تجددَّ الاحتفال قبل أسابيع بحلول العام الجديد بصورٍ مذهلة على شاشاتنا لألعاب نارية تضيء السماء وأهازيج وأفراح تملأ الأجواء من أستراليا إلى الجزر البريطانية. وتجدد معه في عالمنا العربي والإسلامي الجدل حول جدوى هذه الاحتفالات وشرعيتها، تغذّيه أطراف محافظة وتيارات متطرفة، لا تحتمل من يخالف أفكارها ومعتقداتها. وقد فوجئت شخصيا حينما بعثت برسائل تهنئة بمناسبة حلول العام الجديد 2025 إلى أقرباء ورفقاء في الشرق، فبلغتني من بعضهم ردود غير ودية منددة بهذه التهاني. كتب أحدهم «هذه الاحتفالات لا تجوز» وقال آخر «هذه تقاليد غربية لا تليق بمجتمعاتنا العربية» وتساءل آخر متعجبا: وهل يهتم الغرب بتقاليدنا الثقافية وشعائرنا الدينية حتى نبادلهم الاهتمام؟!
فهل تعزيز الاهتمام المتبادل والتعاطف المشترك بين الشعوب الحلّ الأمثل لتجاوز مثل هذه التحديات الثقافية؟ وهل الأفضل الاعتماد على تقويم عالمي موحد يجمع شملنا، أم تقاويم ثقافية متعددة تعكس تنوعنا الثقافي؟
جسر للتفاهم والتعاطف بين الشعوب
في عالمنا متعدد الأديان والثقافات، تستخدم المجتمعات تقاويم مختلفة للاحتفال بالأعياد. ففي العام الماضي، على سبيل المثال، احتفل المسلمون بعيد الفطر في 10 أبريل/نيسان وعيد الأضحى في 16 يونيو/حزيران، واحتفلت المجتمعات اليهودية بعيد الفصح اليهودي من 22 أبريل/نيسان إلى 30 أبريل/نيسان، وأحيت يوم الغفران في 24 سبتمبر/أيلول، بينما احتفل الهندوس بعيد ديوالي يوم 12 نوفمبر/تشرين الثاني. واليوم وقد صدق تنبؤ العالِم والفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان وتحوّل العالم إلى قرية صغيرة وتقاربت المسافات بين الناس في بقاع الدنيا بوسائل الاتصال الرقمي الحديثة، لم يعد ثمة خيار من الانفتاح على الشعوب الأخرى، وتقبل ثقافاتها، واحترام أعيادها. يساهم ذلك في تعميق فهمنا للتقاليد المتنوعة وتعزيز مشاعر التعاطف والرحمة، وتقوية العلاقات، وإرساء أسس التعاون المثمر بين المجتمعات. فالإنسانية الحقيقية تكمن في قدرتنا على الانفتاح على الشعوب الأخرى من حولنا: نشاهد العالم بعيونها، نصغي بآذانها، ونشعر بقلوبها. والسؤال عندئذ: كيف تتجسد هذه الإنسانية في الواقع، ومجتمعاتنا تحرّم تهنئة بشر من حولنا بأعياد عالمية لا تضرنا؟
وفي الوقت الذي يعارض فيه الشرق ـ ومعه أفراد من جالياتنا – الاحتفالات الميلادية لأن لها أصولا غربية، ها هي بريطانيا تبرز كأفضل نموذج للحرية والتساهل والتعايش والإنسانية في عالمنا. فقد سمحت هذه البلاد الغربية ببناء ما يناهز 1500 مسجد، و312 معبدا هندوسيا، وأكثر من 400 كنيس يهودي. علاوة على ذلك، تدعم بريطانيا فعاليات مثل «عيد الفطر في الحدائق العامة» حيث تسمح لعشرات الآلاف من المسلمين باستخدام حدائق عامة لأداء صلاة العيد وهي أصلا أماكن راحة واستجمام، لا أماكن عبادة. وفضلا عن ذلك، تخصص السلطات البريطانية فرقا من الشرطة لضمان أمن المصلين وممتلكاتهم.
فهم طبيعة القضية وحجمها
ولكن مع كل الإيجابيات، فإن للتقاويم الثقافية عيوبا لا يمكننا تجاهلها. إن استخدام التقاويم المتنوعة عبر الثقافات يفرض تحديات كبيرة في عالمنا المترابط، على وجه الخصوص في البيئات متعددة الثقافات، مثل المجتمع البريطاني. وقد واجهت هذه الصعوبات شخصيا، وأنا أمارس عملي مترجما لدى وكالة الهجرة البريطانية عند تعاملها مع موجة اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين المتدفقة على شواطئها. فغالبا ما يُقدِّم المهاجرون تواريخ معقدة من التقاويم الثقافية المستخدمة في مجتمعاتهم. تخيل موظفي هجرة يسألون مهاجرين عن تاريخ وصولهم إلى بريطانيا، فيرددون تواريخ مثل «17 جمادى الأولى 1446» (إسلامي)، و»20 تفيت 5785» (يهودي)، و»21 يناير 2975» (أمازيغي)، و»23 تحساس 2016» (إثيوبي) ـ مع أن كل هذه التواريخ تشير إلى يوم واحد وصلوا فيه معا على متن قارب وهو 1 يناير/كانون الثّاني 2025! اللافت للانتباه في هذه التواريخ امتدادها عبر حقبة طويلة، من العصور الوسطى إلى المستقبل البعيد!
تتكرر مثل هذه التحديات يوميا في المملكة المتحدة، التي تعدّ الواجهة المفضلة لطالبي اللجوء وإحدى أفضل الواجهات السياحية في العالم – ففي العام المنصرم 2024، تعدى عدد الوافدين إلى المملكة المتحدة سقف 130.9. وإني أذكر الصعوبة التي واجهتها شخصيا قبل أسابيع وأنا أترجم لمهاجر من عرب الأهواز في إيران. فعندما سأله موظف الهجرة عن تاريخ خروجه من إيران قال، «2 شهریور 1403». فقد بدا تحويل تاريخ التقويم الفارسي إلى التقويم الميلادي أمرا عسيرا يقتضي بحثا وجهدا ووقتا، ونحن في الواقع في غنى عن ذلك كله إن اعتمدنا جميعا تقويما عالميا موحدا.
تحديات التقويم الهجري الإسلامي
ولا يفرض استخدام تقاويم دينية وثقافية متعددة تحديات بين ثقافات العالم فحسب، بل أيضا ضمن الثقافة والعقيدة الواحدة. وينطبق ذلك بشكل خاص على الإسلام، حيث غالبا ما يخلق التقويم الهجري القمري صعوبات عند ممارسة الشعائر الدينية. وخير مثال على ذلك الجدل الذي يتكرر سنويا حول بداية شهر رمضان الكريم ونهايته وموعد الاحتفال بعيد الفطر. وقد وصفت مجلة «نيولاينز» هذه الظاهرة بـ»رمضان وحروب هلال العيد»، وهي صدامات متكررة في العالمين العربي والإسلامي، نتيجة الاختلافات في مشاهدات الهلال من منطقة إلى أخرى، والأساليب الفلكية المستخدمة.
تؤدي هذه التناقضات في كثير من الأحيان إلى اختلافات في تواريخ هذه المناسبات المهمة، مما يسبب الارتباك والانقسام داخل المجتمع الإسلامي، بل داخل المجتمع الواحد ضمن العالم الإسلامي. يؤدي افتقار العالم الإسلامي إلى تقويم إسلامي موحد إلى انهيار الوحدة الروحية وتفكك الروابط بين المجتمعات الإسلامية، فضلا عن تعطيل المخططات الشخصية والمهنية، حيث يؤثر تحديد هذه المناسبات في اللحظة الأخيرة وغياب العمال عن العمل للمشاركة فيها، دون تقديم إشعارات كافية، تأثيرا سلبيا في إنتاجية أماكن العمل. وهو ما يدعونا إلى اقتراح استخدام الوسائل التكنولوجية لتحديد هذه المناسبات أشهرا، بل سنوات قبل حلولها وفرضها على كل المجتمعات الإسلامية.
الفروق الزمنية في الأعياد المسيحية
ولا يقتصر اختلاف التقويمات الدينية على الإسلام فحسب، بل يتعداه إلى المسيحية، حيث يبرز تحدٍ كبير في تحديد موعد عيد الفصح بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية. يعود هذا الاختلاف إلى اعتماد الكاثوليك على التقويم الغريغوري، بينما يتبع الأرثوذكس التقويم اليولياني، مما يؤدي إلى فروق تتراوح بين يوم واحد مشترك وفجوة تصل إلى خمسة أسابيع. على سبيل المثال، في عام 2024، احتفل الكاثوليك بعيد الفصح في 31 مارس/آذار، بينما احتفل الأرثوذكس به في 5 مايو/أيّار.
ينبع هذا الاختلاف من قرارات مجمع نيقية الأول عام 325 م، حيث تم الاتفاق على الاحتفال بعيد الفصح بعد أول بدر مكتمل يلي الاعتدال الربيعي (21 مارس)، وعدم تزامن عيد الفصح المسيحي مع عيد الفصح اليهودي، مما زاد قواعد تحديد توقيت عيد الفصح صعوبةً وتعقيدا، حيث صار يُشترط على المسيحيين الأرثوذكس الاحتفال به بعد عيد الفصح اليهودي. تؤدي هذه القواعد في بعض الأحيان إلى تأخير عيد الفصح المسيحي. فضلا عن ذلك كله، تساهم هذه التباينات في زيادة حدة التوترات الطائفية بين المسيحيين، وهو ما دفع بعض قادة الكنائس إلى الدعوة إلى تحديد تاريخ مشترك لعيد الفصح، تعزيزا للتفاهم والانسجام والوحدة في الديانة المسيحية.
التحديات التاريخية للتقويم اليهودي
ويُعاني التقويم اليهودي أيضا من تحديات كبيرة في ما يخص التوافق مع الدورات الشمسية، ما يؤدي إلى تناقضات ملحوظة في التوقيت. فكما ذكرت صحيفة «جيروزالم بوست»، فإن «بركة الشمس المقبلة ستقع في أبريل 2009، أي قبل الموعد المحدد بتسعة عشر يوما». تعود هذه المشكلة إلى الاعتماد على ممارسات قديمة، حيث كانت الحسابات الأصلية، سواء من قبل «هيلل الثاني» أو غيره، تستند إلى التقويم اليولياني، وهو تقويم يفتقر إلى الدقة مقارنة بالسنة الشمسية.
ويشير الكاتب ستيفن غابرييل روزنبرغ إلى أنه «عندما أصبح من غير الممكن تأكيد التقويم بناءً على رؤية القمر، تم اعتماد تقويم ثابت. غير أن هذا النظام لم يتمكن من معالجة التناقضات المستمرة، ما أثار مخاوف من أن عيد الفصح قد لا يقع بعد الآن في تكوفا نيسان. فمع اقتراب بركة الشمس المذكورة في أبريل 2009، تبرز الحاجة الملحة إلى إصلاح هذه الإشكالية، مما يثير التساؤل: «هل من المنطقي ترك هذه المشكلة قائمة دون معالجة؟».
وفي مقال بعنوان «هل التقويم اليهودي خاطئ؟»، يوضح توماس لانكستر أن «في زمن الكتاب المقدس، كان الإسرائيليون يحددون التقويم بناءً على رؤية الهلال في بداية الشهر. هذه الطريقة كانت تعتمد على الملاحظات الذاتية وظروف الطقس، وهو ما أدى إلى تباين الآراء حول توقيت بدء الشهر الجديد». يُظهر هذا التعقيد التحديات المستمرة في الحفاظ على ممارسات موحدة داخل المجتمع اليهودي في ظل استمرار عدم توافق التقويم مع الدورات الطبيعية.
التقويم العالمي أداة للتكامل الثقافي
في عالمنا المتنوع عرقيا وثقافيا ودينيا، تظل الحاجة إلى تقبل الثقافات المختلفة والتعاطف مع أعياد المجتمعات الأخرى من العوامل الرئيسية التي تساهم في تعزيز الثقة والتعاون بين الأفراد والمجتمعات. ومع ذلك، فإن هذا التنوع، رغم قيمته الكبيرة، قد يخلق صعوبات وإرباكا في التواصل والتنسيق، مما يزيد التفاعلات اليومية صعوبة وتعقيدا. وهذا ما يجعل من الضروري التفكير في خيارات وحلول أخرى فعالة ومفيدة. من هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى اعتماد تقويم عالمي موحد يُكمل التقاليد الثقافية دون إلغائها، ويُسهم في تبسيط التعاملات اليومية وتعزيز الانسجام بين الأفراد والمجتمعات. فوجود إطار زمني مشترك لا يعني المساس بالتنوع الثقافي، وإنما يرمي إلى تسهيل التخطيط والتواصل، وزيادة الإنتاجية، وتجسيد التفاهم المتبادل في عالم مترابط. وهكذا، التقويم العالمي الموحد ليس بديلاً عن الهويات الثقافية والدينية، بل هو أداة لتعزيز الوحدة والتكامل. من خلال توفير أرضية مشتركة لتنظيم الوقت، يمكننا مد جسور التواصل والتفاهم والتوافق بين الثقافات، وتخفيف الإرباك، وتحقيق التوازن بين الاحتفاء بتنوعنا الثقافي والعمل نحو مستقبل أكثر تقاربا وانسجاما وتعاونا.
كاتب جزائري