أحزان الشاعرات في بريد أسعد الجبوري

مُنحازا إلى الشعرية الكونية، اختار أسعد الجبوري الغوص في البرزخ الفاصل بين اليقظة والمنام، بحثا عن حاملات لواء النسوية القارسة الوحشة في أرض الشعر القديمة، جمع الشاعرات الفائقات جمالا نصوصا وخيالا، طبعا هُنَّ جميلات، كل النساء جميلات لمّا يتغنجن، ويكون الغنج أجمل وأشد إيلاما للذكورة المُتشبعة بعقدة التفوق، إذا تبلور كرة سحرية تتدحرج وتتسامي بأجنحة المخيلة في فضاء الشعر الفسيح.
في موسوعة البريد الافتراضي كوكبة من الشعراء والشاعرات، من مختلف الأصقاع والعصور، في رحاب الموسوعة هم جيران يضمهم قمر سهران ، يتجاورون وربما يتحاورون، كما هي نصوصهم العابرة للأمكنة والأزمنة، هكذا الشعر عابر للجغرافيا والتاريخ والدواخل الدفينة لأولاد آدم، على اختلاف ألوانهم وأشكالهم ومعتقداتهم وأنماط حيواتهم على هذه الأرض، قبل أن يسافروا السفر الروحي إلى البرزخ عتبة الأبدية.
ضمن هذه الموسوعة كتاب عن (بريد السماء الافتراضي نصوص المَصَحَّات الباردة وأحزان المُجوهرات)، يختار المؤلف شاعرات من مختلف القارات حتى يحللن ضيفات على موسوعته (18 كتابا) المتفاعلة معهن بروح الشعر، وهذه المقالة متفاعلة مع بعض الشاعرات ومع صيغ الكتابة عنهن.

آنا أخماتوفا: قُداس جنائزي في قبضة ستالين
سألها أسعد عن رفرفة حديد ستالين ـ بمعنى القسوة وضراوة الديكتاتورية ـ أجابته «كأن ذلك الديكتاتور تربص بي منذ أن وُلدت في بلدة بلشوي فونتان إحدى ضواحي مدينة أوديسا الواقعة على البحر الأسود، ليلاقيني في فترة تبلور صوتي داخل رحم الشعر الروسي في بدايات 1911. يبدو أن البلورة لم يكن لستالين نصيب الأسد فيها، هناك نيقولاي غوميليف الزوج الحبيب الشاعر من شاركها تربية الشغف تماما كتربية الإوز في ريف «الكولخوزات والسوفخوزات» ـ تعاونيات الفلاحين السوفييت ـ عن نيقولاي «كان مُنظر حركة (مُحترف الشعراء) المُناهضة للشعر الرمزي». بعد ثماني سنوات سِمان شعرا وعاطفة انفصل الثنائي، بعد الانفصال بعامين أعدم نيقولاي بتهمة معاداة الثورة البلشفية، تقول آنّا بوجع «كان وضعنا النفسي والأدبي في الأربعينيات صعبا وقاسيا ومُذلا. زوج يُعدم، وابنٌ (ليف) يُنفى إلى سيبيريا، وأنا أخرج من السجن طائعةٌ في لينينغراد بعد سبعة عشر شهرا، لأرفع صوتي في الإذاعة، مُشجعةٌ الجند على مقاومة الغزو الألماني لبلادي، وكذلك لأقرأ القصائد للجرحى في المستشفيات». تقول عن قصيدتها «قُداس جنائزي»، إنها «سجن للأرواح» فقد حدث أن منعها الحزب الشيوعي من نشر قصائدها المغايرة للذائقة الحمراء المُمجِّدة للعُمال والفلاحين، والمُنددة بالبورجوازية الطُفيلية والرأسمال، الشيطان بمنظور الشيوعي هذا الباطرون المُستغل لليد العاملة وحليفه الفيودالي المُتكسِّب من أرض وعَرَق الفلاحين. أوجاع الذات والأحبة هي أوجاع القصيدة، آنّا عانت من البلاشفة الشيء الكثير، لا لشيء سوى أنها صوتٌ مغاير لا يُحب التنميط القسري لشكل وجوهر الكتابة، الأيديولوجيا في الأنظمة الشمولية عدوة الحرية. القصيدة بلا حُرية.. جُثة في متحف الزعيم الخالد.
سلفينا أوكامبو ترسم قصائدها
أن يصف خورخي لويس بورخيس شاعرة لاتينية بأنها واحدة من أعظم الشعراء في اللغة الإسبانية، فتلك شهادة تضع أوكامبو بين القامات المُضيئة، ما قاله قاد المُحاور إلى التساؤل عن علاقة ذلك بالرسوم التوضيحية التي أعدتها الشاعرة والتشكيلية سلفينا أوكامبو كمُرفقات لقصائد صاحب (كتاب الرمل)، أجابت أن ذلك ربما يرجع لانبهار بورخيس برسومها، أو لأصولها البورجوازية، أوكامبو كتبت القصص أيضا، حتى يتسع المجال لفضفضة النساء اللّواتي يعانين من مشاق العيش في المجتمع الأرجنتيني. سلفينا ابنة بوينس أيريس العاصمة المجنونة بالصخب اللاتيني، أبدعت في الفن البصري مثلما فعلت ذلك في الشعر، كتبت (نقوش على الرمال) و(حراس الليل)، وعن استفادتها شعريا من الفن البصري قالت للمؤلف في اللحظة البرزخية (الشعر مجموعة أعين تحتوي الآفاق، لذا فهو المُستفيد الأول من النشاط البصري للفنون التشكيلية. أنا درست الرسم في باريس والتقيت الكثير من فناني السريالية والمدارس التعبيرية الأخرى). كتابة القصائد والقصص وغير ذلك من أنواع الكتابة الأدبية، ثُمَّ الرسم بولع شاعرة هي مهارات القِلة في مجتمع الأدب، لهذا لم يجد بورخيس غضاضة من الاستعانة برسوم سلفينا كي تؤنس وحشة بعض قصائده.

فرانسيسكا أغيري: ماتشادو بصيغة المؤنث
ليس ذلك تنقيصا من الشاعرة فرانسيسكا، بل هو اعتراف بقوة قصائدها إلى درجة مضاهاة منجر أنطونيو ماتشادو أهم الشعراء الإسبان، إن كان لماتشادو بعض التأثير فهذا لا ينفي فرادتها وبصمة إبداعها الغزير أيضا (11مجموعة شعرية)، «باكا « ـ اسمها الأصلي ـ في جوابها عن استعارتها إسم فرانسيسكا «بدأت باستعماله تحت ظروف سلطة الجنرال فرانكو»، أضافت بنبرة حزينة «لطالما دفعنا الثمن بالهروب عبر الحدود أو بتلقي الضربات القاتلة، كما حدث بإعدام والدي الشرطي الجمهوري خلال الحرب الأهلية 1942». الأب لورينزو أغيري الفنان التشكيلي المعروف في الوسط الثقافي آنذاك، تمت تصفيته جسديا في سجن (بوليير) في عام 1942 «ليصبح دمه شكلا تعبيريا مضادا لتلك الحرب». نالت فرانسيسكا جائزة الآداب الإسبانية تتويجا لها كملكة الشعر منذ خمسينيات القرن العشرين عن «الدّرجات الثلاثمئة» (1977)، و»الموسيقى الأخرى» (1978)، و»بحث عام» (1996)، و»رقصة اللاطمأنينة» (1999)، و»الجرح العبثي» (2006) و»أحاديث مع حيواني المرافق» (2012). حصلت الشاعرة المناضلة ضد الفاشية التي دفعت أثمانا باهظة من حريتها وحريات وحياة أحبتها على جائزة (ليوبولدو بانيرو) عن مجموعتها الأولى (إياكا)، قالت فرانسيسكا «في شعري أتحدث إلى نفسي».
ساداكو كوريهارا: ضمير هيروشيما
عن بداية اقترافها لجناية الشعر قالت إنها بدأت كتابة شعر «التانكا» في سن الثالثة عشرة، وأضافت «أنا ولدت وفي رأسي برتقالة التانكا»، وعن أوجه الشبه بين التانكا والهايكو قالت ساداكو «بدأت قصائد التانكا ببناء الأكواخ على ضفاف النهر، في ما أجهز الهايكو على الأكواخ القديمة، فقام ببناء المساكن الشعرية، لتصبح ماركة يابانية بامتياز». بعد زواج بالسرّ تصالحت الشاعرة مع العائلة وعادت إلى هيروشيما التي هربت منها سابقا، استقرت مع زوجها حيث عملا في متجر لهما لبيع الأدوات المنزلية، اندلعت الحرب فتم تجنيد الزوج في الجيش الإمبراطوري الياباني في منتصف الأربعينيات، خدم في شنغهاي وشاهد فظاعة الجرائم التي ارتكبها الجيش الياباني في حق الصينيين. ولأنه لم «يقطع لسانه ويسكت»، إذ أمعن في التشهير «بفظائع الجيش» فقد «زُجّ في السجن 15 عاما، دون ان يتمكن من نشر أعماله ولا أعمالي على حد سواء».
كتبت ساداكو قصائد مناهضة للحرب منذ سنة 1941، وتطوعت عن طيب خاطر بتوزيعها باليد ـ كمن توزع مناشير أيديولوجية تحريضية سرّية ـ على الشباب والفلاحين وعُمال المصانع، القصيدة في خدمة البروليتاريا، كانت ساداكو منحازة للطبقة الكادحة متشبعة بقيم ومبادئ الاشتراكية في أفق تحقيق المجتمع الشيوعي في صفائه الكامل بانتفاء الدولة وحكم العمال أنفسهم بأنفسهم (المدينة الفاضلة في النظرية الماركسية). بعد قتل 200 ألف مخلوق بشري بالقنبلة النووية الأمريكية التي أمر بإلقائها ترومان الرئيس الأمريكي الملعون، حتما تطارده لعنات الضحايا المدنيين الأبرياء، بعد 1946 تعرضت لرقابة وكالة المخابرات الأمريكية التي منعتها ـ من ضمن أصوات مناوئة أخرى ـ من فضح جرائم النووي في هيروشيما وناغازاكي. الشاعرة المُلقبة بـ»ضمير هيروشيما» لها «قاموس شعري» ضد الموت والأسلحة الفتاكة حفلت به مجاميعها الشعرية الكثيرة منها: (هيروشيما 24 عاما ـ الخلاص الحديث ـ احتضان المشهد الأصلي لهيروشيما ميراشا ـ عندما تكون هيروشيما هي سانيشي شوبو ـ الناجون من القنبلة النووية ـ الإمبراطورـ سانيشي شوبوـ المستقبل يبدأ هنا ـ العيش في العصر النووي هيروشيما ـ الحياة في الموت ـ حكايات خرافية في العصر النووي…).

نادية تويني: ظلال الذاكرة في الوجدان الفرنسي
الدُرزية تحدت المُحرّم لتقترن بحبيبها الأرثوذكسي غسان تويني، الشاعرة اللبنانية تكتب «بحبر من ظلال العربية» هي المُتشرّبة بالفرانكفونية لغة وثقافة، بتأثير الأم الفرنسية مارغريت ملكان، تتلمذت في «بعقلين» ثم في مدرسة البيزنسون فمدرسة (اللاييك) والكلية العلمانية الفرنسية، هذا التكوين اللغوي والفكري مُضافا إلى طبيعة لبنان المُبهرة للحواس والأرواح، بجمالها وتنوعها الجغرافي، جغرافيا بلد الأرز حالمة كما تاريخها المتشابك حد التعايش المحتوم بين الصليب والهلال وما بينهما من عقائد حُرّة ـ كل ذلك صقل الرؤية وحساسية التناول الجمالي للثيمات ومفردات التعبير الشعري، لبنان محكوم عليه بالتعايش بشرط نبذ الطائفية واعتبارها عنصر إثراء وعنوانا للتعددية الثقافية المندمجة في النسيج الوطني. نادية لم تجد لشِعرها غربة في بيئتها العربية هي التي تكتب بالفرنسية، بعد أن نقل قصائدها إلى لغة الضاد «عقول مهرّة من أمثال الشاعر أنسي الحاج وأدونيس وبول شاؤول وهنري فريد صعب»، كتبت عنها ستيفاني جرجس (العربية هي لغة الذاكرة. والفرنسية لغة الوجدان، العربية لغة الجماعة والفرنسية لغة الفرد الذي لم ينفصل لحظة عن جماعته. والجماعة يجب ان تُفهم في كونها أرضا ووطنا وتراثا وأساطير وطوائف وأقليات).
نشرت أول كتاب بعنوان « النصوص البيضاء» ضم القصائد الأولى سنة 1963، ونالت الكثير من الجوائز مثل جائزة أكاديمية اللغة الفرنسية، ووسام المجرّة الذي تقدمه المنظمة الدولية الفرانكفونية، وجائزة الشاعر اللبناني سعيد عقل. وصفت نادية وطنها لبنان في «قصائد الحب والحرب» (عن الحرب الأهلية المؤلمة) قائلة: «أنا أنتمي إلى بلد ينتحر كل يوم بينما يتم اغتياله. في الواقع، أنا أنتمي إلى بلد مات عدة مرّات، لماذا يجب عليّ أنا الأخرى أن لا أموت من هذا الموت اللبناني القبيح والبطيء والوحشي؟».
سيلفيا بلاث: ثلاثون ربيعا قبل الغاز
شاعرة مأساوية، ذاقت المأساة وهي طفلة في الثامنة من عُمرها، مات الأب أوتو بلاث بعد بتر رجله بسبب مرض السُّكري. منذاك سكن الموت تفكيرها وتشابك في علاقات قاتمة السواد مع الحياة، الموت يتنفس في حياتها وفي قصائدها، لهذا بعد زياراتها لقبر والدها كتبت قصيدة «أليكترا على مسار الأزلية». أصولها من جهة الأب جرمانية ومن جهة الأم نمساوية هي المولودة التي بكت أول مرّة في بوسطن لمّا قرَصَها الشيطان كما يفعل مع مواليد آدم. سيليفا شاعرة وروائية وكاتبة قصة قصيرة، رائدة شِعر البوح أو الشعر الاعترافي، في قصائدها اعترافات رومانسية مُصابة بالحُمَّى، الشاعرة المُتيَّمة بتيد هيوز حد الفجيعة، غادرت الحياة اختناقا بالغاز بعد حالة اكتئاب سريري بتعبير أطباء النفس البشرية، لكن.. هل الأطباء لهم القدرة على معرفة أسرار النفس الدفينة؟ّ ثمّة أسرار لا تعرفها إلا القصيدة هي بمثابة كشَّاف ضوء يبدد العتمات برشقات نور لن تفهم كُنهها شركات الكهرباء المُولعة بنفخ الفواتير الشهرية، هل لتيد هيوز يد غير مباشرة في الانتحار؟ تلك أمور قد تكون محفوظة في بريد الغيب.
طريقة الموت مُفجعة، دخلت مطبخها في شُقتها اللندنية وأغلقته بالورق اللاصق، فتحت الباب وأسندت رأسها على باب الفرن المفتوح، تركت طفليها الصغيرين في غرفة نومهم، باب الغرفة مغلق تماما ونافذتها مفتوحة. قيل إن بلاث تركت «الملف الأسود» على مكتبها، ضم الملف مجموعتها الشعرية الرائدة، المهداة لطفليها فريدا ونيكولاس، عنونت مجموعتها بـ»أرييل»، قيل أيضا إنها واصلت كتابة الشعر حتى قبل وفاتها بستة أيام، وأيضا قالوا إن زوجها تيد هيوز أتلف يومياتها المكتوبة قبل رحيلها الأبدي بثلاثة أيام.
كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية