أولئك الذين يرحلون هم دائما محقون
في نهاية المطاف عليه أن يواصل طريقه وحيدا.
إلى الأصدقاء الذين اختفوا.. إلى ذاكرة ريتشارد.
الفصل الأول
عرفت أحدهم على أعتاب باب «كلينا كور». كان يشرب كثيرا رغم أنه لم يملك ما يكفي من المال لشراء الكحول. لقد صار رفيقا لي بمرور الزمن، كنت أراه يهدي نصف مشروبه لمن يرغب في ذلك. أحيانا كثيرة كان يلقي خطابا حول مواضيع شتى كالفيزياء والثقوب السوداء ونظرية النسبية والرمل وريح البحار. كما كان يختتم حديثه بارتياح يشوبه يأس. أنا الآن في حالة يرثى لها. إذ أنني لم أنس البتة المهندس، ذلك أن الناس يقولون إنه أحد العباقرة الفرنسيين الشباب. فضلا عن كونه قد تكوّن في خيرة المدارس الكبرى. لكن حياته انقلبت بين ليلة وضحاها رأساً على عقب.
كان يدعى «جوليان» لكن بعد كل ما حدث له صار الناس ينفضّون من حوله ويتفادون الجلوس على مقربة منه في هذا المقهى. لأنه يصبح عنيفا كلما كان مخمورا بسبب عدم استيعابه لتفاهتهم وغبائهم. ما من شيء يستطيع جوليان فعله في هذه الحانة. في بعض الأمسيات تتحول نوبات جنونه إلى مصدر تسليتنا وتندرنا. مكثت هناك بعض الوقت غير أنّي لم أحبّذ البقاء في باب «كلينا كور» نظرا لتفضيلي ارتياد أبواب «باريس» فتلك كانت معضلته الكبرى، إذ كثيرا ما يطلب شهادتنا في الحانة مستفسرا على ما أصابه «لكن ما الذي أفعله هنا؟ يقول «جوليان». كانت تمر أوقات كثيرة يبدو فيها شارد الفكر، وهو يتساءل رافعا عينيه كمن خرج لتوه من حصة تنويم مغناطيسي. «من أتى بي إلى هذا المرفأ؟ يسترسل «جوليان». أما بقية الزبائن في الحانة فهم من المهاجرين الجدد، ومتساكني الحي وزائري أسواق السلع المستعملة العتيقة الذين يعودون مشيا على طول الخط الرابع. تراهم يبتسمون له بلطف ثم يشيحون عنه بوجوههم دون تقديم أي إجابة.
أنا طبعا أذكره مليا، لاسيّما طريقته الخاصة في تأمل هذه المأساة. وما أكثر المآسي في هذا المكان. فموجتي التي طالما حلمت أن تكون قوية وممتلئة يوما ما، ظلت أبدا غارقة في هذه الكتلة.
كانت الحانة تطل على محطة «سمبلون» عند الخروج إلى الرصيف الأيمن من البوليفارد. جاء هذا المهندس من المباني السرية والضواحي المشبوهة. أثناء دراسته في المعهد، كان يحصي بمعية رفاقه الصغار معادلات موسعة كمسكّن فوار مخلوط بالنبيذ. أخذ يردّد غير واع بما يدور مِن حوله، أنهم قد غيّروا الصناعة النووية في فرنسا. ذات يوم أخبرنا بأن الحانة ستتصدّع جدرانها والانفجار آت لا محالة. هذا ما كان يردّده على مسامع الأصدقاء. ففي ذلك الوقت كان لديه أصدقاء كثر في كل أصقاع العالم .أثناء كلامه كان الوقت يمضي عبر محادثات جانبية، أو في صمت مطبق داخل الحانة.
يرتاد هذه الحانة عدد لا بأس به من المصريين الذين تقوّست ظهورهم بسبب قسوة العمل فصاروا يشبهون الحُدْب. رغم ذلك كانوا يبحثون عن وسيلة أخرى يجمعون من خلالها قليلا من النقود في عطلة نهاية الأسبوع. في هذا المقهى الصغير كانوا يتحدثون عن أعمالهم وبلدانهم وعن حوالات ينوون إرسالها، خصوصا عن أولئك الذين رحلوا فهم أيضا يرغبون في العودة إلى الديار. اقترب أحدهم منّي وصافحني. كان في غاية اللطف في تعامله معي وكان يجلس عادة إلى إحدى الطاولات خلف الواجهة البلورية الصغيرة. حينما يكون الطقس جميلا تُضاف طاولتان أخريان على الرصيف الذي يفتح مباشرة على البوليفارد. أمست المظلة الخضراء رثّة بفعل الشمس والمطر. آنذاك حاولت مرارا أن أكتب قصيدة طويلة، أو أغنية، أو ترنيمة لكل الأشخاص الجمهوريين البائسين في هذا الشارع، لكن كيف السبيل إلى ذلك؟
أحمد سّيد أحمد يكبرني بخمس عشرة سنة. كانت عيناه زرقاوين تميلان إلى الخضرة، فيهما ذكرى المياه الصافية حيث يغطس الناس في شرم الشيخ. غالبا ما يكون هنا في نهاية الأسبوع، إن لم يجد عملا إضافيا في الخفاء. كان يجلس وأمامه كأس البيرة. عيناه تحدقان في الرخام الذي يكسو المشرب، أما عقله فيشرد بعيدا. يعبر أحيانا الأماكن المؤلمة قبل أن يصل إلى المنطقة الآمنة، حيث ينتظر البيرة الخاصة به والحساب. تشرف على هذا المقهى عائلة في غاية اللطف والطيبة غير أن أفرادها يشعرون بغضب عارم فيتسلحون بقضبان حديدية ليلا في مواجهة مدمني الهيروين، الذين يأتون لحقن أنفسهم في الحمامات وسرقة الأموال التي يجدونها هناك. انتشرت الأقاويل من شارع «أوردن» حتى «ماكس وموري» التي تحذّر من التصادم مع مرتادي مقهى محطة «سمبلون».
حينما يبدأ المهندس هذيانه المعتاد يدعوني أحمد سيد أحمد دائما إلى طاولته ذلك أنه يشعر بالفخر حين يدفع ثمن مشروبي متعلّلا بأنني أصغر منه سنا. كنت آمل دائما أن يستضيفني في غرفته في المبيت المخصص للعمال الذي يقع في نهاية البوليفارد، وتحديدا عند المدخل السفلي للطريق الدائري على مقربة من سوق السلع المستعملة. رحنا نتجاذب أطراف الحديث فقد صرت أعطيه دروسا في اللغة الفرنسية، لأنه غادر مقاعد الدراسة في عمر الحادية عشرة. لقد تعلم أشياء عديدة وهو يراقب الناس عن كثب. كان يتحدث عن الإنجاز الأكثر توثيقا في حياته الذي يتباهى به دائما فهو قد تعلم السياقة في المحطة المركزية للتاكسي، أثناء تتبع حركات السائقين. وفقا لكلام هذا المصري فإن عشاق محطة «سانت لازار» في «مانهاتن» يصابون بالذهول والدهشة عندما يتواجدون في محطة القطار في مصر بلاد الفراعنة والأهرامات وأجمل نساء الدنيا. كان يميل إلى إعادة الأشياء نفسها مرارا وتكرارا. أثناء تجوله وهو طفل بين الممرات في مخرج محطة القاهرة بين القطارات والحافلات ووسائل النقل الأخرى المشروعة وغير المشروعة، في هذه المدينة الكبرى تمكّن من تعلّم السياقة وأتقنها. لقد قاد سيارته الأولى بسلاسة رغم أن بابها كان مغلقا بسلك صغير. لقد وعدني المصري أن يعلّمني ذلك ذات مساء قبل أن يعود إلى منزله.
لكن هيهات فرغم تدريباته الكثيرة لم أنجح أبدا في فتح القفل. إنه يريد الآن الحصول على رخصة سياقة لذلك كان لزاما عليه أن يتعلم اللغة الفرنسية. في نهاية المطاف لم يتمكن أحمد من تحصيل ثروة طائلة، بيد أنه جمع بعض المدخرات ليعود إلى مصر بلد الفراعنة والنساء الجميلات.. من ثمة سيقصد القاهرة لشراء لوحة معدنية حتى يصير سائقا لدى السائحين الأجانب.

دومينيك فابر
في الواقع كنت أعلم أن المهندس لا يوجد دائما في هذه الحانة، ورغم ذلك فإني كنت ألقي في كل مرة أمر قرب تلك الزاوية نظرة خاطفة عساني أراه جالسا كعادته. حين يكون المهندس في أسوأ حالاته تبدو نظرته أكثر وضوحا وتصبح عيناه أكثر إشراقا، إذ يعيش حالة من الانحدار النفسي تجعله لا يأبه بمن حوله. كان يبتعد عن المنضدة الكبيرة بخطى مترنحة فيبدو كمن يتأمل تيارا صغيرا من الماء إلا أنه سريع كَسَيْل جبليّ. كان يضع يده أمام فمه دون أن ينبس بحرف. أحيانا يجرفه فضوله الكبير وحركاته غير المتوازنة إلى السقوط والانبطاح أرضا. أما الزبائن فيواصلون تجاهله ومراقبته بأطراف أعينهم دون أن يتجرّؤوا على إزعاجه متى لم يُحدث أي فوضى.
أخبروني ذات مرة أنه خلال نوبة جنون حقيقية، أراد أن يقتل نفسه فحاول تسلق المشرب للاستيلاء على السكين الكبير التي كان يستخدمها صاحب الحانة وزوجته وابنه الأكبر، الذي كان يعمل في مجال العقارات في الدائرة الثامنة عشرة، في تقطيع شرائح لحم الخنزير ليتم وضعها في الساندويتشات التي يطلبها الزبائن. لكن المهندس السكير هوى على الأرض وكسر وجهه قبل أن ينجح في تجاوز المنضدة المصنوعة من الزنك. تخيلته يمد يده نحو المقبض مثل غريق يطلب النجدة، فبدا منظره مضحكا. كان يستحق بعضا من الاهتمام الجدّي والمتعب من مالك الحانة الذي توسّل خرطوما صغيرا من الزنك ليبرح ضربا كل من يضايق المهندس، أو بائعات الهوى اللاتي جئن لاحتساء كأس من المشروب.
لقد كسر المهندس أثناء وقوعه بعض الكؤوس وتسبب في دقيقة صمت في ظل هذا الصخب العنيف من محادثات مزجت بين الايطالية والفارسية والفرنسية والعربية. ثم ارتمى على الكرسي موشكا أن يكسر وجهه ثانية وهو يميل برأسه يمنة و يسرة. فأصبح كالقرد في ذروة نشوته يبتسم ابتسامة بلهاء. إذّاك سنده سيد أحمد من ذراعه بمعية مصري آخر وانطلق ينشد منزله مستأنسا بإرشادات صاحب الحانة الذي لطالما طلب له سيارة أجرة.
كنت لا ارتاد هذه الحانة الصغيرة القريبة من محطة «سمبلون» كثيرا، غير أني كلما مررت هناك كنت أذهب لشرب قهوة عند الإيطالي من «سمبلون» على الرصيف الأيمن قبالة الباب، قبل أن أنصرف لقضاء شؤوني الصغيرة. عندما وطئت قدمي المكان أبصرت المصري محاطا بثلة من رفاقه. بدا غير مكترث بوجودي، ولكنه أشار لي برأسه إشارة غامضة. كان ينظر إليّ بعينيه الزبرجديتين مثل مَن يبحث عن إجابات لأسئلة كثيرة قد شلّت تفكيره. ينبني عالم بأكمله بيني وبين هؤلاء الناس فيه تذاكر طائرة لم تُؤخذ أبدا مدفوعة شهرا بعد شهر، وتذاكر قطار وحدود سرية وعناوين محفورة على قطعة من الورق كأنها كنوز، لكن من المؤسف أن لا أحد قدّر قيمتها.
ذات يوم جميل لوّح لي المصري برأسه في هذا الشارع الفسيح. فأدركت أنه فعل ذلك لسبب مهم لا محالة. إنه يريد أن أعيد حقيبته للمهندس ذلك الرجل المجنون كما تعلمون. تعجبت من طلبه وهمست في سرّي»لماذا اختارني من دون الآخرين كي أنجز هذه المهمة». لكنه هزّ كتفيه غير مبال باستغرابي الشديد.
يحب أحمد سيد أحمد أعمال الديكور الداخلي، فهذا السبت سيزور إحدى السيدات لتزيين جدران منزلها، كان يختلق قصصا عن علاقات قد جمعته بزبوناته إذ أنه، حسب قوله، يحب الرجال والنساء من أجل المال. لكن كان يفضل حتما أن يقضي وقته في أعمال الديكور والرسم والكهرباء، بدل إقامة علاقات عابرة مع النساء المسنات. ولج أحد الرجال الغرباء الحانة ليلتقي سيد أحمد، أو واحدا من رفاقه الحالمين بالثروة، وربما بالحب في المقام الأول. جعل يتحدث عن تجاوزات متعلقة بدفع الرسوم. استغرقت برهة من الزمن حتى فهمت مغزى كلامه.
بادرني المهندس ساخرا وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة «هل أنت على علم بهذه التجاوزات.. أتشاركهم هذه الأعمال؟». نهره المصري بقسوة «دعه وشأنه! لا تقحمه في هذا الشأن». ثم مدّ لي حقيبة سوداء اللون ذات إبزيم ذهبي مصنوعة من الجلد الفاخر. أمسكتها بين يدي أقلّبها فبدت كتلك التي يملكها محاسب، أو أستاذ تقنية. أما هو فقد حوّل بصره نحو البوليفارد. أخذت الشمس تبتعد شيئا فشيئا لتستقر في كبد السماء كأنها تعبّر عن غضبها لأنها توشك على المغيب.
طلب مني أحمد سيد أحمد التوجه نحو بوابة «كلينا كور» حيث تنتصب سوق السلع المستعملة في «سانت أوان»، ومن ثمة نستقل السيارة ونسلك الطريق السريع. أشار لي المصري بالانتظار قليلا، ليسحب ورقة من جيبه قد خط عليها عنوان المهندس. أيقنت في خضم هذا الأمر أننا في مهب الريح وأن الحياة تستمر غير آبهة بما قد أصابنا. مما لا شك فيه أن حياتي ستكون مغايرة لو لم أمرّ يومها من هنا، أو لو لم يملك المصري ورشة البناء والترميم، وربما من هذا المكان بدأت التجاوزات المالية التي يقوم بها.
لم يكن المهندس موجودا في شقته التي تقع في باب «كلينا كور». لقد انتقل الآن للسكن في الضاحية الغربية. أخطأنا العنوان ذلك أنه لم يخطّه بنفسه. فهو قد اتصل سابقا بالحانة، وطلب التكلم مع المالك لكن بسبب الضجيج الكبير الذي تناهى إلى مسمعه اضطر إلى إملاء العنوان على أحد الموجودين هناك.
صاحبة الحانة تسمى «إزميرالدا». هذا الاسم مستقى من الجنوب المبدع ذاك، جنوب باريس. رافقني سيد أحمد إلى مدخل المترو والامتعاض يعلو محيّاه، ذلك أنه سيتركني أنجز هذه المهمة عوضا عنه. لكن في الآن ذاته يشعر بارتياح فهو لن يضطر لركوب القطار. هناك سيصادف حتما أعوان الشرطة الذين سيطلبون التثبت من أوراق هويته. أوصتني «إزميرالدا» أن أبلغ سلامها إلى المهندس وأن أنصحه بالتريث قبل أن تطأ قدماه من جديد حانة «سمبلون» فهو يحتاج إلى نقاهة طويلة. لم ألحظ من قبل أن «إزميرالدا» قصيرة القامة فقد كانت تقف دائما خلف المنضدة الكبيرة. لون عينيها أسود حالك كالليل. إنهما تلمعان ككل عيون النساء اللواتي يعرفن مليا خبايا عالم الليل وقصص الحب التعيسة، وما يتفوّه به الرجال في هذا المكان في الهزيع الأخير من الليل أثناء دفع الحساب.
كانت المرأة تردّد طوال الوقت أن» إزميرالدا» هو اسمها الحقيقي الذي أطلقه عليها والداها البيولوجيان. كانت يداها صغيرتين. وكثيرا ما تطلي أظافرها بأحمر فاقع كلون الكرز، وأحيانا أخرى تتخيّر طلاء أسود. أما نظرتها فتشعّ شبابا وتفاؤلا وهي تراقب البوليفارد. تبرق عيناها فرحا والابتسامة سرعان ما ترتسم على شفتيها حين تلمح إحدى صديقاتها قادمة نحوها، وهي في الأغلب تاجرة أو مومس بيضاء لا تزال في مأمن من خطر المنافسة الافريقية.
كانت» إزميرالدا» تمسك قطعة نقدية من وقت لآخر وتدندن أغنية غامضة ليس لها وجود إلا في مخيلتها. رأيتها مرتين أو أكثر، فأنا حقا لا أتذكر ذلك، رافعة رأسها نحو الأعلى لتتأمل ابنها بحنوّ وتربت بيدها على ظهر سترته وهي تبتسم كأم مُحبة. حسدتهما فعلا على هذه العواطف الجياشة. لكن ليس لديّ وقت أضيّعه هنا في مراقبة هؤلاء الناس. ينبغي الآن أن أسلّم الحقيبة إلى المهندس..
دومينيك فابر روائي فرنسي ولد سنة 1960. يهتم في أعماله بحياة المهاجرين والمهمشين.
مفتاح النحالي شاعر ومترجم تونسي. / سلوى النحالي مترجمة تونسية.