إعدام المسار الديمقراطي في مصر

حجم الخط
5

العديد من المدن المغربية غاضبة من أحكام الإعدام التي صدرت في حق الرئيس محمد مرسي وفي حق عدد من القيادات السياسية والشخصيات الفكرية والدعوية أبرزهم الشيخ يوسف القرضاوي… الجمعيات الحقوقية المغربية أصدرت بيانات الشجب والاستنكار والمطالبة بمراجعة هذه الأحكام رافضة تسخير القضاء لضرب المعارضين السياسيين والتنكيل بجماعة الإخوان المسلمين..
أحكام الإعدام غير المسبوقة في التاريخ المصري ضد المعارضة السياسية ما هي إلا تتويج لقرار الانقلاب العسكري الذي اتخذ يوم 3 حزيران/يونيو 2013 تحت إسم ثورة 30 يونيو..
آنذاك قلنا بأن الأمر لا يتعلق بثورة وإنما يتعلق بانقلاب عسكري تحت غطاء مظاهرات شعبية.. هناك فرق كبير بين الثورة الحقيقية التي انطلقت يوم 25 يناير وبين ما سمي بـ«ثورة» 30 يونيو.. خلال الثورة الأولى نزل الشعب ولم ينزل أنصار مبارك، أما يوم 30 يونيو فقد نزل إلى الشارع أنصار حسني مبارك بمن فيهم رجال الشرطة والأمن بزي مدني، وبطبيعة الحال عدد كبير من الرافضين لجماعة الإخوان المسلمين والذين لم يصوتوا لهم منذ اليوم الأول.. خلال ثورة 25 يناير سقط مئات الشهداء بعد تدخلات عنيفة من رجال مبارك وبلطجيته وفلوله، أما احتجاجات 30 يونيو فقد مرت تحت رحمة الطائرات العسكرية التي كانت تمطر المتظاهرين بالأعلام المصرية وبالماء البارد وتسهر على أمنهم وراحتهم.. خلال ثورة 25 يناير نزل الشعب المصري بكافة أطيافه ومكوناته الفكرية والسياسية أما في وقفة 30 يونيو فقد غابت عنها قوى سياسية أساسية لازالت متشبثة بالشرعية الدستورية وبإطلاق سراح الرئيس المنتخب..
الذين نزلوا يوم 30 يونيو عادوا لبيوتهم بعد 48 ساعة من أداء مهمتهم، أما ثوار 25 يناير فقد ظلوا معتصمين لغاية إسقاط رمز النظام السابق حسني مبارك..
سيذكر التاريخ أن الرئيس المنتخب بعد الثورة الحقيقية لم يغلق القنوات الفضائية التي ظلت تنتقده وتسبه وتحط من قدره وتسعى لتشويه صورته وسمعته طيلة سنة كاملة، وسيذكر التاريخ أن الرئيس مرسي لم يسمح بإطلاق الرصاص على المتظاهرين ضده ولم يقم بتسخير القضاء لضرب مخالفيه ولم يزج بمعارضيه في السجن.. أما «ثورة العسكر» فقد أسقطت مئات الشهداء من بينهم عدد كبير من النساء والأطفال بدم بارد، وأدخلت الآلاف منهم إلى السجون وحكمت على المئات منهم بالإعدام الذي تم الشروع في تنفيذه في حق عدد من الناشطين..
من إنجازات ثورة 30 يونيو الحكم على أول رئيس منتخب بتهمة التخابر مع حماس، وهي تهمة لا يعاقب عليها سوى القانون الإسرائيلي، وفبركة ملف الفرار من السجن.. وغير ذلك من القضايا التافهة التي لا تقنع الأطفال..
من إنجازات «ثورة» 30 يونيو تدمير الأنفاق التي تمثل شريان الحياة بالنسبة لغزة، وإحراق سيناء بمن فيها..وهو ما عجزت عنه الآلة العسكرية الإسرائيلية..
الموضوع اليوم أكثر خطورة من إعدام رئيس منتخب، الموضوع هو إجهاض حلم أمة بتحقيق استقلالها ونيل كرامتها، وإعدام مسار ديمقراطي آمنت به الشعوب ونزلت للشارع للمطالبة به بطرق سلمية..
مخطط تصفية المسار الديمقراطي بدأ بتأزيم الوضع الاقتصادي على عهد الرئيس مرسي، وتوظيف المحبطين والعاطلين من الشباب في عمليات مخلة بالأمن، وإشاعة عدم الاستقرار وحالة الفوضى وتشجيع الإضرابات والاعتصامات، وتوظيف الآلة الإعلامية للقوى المحافظة من أجل تشويه قوى الإصلاح والتغيير وزرع الخوف من المستقبل وتحسين صورة النظام السابق، ونشر نفسية السخط وعدم الرضا على أوسع نطاق بواسطة مختلف أدوات الدعاية، ومر هذا المخطط عبر إثارة العداوات الإيديولوجية بين قوى الإصلاح، وتحطيم فكرة التوافق والمصالحة ونشر ثقافة الانتقام والحقد والكراهية وعدم الثقة وتعميق الخلاف والتقاطب الحاد بين الأطراف السياسية إلى درجة إيمان كل طرف بضرورة إلغاء الآخر… حاجتنا لفهم الأسباب العميقة لإجهاض عملية التحول الديمقراطي في ما سمي ببلدان الربيع العربي، وعدم ترك العمى الإيديولوجي يطمس بصيرتنا لرؤية الحقيقة كما هي لا كما يريد أن يصورها أعداء الديمقراطية والحرية والكرامة في العالم العربي والإسلامي..فلننتبه
أما المتغيرات السريعة الجارية في مصر حاليا فتنبئ بأن التفاعلات الشعبية ستأخذ مسارا آخر، فبعدما كشف الجيش على أوراقه كلها، بات بالإمكان توقع ما سيحصل في المستقبل..
استراتيجية الدولة أصبحت معروفة: استخدام أقصى درجات العنف ضد المعارضين السياسيين، وتعبيد المسار أمام وزير الدفاع السابق لاستكمال مهمة القضاء على السياسة في البلاد..
هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة على بنية الدولة في المستقبل ويضع مصداقية القوات المسلحة المصرية ورصيدها التاريخي في مهب نزعات التسلط وأمزجة التحكم المهيمنة على المشهد..
ولا يظهر في الأفق أي سيناريو متفائل يمكن التنبؤ به لإعادة الحاكمين إلى جادة الصواب..دعواتنا لمصر الشقيقة بالفرج من قسوة مرحلة سياسية لم يسبق لمصر أن عاشتها في تاريخها الطويل.

٭ كاتب من المغرب

د. عبد العلي حامي الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية