الجيش السوداني يزحف نحو القصر الرئاسي وترقب لمعركة فاصلة في العاصمة الخرطوم

محمد الأقرع
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: يواصل الجيش السوداني الزحف نحو القصر الرئاسي في قلب العاصمة الخرطوم، بينما تتوسع القوات في الخرطوم بحري وتستمر المواجهات في غرب وجنوب أمدرمان. بالتزامن تفيد المتابعات عن حشد متحركات عسكرية ضخمة في تخوم العاصمة من الناحيتين الجنوبية والشرقية استعداداً لما يتوقع أن تكون عملية برية واسعة تنتهي بفرض كامل لسيطرة الجيش على الخرطوم وعموم وسط السودان.
بالمقابل، يبدو أن قوات الدعم السريع التي كانت تفرض سيطرتها على غالبية أجزاء العاصمة وولايات دارفور وكردفان ويمتد انتشارها في عمق السودان الأوسط، تعاني منذ عدة أسابيع من حالة انهيار متسارع بعد أن فقدت عددا من المدن المهمة في البلاد إلى جانب مقتل أبرز قادتها، الأمر الذي أدى إلى تسجيل وتوثيق حالات هروب واسعة عبر جسر خزان جبل أولياء جنوبي الخرطوم.
وفي السياق قال مصدر ميداني لـ«القدس العربي»، إن قوات الجيش تقدمت من مقر القيادة العامة وسط الخرطوم غرباً نحو القصر الرئاسي ومنطقة السوق العربي، واشتبكت مع عناصر الدعم السريع في شارع السيد عبدالرحمن قبل أن تقوم الأخيرة بالانسحاب إلى عمق المنطقة، لافتاً إلى أن الجيش استخدم المدفعية الثقيلة مع تدخل الطيران الحربي وقصف عدة مواقع. ولفت المصدر، إلى وجود مواجهات أخرى في شوارع البلدية، الجمهورية والجامعة وشارع النيل، المؤدية إلى القصر الرئاسي في إطار محاولات الجيش التقدم وتحييد عدد من البنايات العالية التي تستخدمها قوات الدعم السريع كمنصات للقنص واستخدام أسلحة «الكورنيت»، مبيناً أن الجيش استعاد السيطرة في تلك النواحي على مستشفى امبريال ومبنى بنك بيبلوس وأجزاء من العمارة الكويتية.
ودفع الجيش مطلع الأسبوع الماضي بمزيد من التعزيزات العسكرية إلى مقر القيادة العامة بعد أن استطاع فك الحصار عنها في 24 كانون الأول/يناير ما منحه قدرة على المناورة والتقدم بشكل أوسع بالتزامن مع المحاور الأخرى المتحركة في وسط الخرطوم.
ويتقدم الجيش بمشاركة الكتائب المساندة له، نحو القصر الرئاسي ومنطقة السوق العربي، عبر ثلاثة محاور رئيسية من مقر القيادة العامة غرباً، ومن منطقة المقرن شرقاً بالإضافة إلى قوات سلاح المدرعات التي تمركزت جنوباً في المنطقة الصناعية، ويشار أن جميع هذه المحاور يفصلها نحو 3 كيلومترات عن الالتحام مع بعضها البعض داخل القصر.
وخلال الأيام الماضية استطاع الجيش تحييد ثلاثة شوارع من أصل أربعة رئيسية مؤدية إلى كل من منطقة وسط الخرطوم إلى جنوب المدينة وهي شارع الغابة، شارع الحرية، شارع المك نمر، بينما لا تزال الدعم السريع تفرض سيطرتها على شارع القصر وتستخدمه للعبور إلى بقية مناطق العاصمة.

القنص وأنظمة التشويش

ومنذ اندلاع الحرب في السودان منتصف نيسان/ابريل عام 2023 فرضت الدعم السريع سيطرتها على القصر الرئاسي والوزارات السيادية المحاذية للضفة الجنوبية لنهر النيل الأزرق ومنطقة السوق العربي، وأكد مصدر عسكري أن ما يعيق الجيش حتى اللحظة من التقدم وحسم المعركة رغم أن ما تبقى عبارة عن أمتار قليلة هو انتشار عناصر الدعم السريع في البنايات العالية وإعاقة تقدم الجيش عبر عمليات القنص ووضع أنظمة التشويش بالنسبة للمسيرات.
أما في مدينة الخرطوم بحري، ثالث مدن العاصمة وبعد سيطرة الجيش على غالبية أجزائها الأسابيع الماضية، تشهد مربعات حي كافوري الواقع من الناحية الشرقية وهو آخر معاقل الدعم السريع بالمدينة مواجهات عنيفة، حيث تقدم الجيش من حي العزبة جنوباً نحو مربعات 3 و5 و7 و8 واستطاع غنم أعداد كبيرة من الأسلحة والذخائر التابعة للدعم السريع والتي تراجعت إلى مربعات 12 و14.
وتقضي خطة الجيش حسبما قال المصدر العسكري الوصول إلى معبر القنطرة ومن ثم التقدم نحو منطقة حلة كوكو الأمر الذي يعني تلقائياً استعادة المدينة كاملة من قوات حميدتي فضلاً عن تضييق الخناق عليها في منطقة شرق النيل.
بالتزامن تحركت قوات أخرى للجيش في أقصى شمال شرق ولاية الخرطوم نحو منطقة الحاج يوسف واستطاعت فرض سيطرتها على بعض المناطق والشوارع الرئيسي الشقلة، عد بابكر، أما في الجزء الجنوبي لمنطقة شرق النيل وتحديداً في سوبا شرق، دارت معارك عنيفة الأيام الماضية إذ تسعى قوات الجيش ودرع السودان وكتائب من القوات النظامية الأخرى السيطرة على الناحية الشرقية من جسر سوبا. وقال مصدر في قوات درع السودان، إن قواتهم والجيش سيطرتا بالكامل على حي لؤلؤة سوبا شرق كما استطاعتا محاصرة قوات الدعم السريع المتواجدة قبالة الجسر من ثلاثة اتجاهات، لافتاً إلى أنهم يقومون بأعمال عدائية وعمليات استنزاف قبل التقدم واسترداد المنطقة.
ويعد جسر سوبا معبراً حيوياً ومنطقة استراتيجية والسيطرة عليه تساعد في عملية التحكم وإخضاع بقية المواقع في شرق النيل ومنطقة جنوب مدينة الخرطوم التي تشهد في أقصاها هي الأخرى عند الضفة الغربية لنهر النيل الأزرق حشد قوات ضخمة للجيش قادمة من ولايتي الجزيرة وسنار، واستطاعت استعادة مدينة جياد الصناعية بعد معارك شرسة الثلاثاء الماضي.
أما في أم درمان أكبر مدن العاصمة، تستمر المواجهات في حارات أمبدة غرب المدينة وصالحة والفتيحاب جنوباً، وقال مواطنون لـ«القدس العربي» إن الدعم السريع لا تزال تقصف الأحياء السكنية في منطقة كرري ما يؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين كان أعنفها حين استهدفت سوق صابرين مطلع شباط/فبراير الجاري ما أدى إلى مقتل 54 شخصاً وإصابة 136 آخرين.
وفي أقصى جنوب المدينة، يشهد جسر خزان جبل أولياء موجات هروب متواصلة لعناصر الدعم السريع من مدينة الخرطوم إلى أم درمان ومن ثم إلى كردفان ودارفور وذلك حسبما أكد ثلاثة مصادر محلية تحدثت لـ«القدس العربي» والذين عزوا ذلك إلى الهزائم المتتالية التي منيت بها الدعم السريع في ولايتي الجزيرة وسنار وتقدم القوات الجيش شمالاً نحو الخرطوم وخشية الجنود من إغلاق جسر خزان جبل أولياء الذي يعد المنفذ الأخير للخروج من العاصمة بالتالي وضعهم في كماشة مرعبة فضلاً عن مشاكل أخرى بسبب مقتل قادتهم في ظروف غامضة وغياب متواصل لقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي».
وأشارت المصادر إلى أن الجيش بدأ بالفعل في حشد قوات إضافية بعد استعادته بلدة أبو قوتة في ولاية الجزيرة القريبة من الجبل مشيرة إلى وصول أكثر من 100 عربة قتالية محملة بالجنود والعتاد إلى المنطقة للمشاركة في المعركة الفاصلة هناك، إضافة إلى وجود قوات أخرى ضخمة تتبع للفرقة 18 مشاة وتتركز في منطقة الأعوج في ولاية النيل الأبيض.
وقال ضابط رفيع بالجيش السوداني لـ«القدس العربي» إن هناك أكثر من 27 كتيبة داخل وحول الخرطوم ستتحرك بشكل متزامن لحسم معركة العاصمة، مرجحاً أن تستغرق هذه العملية العسكرية فترة وجيزة بحكم إنها الجزء الأخير من تنفيذ خطة نظافة ولاية الخرطوم التي من المتوقع أن تنتهي بالتقاء المتحركات بمنطقة جبل أولياء.
ورأى الضابط أن الروح المعنوية لقوات الدعم السريع منهارة ولدى الجنود إحساس بتخلي القيادات الميدانية والعليا عنهم بالتالي لا توجد لديهم رغبة للقتال وإنما يفضلون النجاة بأرواحهم والاتجاه نحو حواضنهم الاجتماعية أو خارج السودان.
واستدل بأن كل المعارك التي خاضها الجيش السوداني مؤخراً لم يتعرض فيها لمواجهات مباشرة من الدعم السريع التي كانت سمتها الغالبة الاشتباك المؤقت والانسحاب السريع وإخلاء المواقع.

معركة الكرامة

رأى المختص في التحليل العسكري والاستراتيجي، حسام الدين ذو النون، إن ما يحدث منذ نهاية أيلول/سبتمبر من العام الماضي يوضح بصورة كاملة نجاح الإستراتيجية العسكرية والخطط المرحلية المصاحبة لها، التي وضعها الجيش وتم تنفيذها بدقة عالية على الرغم من الخسائر والتأثيرات السلبية المتعددة التي رافقت تنفيذها.
وقال: «بعد مضي ما يقارب الخمسة أشهر من الإنتقال إلى مرحلة الهجوم واستعادة المناطق وهزيمة المشروع الاستيطاني والاستعماري الذي نفذه الدعم السريع، يظهر للمراقب الخارجي والمواطن السوداني بأن الجهد العسكري الذي تم تنفيذه خلال عام ونصف منذ إنطلاق الحرب كان جهدا ضخما عمل على تكسير القدرات العسكرية للدعم السريع وارباك خطط حلفائها بصورة مؤثرة».
وأضاف: «خلال الفترة القليلة المقبلة والتى لن تتعدى عدة أسابيع سوف يكتمل تحرير العاصمة الاتحادية بصورة كاملة والقضاء على جيوب الدعم السريع بكل وسط السودان الخرطوم، النيل الأبيض، سنار، والجزيرة، وهي ختام المرحلة الثانية من معركة الكرامة، والتي سوف تعقبها المرحلة الثالثة والأخيرة وهي مواجهة قوات الدعم السريع في كل من ولايات كردفان ودارفور».
ووفقاً لذو النون يمكن النظر إلى أهمية معركة الخرطوم بأكثر من زاوية أولها: من جانب عسكري بخلاف تغيير ميزان الحرب لصالح الدولة السودانية، لكن هناك عملية داخلية تمت بسلاسة وهي توحيد الوجدان الوطني وتعلية الإحساس بقيمة الوطن، إلى جانب تطوير القدرات العسكرية من ناحية الآلة والكفاءة القتالية، والتخطيط العسكري اليومي والإستراتيجي، ما يجعل المؤسسة العسكرية على درجة عالية من الاحترافية وذات إرث وتجربة مختلفة ومتميزة.
ويعتقد كذلك أن حسم الجيش لمعركة الخرطوم من الناحية السياسية تعتبر قاصمة الظهر لمشروع الدعم السريع وحلفائها السياسيين الهادف للاستيلاء على السلطة بقوة السلاح خدمة مشروع دولة الإمارات الطامعة في الموارد السودانية، وإحداث تغيير في التركيبة الديموغرافية للدولة السودانية التاريخية.
ويذكر أن الحكومة السودانيى والعديد من قادة الجيش والمراقبين والمنظمات الدولية يتهمون دولة الإمارات العربية بدعم قوات حميدتي بالسلاح والمعدات اللوجستية بالتالي المشاركة في الجرائم الفظيعة التي وقعت في حق الشعب السوداني وهو الأمر الذي ظلت تنفيه أبو ظبي على الدوام وتقول إنها تدعم إيجاد حل سلمي يوقف الحرب.
ويمضي ذو النون بالقول، بأنه من خلال سير المعارك وتصاعدها المستمر من جانب الجيش يمكن إدراك بأنه ينفذ في عملية الهجوم الشامل والاكتساح لكل معاقل الدعم السريع وهزيمتها في المناطق الاستراتيجية وغيرها، للتفرغ للجزء الأخير من المرحلة الثالثة وهي مواجهة دولة الإمارات ومرتزقتها من القادمين من ليبيا وتشاد بصورة أساسية «فهي الورقة الأخيرة في جرابها، بإدارة حرب تكون تشاد طرفا أساسياً فيها بشكل أو بآخر مما يسهل لدولة الإمارات توفير الإمداد بالأسلحة المؤثرة خاصة الطيران في محاولة لوقف هزيمة مشروعها بصورة كاملة على أرض دارفور».
وأوضح ذو النون أن ترجيح موازين القوة لصالح الجيش جاء نسبة لعدة أسباب، أولها إدارة التحالفات الخارجية والتي كان دافعها الأساسي الحفاظ على كيان الدولة السودانية دون أي مطامح شخصية، ووجود رؤية عسكرية وسياسية لإدارة الحرب والملفات الخارجية، كما أن الخلفيات الاستخبارية للقيادة العسكرية والتي تعاملت مع كل الملفات وفق تقدير الموقف العسكري بل زادوا عليها بتطبيقه حتى على الرؤية الاستراتيجية السياسية وتمت إداراتها وفق تلك الرؤية التحليلية المهنية بدون أي إستخفاف أو تضخيم، لافتاً إلى أن الجيش تعامل مع الواقع بصورة موضوعية وتعاطى معه وفق الحاجة والقدرات المتاحة.
بينما بين أن الدعم السريع وحلفاءها السياسيين أساؤا إدارة كل الملفات كما جهلوا خصائص الشعب السوداني واعتمادهم على رؤية استخباراتية وسياسية مضللة مما وفر للقيادة العسكرية والسياسية للدولة مساحات التحرك والتلاعب برقعة الشطرنج بمهارة عالية فكسبوا الجولة تلو الجولة، بينما يتخبط الآخرون بلا قدرة على تنفيذ مشاريعهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية