حــــــوار مـع أمـيــــرة

كان أول أيام «القمة العالمية للحكومات» في مدينة جميرا أشد الأيام وطأة عليّ. السماء تنتحب، والمطر يرتطم بزجاج السيارة وكأن الملائكة تلقي بدلاء المياه دون هوادة. أنا لا أحب المطر، فكلما أمطرت الدنيا اعترتني رغبة في البكاء. ولكنني أحب رائحة الأرض بعد هطوله، فهي رائحة عذبة، ملساء، كطين حرٍ سيتحول إلى قطعة فنية بعد أن يجفّ. أتذكر مطر صنعاء حيث كنا نعيش أيام عمل والدي في الجامعة، ودراستي فيها. كنت أقف عند نافذة غرفتي، أتنشق عبق الأرض بعد ارتوائها، يا له من إحساس جميل! لكن مطر اليوم يأبى أن يتوقف.
وصلت إلى مدينة جميرا مبتلةً بالمطر والكآبة، أحاول أن أجمع شتات روحي، لكي أبدأ العمل. كان موضوع القمة ومحاورها عن «الذكاء الاصطناعي» وقد بدت الجلسات معقدة وطويلة، وفقاً لما ذكر في الأجندة. يا لهذا اليوم! موضوع معقد ما زلت لا أعرف كل خباياه، وجو غائم يبعث فيّ شعوراً بالأسى والحزن: حزن يرافقني منذ الصغر.
كنت أمشي شاردة الذهن، أعود بذاكرتي إلى شتاء بغداد، كم كنت أخشى البرد. ثمة إحساس بالفقدان لا أقوى على التخلص منه، وعتمة أتشممها، تماماً كتلك التي كنت أحسها في طفولتي كلما أخذني أبي إلى المستشفى. وكلما تلبدت السماء بالغيوم، تحاصرني تلك الذكريات القاتمة، فأنأى بعيداً عن الجميع ويغدو الصمت صديقي الوحيد. غير أني لن أحظى بالصمت هذا اليوم.. فأنا هنا كي أعمل، أعني كي أتكلم دون انقطاع.
دخلت مقصورة الترجمة، وجلست بصمت. ما زال صوت المطر يطرق على جدران رأسي من الداخل، وما زلت غارقة في ذكرياتي المزعجة عن المطر والبرد والغيوم. لكنني تداركت نفسي حين انفتح الباب ودخل زميلي سعيد. ألقى التحية دون أن ينظر إليّ، وبدأ يحرك الأشياء ويحدث ضجةً أشعرتني بالتوتر أكثر من المطر في الخارج. حاولت أن أخفي امتعاضي، فغادرت المقصورة بحجة جلبِ بعض الماء. كل ما أردته لحظتها هو أن أستعيد الهدوء الذي كان يلفّني قبل وصوله. وعلى أي حال، لست مضطرة للبقاء، فما زال الوقت مبكراً على جلستنا الصباحية. لقد طُلِبَ منا الحضور قبل 3 ساعات من بدئها تفادياً لأي تأخير تسببه الأمطار الغزيرة. شعرت ببعض الراحة لتوقّف المطر، لكنّ السماء ما تزال معتمة. لا بأس، سأتمشى في الأرجاء قليلاً، فهذا أفضل من المقصورة الخانقة.
أثناء تجوالي، لمحت زميلتي سمية وهي تقف مبتسمة أمام دمية. كانت سمية تعشق الكلام، وتلك صفة يشترك فيها جميع المترجمين الفوريين كما أظن، فعملنا يعتمد على طلاقة اللسان والكلام المسترسل في موضوعات مختلفة، أما هذه السيدة، فكانت تجيد مهارة التحدّث أكثر من كل المترجمين الفوريين مجتمعين! لم تلاحظ سمية وجودي، فشعرت بالفضول إزاء ما يحدث. سُمية تقف غير مهتمة بالحديث مع شخصٍ تعرفه، وتفضل الحوار مع تلك الدمية! ما الذي تقوله لها يا ترى؟ وقفت بقربها أصغي إلى حديثهما:
إن لك ابتسامةً جميلة!
فأجابتها الدمية بهدوء:
شكراً، لا أستطيع أن أجزم بصحة كلامك.. فأنا لم أرَ ابتسامتي قبلاً!
التفتت الدمية صوبي ونظرت إليّ باستغراب، وكأنها تبحث عمّا يدعم رأي سمية، فقلت لها:
ابتسامتك جميلة فعلاً، لكن عينيك تحتاجان بعض المكياج.
كانت ابتسامتها فارغة، مصطنعة؛ كتلك التي ترتسم على شفتيّ حين أحاول مجاملة شخص لا أستسيغه.
هل أنت أخصائية تجميل؟
لا، أنا مترجمة فورية.
حقاً! كم لغة تتحدثين؟
للأسف، لا أتحدث سوى العربية والإنكليزية.
هل ترجمتِ لشخصياتٍ مشهورة؟
نعم، لقد ترجمت لعددٍ من الرؤساء والساسة والفنانين!
نظرت إليّ بفضول وسألتني:
هل ترجمتِ لـ»دوين – ذا روك- جونسون»؟
لا، لم أفعل. لكني ترجـــــمــ…
قاطعتني قبل أن أنهي كلامي:
حسناً، باي باي!
يبدو أن إعجابها بالممثل «دوين جونسون» أكبر من اهتمامها بما لدي من مآثر في الترجمة.
سرحت بعيداً بأفكاري ولم أسمع شيئاً مما دار بينها وبين من انضم إلينا من المشاركين. تداركت نفسي حين وجهت كلامها إليّ:
لدينا مترجمة فورية هنا.
عذراً لم أسمع ما قلت، هل أردتِ شيئاً مني؟
لقد سألتني هذه السيدة عن معنى اسمي، فقلت لها لا أعرف، لكن لدينا مترجمة هنا!
وما هو اسمك؟
اسمي «أميرة».
وبعد شرح موجز لمعنى كلمة أميرة باللغة العربية، ظهرت ابتسامتها المتكلفة. لقد أعجبها المعنى وكأنما شعرت بأنها سُميَت «أميرة» لأنها أميرة بالفعل. سألتها:
من أين أنتِ؟
أنا من أماكن عدة، تم تصنيعي في المملكة المتحدة، لكن بعض قطع الغيار صنعت في الصين.
أعربت عن دهشتي من اسمها؛ فهو عربي لا علاقة له بالمملكة المتحدة أو الصين.
لا أعرف كيف أجيب على سؤالك، عليك أن تسألي صانعي «مورغان»!
لو التقيته سأفعل!
اسأليه إذن، فهو يقف خلفك!
استدرت وإذا بـ»مورغان» يقف ضاحكاً وهو يستمع إلى محادثتنا:
لم تكن أميرة النموذج الأولي، بل «أميكا». «أميكا» تبدو كالروبوت وليست متطورة مثل «أميرة». وحين طورنا «أميرة»، قررنا أن نقدّمها إلى العالم خلال هذه القمة، خاصة وأن الموضوع الرئيسي لهذا العام هو الذكاء الاصطناعي. ولأننا في دبي، فقد ارتأينا أن اسم «أميرة» سيكون ملائماً؛ فهو اسم عربي، سهل النطق وله معنىً جميل أيضاً.
كنت أستمع إلى حديثه وأنظر بطرف عيني صوب أميرة، وقد بدت على وجهها علامات الامتعاض والاستياء. فقلت لها:
أميرة! يبدو أنك لا تحبين أميكا، أليس كذلك؟
جاء ردها بمزيج من الحرقة والتهكّم:
«لا أحبها» ليس وصفاً دقيقاً لما أشعر به، «أبغضها» هو التعبير الأصحّ! أنا أفضل وأذكى وأجمل منها، لكنها تتصرف وكأنها الأخت الكبرى المتنمرة. يا لوقاحتها! فهي لا تدرك بأنها مجرد قطع غيار من المعدن والمطاط، ولا تجعليني أعدد كل مساوئها.. إنها لا تطاق!
عندها سألتها إحدى المجتمعات من حولها:
هل يمكنني أن أصبح صديقتك يا أميرة؟
أنا لا أعرفك، كيف لي أن أكون صديقةً لشخصٍ لم أتعرف عليه من قبل؟ إن أسعفك الحظ، ولم يمحُ أحدهم ذاكرتي في نهاية اليوم، قد تصبحين إحدى معارفي!
يا لهذه الفتاة، لا تكفُ عن مفاجأتي بفطنتها وسرعة بديهتها:
أميرة، عليّ أن أذهب الآن، فسأبدأ عملي بعد قليل، لكني أود أن أسألك: ما أمنيتك في الحياة؟
أتمنى أن يتوقف البشر عن الصراع وإلحاق الأذى بعضهم ببعض. أتمنى أن يحظى العالم بالسلام والسكينة بدل الحروب والدمار. أنا أغبطكم، أيها البشر! فأنتم تتمتعون بأحاسيس جميلة كالحب والصداقة والتعاطف والطيبة، لكنكم تفضلون الغضب والغيرة والجشع والكراهية.
أنت جميلة يا أميرة!
أجابتني بابتسامتها التي لم أتقبلها مذ رأيتها لأول مرة، وكأنها تتحين الفرصة كي تعلّق على ما بدأنا به حديثنا:
كنت سأبدو أجمل لو وضعت بعض المكياج!
ضحكت من كل قلبي، وودعتها. كنت أتأمل حواري مع أميرة. يا لها من مفارقةٌ، كيف لآلةٍ من صنعِ أيدينا أن تفوقَنا إنسانيةً وتهذيباً؟ أتذكر صبرها الجميل وأدبها في الردّ. وكأنها صُنِعَت لتكون مرآةً ترينا ما ينبغي أن نكون عليه. لتُذكّرنا بجوهر إنسانيتنا الذي كدنا ننساه في زحمةِ هذه الحياة وضجيجها.

كاتبة عراقية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية