كيف تقول نعم للحياة؟ أن تبني عالما خاصّا بك، ترقص فيه روحك في الفوق، على الأرض، في البعيد، في القريب، على السطوح في الأعماق، في المكان واللامكان. الإيقاع حبّك ومزاجك وشغفك وجسدك وقلبك وقدرتك وطاقتك، لا حساب لمن يرقب، خطوات الأمام والوراء، واليمين واليسار. أنت الراقص والمسرح والموسيقى والمدينة، ولتعلّق اللجان أحكامها لمن تعنيه جوائزها. تقول نعم للحياة فتلمع في أعماقك أحجارك النبيلة، تعلو قيمتها بصقل دقيق، لا قسوة عليه، فالوقت معك وليس عليك في عالمك، حينذاك، لا تُهدر جواهرك في أسواق الرضى والاسترضاء. قبول الذات واجب، كذلك تقديرها، وهذا الاطمئنان إليها إنجاز جميل كما يوضّح ابكتيتوس. الإيمان بحدسك يدفعك برهافة العارف نحو رسم الحدود، ويصير العبور آمنا هانئا، فالعبرة في اختيار الطريق، وليس في متانة الأبواب. المفتاح في العبّ، والخريطة سرّها في إشاراتها لا عباراتها. أن تبني عالمك أنت، تقول نعم للحياة. ترتّبه كما تشاء، وتدخل إليه من تفرح به ومعه، وتسكن إليه ويسكن إليك. عالم تُكثر فيه النوافذ لمزيد الضوء، وتقلّل من الأبواب. ولتبق وشوشات الخارج في الخارج.في الخارج ذئاب كثيرة، يترّبصون ببعضهم بعضا، في السياسة والدين والأعراف والتقاليد، الخارج حيث الأعين الجاهزة لإعلان الأحكام بالتنميط والتدجين، بحراس الفضيلة والأخلاق والويل لمن لا يذعن لمعاييرهم. دع الخارج لأهل الخارج، الأشباه تتعارك لأسباب تعرفها ـ وتتصالح لأسباب تعرفها، أمّا أقنعة الغنائية التي يخفون فيها شعاراتهم، فيحتكرها البائع، والزبائن حاضرون، والدفع نقدّا من نفاق كثير. أن تقول نعم للحياة، تتعلّم سهولة الاستغناء، وبساطة التخلّي والترفّع وثقة الامتلاء..
ففي عالمك الذي تبنيه، تتساوى الأشياء. حكمك عليها يجعلها تتفاوت في قيمتها وأمكنتها، أنت صاحب الدار الذي تدني وتبعد، من دون أن تمتلك، لأنّ للأشياء قدرة على امتلاكك أيضا.. فالفقد حاضر كلّ آن، وعليك أن تكون مستعدّا له. أن تقول نعم للحياة، هو أن تقول أيضا نعم للموت، كما نعيش حياتنا جرعات حبّ وأمل وسعادة، كذلك نعيش موتنا جرعات فقد وحزن وغياب. في كتابه «مسألة حياة أو موت»، يتساءل المعالج النفسي أرفين يالوم معنى أن يعيش الإنسان حياة كاملة؟ وكيفية تحديد ذلك ومعاييره؟ من يحدّد ما هو الوقت المناسب للموت؟ يضع إجابة زوجته: «إنّ أكثر ما يخيفني من الموت هو الأشياء التي لم أفعلها في حياتي»، محيلا إلى العلاقة الإيجابية بين القلق والموت والإحساس بالحياة البائسة التي لم يعشها المرء. بعبارة أخرى: كلما عشت حياتك بصورة كاملة، أصبح موتك أقل مأساوية. أن تعيش حياة كاملة، بلغة كازنتزاكيس هو ألا تدع للموت شيئا سوى قلعة محترقة.
وفي هذا السياق، نجدنا أمام عبارة نيتشه:»مت في الوقت المناسب»، أي العيش بطريقة أصيلة، بحرية وعفوية بعيدا من سطوة الأعراف والتقاليد، حياة مليئة بالمعنى والتجارب الحيّة. الموت جزء من الحياة. الاحتفاء بكليهما والاستعداد لهما قولة وعي وحرية من دون خوف من النهاية. لذلك نردد كل يوم: أن نقول نعم للحياة هو أن نقول نعم للموت.
أكاديميّة لبنانية