لوحات الليبي رضوان أبوشويشة: أشياء غائرة في ذاكرة الوطن!

حجم الخط
1

الإنصات بكل الحواس إلى وقع العالم الخارجي، تتبع الانفعال الداخلي وما امتزج بالمتبقي من الباطني العميق المترسب على مهل في تلك السنوات المليئة بالقلق والحيرة، والممارسة الإبداعية في الكتابة، الاطلاع على قسط وافر بما أنتج في الغرب، المعرفة بالموروث الثقافي العربي. كل هذا يتيح لأديب الفنانين وفنان الأدباء التشكيلي الليبي رضوان أبوشويشة الدخول إلى عالم فن الرسم والتلوين ليتخذ مكانا مرموقا فيه.
بدايته في الرسم كالومضة الخاطفة، مراحله المتتالية في التنقل السريع بين التجارب الفنية التي مرر بها أفكاره، في محاولة قد نجحت كثيرا لتقليص المسافات وتقطيع الوقت المهدور لإحداث خلل في علاقة الفكر بالإبصار وعلاقة المكان بالزمان واستخدامه الزمن كما لو كان خامات مختلفة في أعماله الفنية بكل ما كان يجمعه من بقايا أشياء مهملة وألوان صريحة ذات كثافة عالية تتيح أرضية تخدشها فرشاته، أصابعه، أظافره وروحة أيضا للكشف عن أشياء غائرة في ذاكرتنا مطبوعة (بدم الإخوة) على جدرانها، لمشاهد تلوح من حين إلى آخر بفعل ومضاته التعبيرية المضيئة، في ظلمة الواقع التعس لسنوات كان يرزح تحتها الواقع الثقافي الليبي.
التجربة عنده تصل إلى حدود التماس بتجربة الفنان الأمريكي المدهش سي تومبلي حيث الحدائق والغابات المتخيلة بزهورها وأشجارها وعبث الأداء المتقن المختلط بشاعرية اللحظة وخبرة السنين في تعبير جميل عن مشاعر وحالات ذهنية بتشويه الأشكال وتحطيم ما تبقى منها وإخفاء أجزاء من المهشم والمفكك. خطوط قوية وسريعة متقطعة أحيانا ومتصلة أحيانا أخرى وعدم محاكاة الحياة الواقعية والابتعاد عن التشخيص إلى أبعد مدى، حيث بالكاد لا تجد نماذج مقابلة للمفردات التي تتشكل على سطوح لوحاته الفنية، فعالمه مبتكر رغم اقترابه بعوالم سي تومبلي وجاكسون بولك في حالاتها التعبيرية. ينتج عالمه في معمله الخاص حيث الباطني العميق بأدواته المهجريه وخبرته الخميائية في مزاوجة الأفكار والأشكال والمواد أيضا، فهو الباحث في سر جماليات الفن الصخري رسوم اكاكوس وتخطيطاتها المنتشرة في أرجاء الصحراء الليبية وعلى جدران كهوفها فتأتي أعماله مصاغة بقوالب جديدة بعد التفاعلات الكيميائية وبخلاف الكثير من الفنانين فكانت تجربتهم في رسم الفن الصخري بمثابة (الكولاج) قصا من على الجدران ولصقا على سطح اللوحات.
كائنات الفنان نشعر بوجودها ولا ندركها فهي كالأثر على جدران الروح خربشات وخطوط واهية بالكاد تظهر في بقع من جمر، كتل من سحب وأدخنه، أعمدة النور في لون أسود تشير إلى الطريق من جانب واحد على طريق الشط في طرابلس، أشياء جاهزة مثبتة في منتصف اللوحة كالمحراث والأدوات الشعبية المهملة وغير المستعملة في وقتنا هذا أصبحت موجودة وجديرة بالوجود في عرض فني ينضح بالمعاني الأدبية والأفكار المجردة المبعثرة في نصوصه التشكيلية التي تحتاج إلى مخيلة خصبة لتفكيك شيفراتها وحل طلاسم علاقاتها المتداخلة حتى يتسنى للمتفرج التعامل معها وإفساح المجال لحوار ممتع ينتهى بزيادة المعرفة في جغرافية التاريخ وتاريخ الأدب والفن.
تندرج مخرجات فنه في عمومها رغم اقترابها من التصنيف التقليدي (التعبيرية التجريدية) تحت مسمى الاوت سايدر outsider الفن المنفلت من روابط الأكاديمية الخارج عن المألوف حتى الآن. البعيد كليا عن الفن البدائي والساذج والحالات الفنية التقريرية أو التوثيقية فالحاجة الفنية للرسم عنده حالة يستعصي فهم دوافعها: الفنان يريد ان يرسم فقط كما هي تلك الرغبة في الكتابة وفي الحياة. منطلقاته ذهنية ممزوجة بوجدان جمعي ليبي وأدواته متعددة في إيصال الفكرة وغير منتبه إلى جماليات السطح بقدر تركيزه على الباطني أثناء اشتغاله على اللوحة والذي يتسرب عبر أثر الأظافر على ألوان كثيفة تزفر فرشاته في جو مسرحي للوحة فهي نص بصري مفرح مكتوب بالفرشاة وألوانها. ورغم كل مظهر الفرح هذا فهو في حقيقته مظهر للألم كالرقص على الجمر من هول ضنك الواقع المأزوم حاملا معه أمنيات الوطن ليوم تشرق فيه الشمس على الجميع.
الفنان رضوان صديق الجميع يبتعد عن الرؤى الضيقة والخطابات الجهوية ومشاحنات الشارع وما آلت إليها أمور ليبيا ما بعد الثورة ومشاكل السياسة ولعنتها التي طالت الجميع، مبتعدا قليلا وأخذا بموقف المثقف المتعالي عن تفاهة المشهد المنحط والخالي من الذوق والمسؤولية، محفزا الجميع على الإنتاج وإقامة المعارض الفنية والأمسيات الشعرية حتى يتسنى للوطن أن يسترجع أنفاسه ويبرأ من مصابه.
كتب قصصا قصيرة باللغة الإنكليزية بعنوان «ملك الموتى»، صدرت في لندن سنة 1975 وصدر له باللغة العربية، «الشعب الخفي» 1987. «السلفادور من القمع إلى الثورة»1983. «موجة حب إلى غرناطة» 1996 . ومسرحية «حمودة الزاهي» والكثير من المقالات والنصوص المسرحية. أقام العديد من المعارض الفنية في دار الفنون في طرابلس. ولد الفنان في مدينة العزيزية الليبية بالقرب من العاصمة طرابلس تنقل في أنحاء كثيرة من العالم وعاش فترة من الزمن في دبلن وغرناطة قبل أن يعود ويستقر في ليبيا.

فنان تشكيلي من ليبيا

عدنان بشير معيتيق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية