«دار خولة»… حين يتحوّل العشاء إلى ساحة محاكمة

حجم الخط
0

خولة، التي باتت في الخامسة والخمسين، منقسمة بين كونها مثقفّة وكونها أما لثلاثة أبناء صار أحدهم أبا لطفلين. لم تحقّق نجاحا في كل من شطري انقسامها، ذاك أنها لم تفلح في إرجاع ابنها، وهو الأثير عندها بين الثلاثة، إلى المنزل بعد أن غادره فتى إلى بيت جدّته. وفي ما يتعلّق بكونها امرأة مثقّفة تُستدعى لإجراء حوارات تلفزيونية، فشلت فشلا محقٌّقا. لم تعرف كيف تخاطب مشاهديها، فمرّة كانت تُدخل على مفاهيم الثقافة، التي أجيد توصيفها، لغتَها الأكثر تعقيدا ومزاجية، ومرّة ترمي هؤلاء المشاهدين بما يقرب من أن يكون سبابا مباشرا من قبيل قولها: «الناس بهايم». آخر مقابلة معها كانت قبل سبع سنوات، انتهت بتحوَلها إلى أضحوكة شبه جماهيرية رُفعت لها الصور الهازئة، تعليقا على ما قالته عن بهيمية الناس. وها هي الآن تتلقى اتصالا من مذيعة تدعوها إلى الظهور من جديد.
بلسانها تروي حكايتها المكتفية أحداثها بما يتّصل بالعشاء، الذي سيجمعها بأولادها الثلاثة. بالطبع كان عليها أن ترجع بقرّائها إلى ما قبل تلك المناسبة، إلى زوجها الراحل أستاذ الأدب العربي، وإلى كراهيتها لأمريكا بعد أن كانت تتظاهر تأييدا لجنودها وهم يجولون في ساحات الكويت بعد تحريرهم لها من غزو صدام حسين وجيشه. كما تروي عن اختلافها مع الجيل الحاضر الذي تحوّلت معه الهويّات إلى مواد متحفية. راحت تفكّر بكل ذلك، إضافة إلى أشياء أخرى، فيما هي تجهزّ المآكل المتنوعة تفاصيلها وأسماؤها لتلك السهرة، التي من مقدّمات فشلها المسبق وصول ابنها ناصر قبل الموعد المحدد بخمس دقائق، لكنه بقي فيها منتظرا في الخارج وذلك لكي يحافظ على علاقته المنقطعة بالبيت. أما ابنها الآخر، يوسف، وهو الأب لولدين، فسيبدأ حضوره المتأخّر بإطلاق المجاملات الفارغة، بل الكاذبة، استرضاء لأمه. أما الابن الثالث حمد، المقيم معها، فلم يأت إلا متأخرا عن العشاء، في الحادية عشرة والنصف، جالبا معه سمكة ليضعها في الأكواريوم الفارغ مسترضيا أمّه، لكنه، عندما أفاق في الصباح، وجدها منقلبة بطنها إلى الأعلى، و»ميّتة جدا»، بما يختتم يوم العشاء وما جرى فيه، ويختتم فصول النوفيلا كذلك.
وقائع سهرة العشاء تلك، التي كان من المفترض أن تكون نقاشا عائليا حول مشاركة الأم في المقابلة أو عدمها، تحوّلت إلى كشف كل ما يضمره الحاضرون الثلاثة تجاه بعضهم بعضا. ذلك يتصل خصوصا بالانقسام المذكور أعلاه، حيث يريد ابنها ناصر أن تكون أمّا فقط، فيما هي أم وامرأة، بل وامرأة من نوع خاص ما دامت حاضرة ومشاركة في النقاشات العامة لبلدها. وفي السجال الذي يدور بين الحاضرين الثلاثة يتكشّف عمق الكراهية في الكلام الذي يجرح عميقا كما الطعن بالسكاكين. هكذا يُضاف إلى إدانة خولة كونها لم تكن أما، لكون كلامها في المقابلات جعلها تتلقى الإهانات ذاتها من أبناء بلدها.
***
عندما عدت إلى تصفّح النص الصغير حتى بالمقارنة مع ما يمكن أن يحمله اسم نوفيلا، وجدت أنني أكثرت من إعمال قلم الرصاص تحت السطور والفقرات. أفعل ذلك مع كل قراءة لأسباب بينها ما قلته مرّة عن تلك العادة، وهو أنني بذلك أكون أسجّل أنني مررت من هنا، هكذا كما كان يكتب المسلّحون وتنظيماتهم على الجدران التي أقاموا وسطها أو عبروا بجانبها. لكن أيضا كنت أسطّر ذلك ظانا أنني سأرجع، لا بدّ، إلى تلك الجمل التي استهوتني. لقد وجدت الكتيّب الصغير هذا مملوءا بالتسطيرات، بل إنني، حين عدت إلى قراءة النوفيلا، رابطا إياها بما حولها، وجدت أن كل ما كُتب يستحقّ أن يُحفظ هكذا أو يُرجع إليه. خطر لي أن ذلك راجع إلى خلوّ النص من كل ما هو استطراد زائد عن الحاجة، هكذا بما يبقي نبرة الخيبة متصلة من دون توزع عند ما يمكن أن يتفتّق عنه التذكّر، أو تتفتّق المخيّلة. ولا مبالغة مثلا في وصف المشاعر ورفعها إلى مصاف المأساوي، على ما يجري في الروايات الساعية إلى التطرّف والوصول بنهايات الفصول إلى ذرى شعرية. فسرد الوقائع يجري بالدقة التي يلتزم بها قائل الاعتراف أمام سامع لا تليق الإطالة في حضوره. تقول خولة في مكان ما من كتابها الصغير أنها تكره المبالغة، وهي تعطي مثالا على ذلك مبالغة الأمريكيين الذين ترى أنهم، بإلقاء القنبلتين الذريّتين على هيروشيما وناكازاكي، قد بالغوا بردّ فعلهم الحربي على ما فعله اليابانون بواقعة بيرل هاربر.
«دار خولة» لبثينة العيسى صدر عن دار تكوين في 2024.

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية