية كبرى، أكثر من ذلك، شهد القطاع الخاص تكاثرا أرنبيا في وقت قياسي ووجيز، مستفيدا من منظومة مصرفية عمومية مترهلة متساهلة ومحابية في منح القروض، كل ذلك مقابل شروع القطاع العام في الانهيار التدريجي والتكسير المنهجي والممنهج.
لتأتي العشرية السوداء حيث الحرب الداخلية الضروس التي عاشتها الجزائر لتشهد انحرافا خطيرا على مستوى نسق تطور قطاع الخاص، حين برز بورجوازيون من دون خلفية ولا مرجعية في عالم المال والأعمال، مستغلين في ذلك غبش الأحداث والانشغال المجتمعي بالحرب على ما سُمي بالإرهاب ليكونوا في الظلام ثروات طائلة أذهلت الجميع وصار سؤال من يقتل من؟ يمشي بالتوازي مع سؤال من يسند من؟ حتى تغرق الساحة الاقتصادية الوطنية في هذا الكم الفطري من رجال مال لم يكونوا شيئا مذكورا قبل تفجر أحداث العشرية السوداء.
وهكذا عمدت السلطة السياسية على مدار العُهد الرئاسية الأربع لبوتفليقة إلى تقوية رجال المال ممن يمشون خلفها ويحملون عرشها، فتكونت بذلك كتلة مالية سياسية قوية، عرفت بلوبي الرئاسة تفرض نفسها على الجميع بقوة جذبها المالي، وأضحت قادرة بقوة دفعها المالي تلك على اختراق الأحزاب من القواعد وتفجير قيادتها في كل مناسبة انتخابية، فاستشرت ظاهرة الردة الحزبية وتنقل المناضلين والقياديين على طريقة لاعبي كرة القدم من حزب إلى آخر، تحت سطوة الإغراء المالي، ما أوحى ببداية سطوع نجم رجال المال في سماء السياسة بالجزائر ليس كبديل عن الأحزاب السياسية فحسب، وإنما كقوة صنع قرار جديدة لا تحل محل القوة الخفية القديمة التي تقود البلاد وفق استمرارية جيلية، إنما تتكامل معها وتضفي عليها طابع التمدن وتحررها من وصمة الغموض التي ألصقت بها في أدبيات الخطاب السياسي والإعلامي في الجزائر.
وبات هذا التشكل الجديد الذي عرفه بيت صنع القرار في الجزائر يطرح عدة أسئلة متعلقة بمستقبل السياسة في الجزائر، ودور المؤسسات الدستورية الفعلي والحقيقي وجدوى وجود الأحزاب السياسية، خصـــوصا مع هذا العزوف التام عن النشاط السياسي الذي هو آخذ في التعاظم في الأوساط الشعبية، سواء تعلق الأمر بالنضال الحزبي والعملية السياسية أو العملية الانتخابية؟ أسئلة مقلقة لأفق مخيف لطبيعة دور مؤسسات الدولة في ظل خلو المجتمع من شروط التدافع السياسي الحر والمتحرر من ثقل المال والعنف.
إذن هو أفق معتم ومسدود يتهدد المجتمع والدولة معا، ما لم تتداع كل الأطراف معارضة كانت أم سلطة لميثاق شرف، يتعدى عتبة خطاب المصالحة الأجوف، ليغدو إطارا عمليا حقيقيا يتم عبره صون قيمة المؤسسات الســـياسية وإعادة تفعيل دورها ورد الاعتبار لها، وبالمــرة يعيد السياسة إلى المجتمع، ويبعد كل المؤثرات الجانبية وأبرزها المال السياسي الذي تكون في ظلام بيت السلطة سنوات الدم والجنون السياسي في تسعينيات القرن الفائت.

٭ كاتب وصحافي جزائري

بشير عمري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية