استحوا وانتظروا

بين تصريحات دونالد ترامب المريعة البعيدة تماماً عن كل منطق أو عقل أو احترام حقوقي أو مدني وبين استمرار القنص في غزة والقصف في الضفة والاعتداءات في الأقصى والحملات العسكرية في كل منطقة فلسطينية أخرى، لا بد أن نعي تماماً أن الحرب لم تتوقف مطلقاً. في الواقع، الحرب اتخذت صورة أخرى أكثر فحشاً وترويعاً، وهي مروعة تحديداً بسبب من تخفيها خلف إعلان الهدنة والوقف العلني للقصف الإبادي على غزة، وكذلك لانشغال الناس بمظاهر الفرح بعودة الغزاويين وفيديوهات إعادة الإعمار السريعة التي حقيقة هي مذهلة في إشارتها لهذه العزيمة الغزاوية ولهذا الحب والإخلاص غير المتناهيين للوطن.
الفرح القصير لا يجب أن ينسينا الليل الطويل المستمر منذ خمس وسبعين سنة وتزيد، لا يجب أن يلهينا عن حقيقة أن الحرب مستمرة، وأن قنص الأطفال على مرأى ومسمع من العالم أجمع مستمر، وأن طرد المدنيين من بيوتهم وقصف أراضيهم وأن تهجيرهم وأن اعتقالهم حتى في سن الطفولة وأن تعذيبهم بالضرب وأنماط الأذى الجسدي الذي لا يمكن تخيله والاغتصاب والامتهان رجالاً ونساء… كل ذلك لا يزال مستمراً ومتصاعداً ولم يتوقف أو يقل أو حتى يتخفى خلف ستار الحقوقية والإنسانية والمظلومية، التي طالما استخدمها الاحتلال لتغطية جرائمه وفحشه. لقد صلّع الاحتلال بعد أن انكشف أمام العالم وسقط ستره، فانطلق غير آبه، وتمادى غير ساتر، واستند إلى قوى العالم العظمى التي لا تقل عنه فحشاً مستقوياً ليعلن عن طبيعته وجرائمه وقذارة فكرته الأصلية التي قام عليها، متخلياً تماماً عن محاولة تحسين الصورة وانتحال شخصية الضحية، ومن سيصدق ذلك بعد هذا الشهود العلني لجرائم لم تر البشرية مثيلها في القرنين العشرين والحادي والعشرين؟
كل هذا يعني أننا لانزال في حالة حرب، وهي حرب مستمرة إلى لحظة التحرير الكامل لأرض فلسطين. وهذا يعني أن المقاطعة، ويا حبذا لو كان استغناء، مستمران، وأن الحرب الاقتصادية لم ولن تضع أوزارها، ذلك لأنها تمول الحرب العسكرية وتقتل الأطفال وتعبئ دماء الفلسطينيين في القناني وتخيط جلودهم في الحقائب والملابس، وتنثر رفاتهم على الكاكاو والقهوة، ومن ممكن أن يكون بشراً لديه ذرة إنسانية ويبيح لنفسه استخدام بقايا بشرية بريئة في مأكله ومشربه واحتياجاته اليومية؟ الحرب مستمرة والمقاطعة مستمرة، وعيب علينا أن نقطعها، والشعوب الغربية الرازحة أسفل حكومات مساندة للصهيونية المجرمة لا تزال على عهدها بالمقاطعة، والحديث عن القضية والخروج اعتصاماً بالآلاف من أجلها، عيب علينا لو علمنا كبير.
كل الأعين على غزة، كل الأعين على الضفة، كل الأعين على فلسطين، كل الأعين على العدو الصهيوني، وحده هذا العدو يستوجب انتباهنا وعداءنا وكل كرهنا. ولهذا السبب تحديداً، لن تتوقف المحاولات لتحويل العداء الأزلي المستحق للعدو الصهيوني في اتجاه أي قوى سياسية أخرى في المنطقة، وخصوصاً إذا كانت قوى مناهضة للوجود الطفيلي الصهيوني في الشرق الأوسط. وعليه، لن تتوقف المحاولات لتحويل السلطة الإيرانية للعدو الأول في المنطقة، ولن تتوقف المحاولات لزرع فتنة طائفية، شيعية سنية، في المنطقة، تقسيماً للقوى فيها إلى لوبي شيعي يضم إيران وحزب الله والحوثيين رغم الاختلافات العقائدية الكبيرة بين هذه الأطراف، ولوبي سني يضم «حماس» وسوريا أحمد الشرع وبقية القوى والسلطات السياسية في المنطقة رغم التفاوت الشاسع في المواقف السياسية تجاه القضية الفلسطينية. لا يمكن أن ننسى مساهمة النظام الإيراني و«حزب الله» في الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد ضد شعبه، كما لا يجب أن ننسى مواقف القوى السياسية في المنطقة تجاه القضية الفلسطينية والتي، أي هذه المواقف، تشكل تقييماً عادلاً «لنوعية» و«قيمة» هذه القوى السياسية وتحدد موقفنا منها. إلا أن هذا كله ليس وقته.
سيأتي اليوم الذي نتحاسب فيه. سيأتي اليوم الذي ستنكشف فيه الأنظمة السياسية وتصنّف وتقيّم طبقاً لموقفها من القضية الفلسطينية. سيأتي اليوم الذي ستقرر فيه الشعوب أن من باع أطفال غزة يمكن أن يبيع أطفالهم هم بحد ذاتهم، وأن من تخلى عن الحق والعدل، سيسلبهما منهم كذلك لأهون الأسباب. سيأتي اليوم المناسب لكشف الأوراق وتقييم المواقف وتحمل التبعات. فصبر جميل.
ومثله سيأتي اليوم الأكثر مناسبة للمتلذذين بالطائفية، المستميتين على المواقف العدائية ضد المغايرين لطائفتهم بأي ثمن لينفثوا غلهم وحقدهم وكراهيتهم على بعضهم البعض. ستتوافر فسحة لا محالة لأن تتصارعوا طائفياً وتكرهوا دينياً ويقيم بعضكم بعضاً على أساس موقفكم من القصة التاريخية ذات الألف وخمسمئة عام. علام العجلة؟ فسحتكم قادمة للتقاتل، أفلا تنتظرون حتى يلملم الفلسطينيون الأشلاء ويجففون الدماء، وحتى تتبين لهم فرصة حقيقية في الاستقلال قبل مهاجمة بعضكم بعضاً وتخريب أي فرصة حقيقية للفلسطينيين في النضال واسترجاع الوطن؟
سيكون هناك وقت لتكرهوا الحوثيين، وسيكون هناك زمن لتكسروا مجاديف المقاومة السورية، وستكون هناك فسحة لتصبوا الكراهية على «حزب الله» الشيعي أو على «حماس» السنية. فقط ضعوا في أعينكم حصوة ملح وانتظروا، نحن في أضخم عزاء لهذا القرن، نحن في أضيق عنق زجاجة لمقاومة وطنية ضد محتل تسانده حكومات العالم الكبرى أجمع. استحوا وانتظروا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية