غزة ليست غرفة فندق خالية تحتاج لإعادة تصميم وسكانها لن يذهبوا إلى مكان آخر

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السيطرة على قطاع غزة وتحويله إلى مشروع عقاري بعد التخلص من سكانه وتشريدهم في الفيافي أو الصحراء العربية، كما اقترح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المتسلح دائما والمتخفي وراء الدعم الأمريكي.
وعندما سئل ترامب ممن سيأخذ غزة وإن كان طرد السكان من موطنهم لا يعد تطهيرا عرقيا، تملص من الإجابة. وكان ذلك أثناء لقائه مع الملك عبد الله الثاني في يوم الثلاثاء 11 شباط/فبراير، وكان أول زعيم عربي يجتمع مع ترامب في البيت الأبيض منذ حفل تنصيبه. وقد اشترى العاهل الأردني الوقت وحاول تجنب مناقضة الرئيس المصر على ما يبدو على إيجاد موطن للفلسطينيين غير غزة. وكعادته في الحديث غير المترابط، أكد أن الفلسطينيين لن يعودوا إلى موطنهم الأصلي، لأنهم سيكونون سعداء في موطنهم الجديد، وخاصة أنه سيبني لهم بيوتا جميلة.
لم يقل ترامب من أين سيأتي بالمال، فالمتابع لتصريحاته المتكررة، يرى أنها تدور حول توفيره المال الذي كانت إدارة جو بايدن تضيعه من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين. والرجل لا يفكر إلا بالمال، فهو معبوده، فعندما يتحدث عن الضريبة التي فرضها على الدول الأخرى، يفسر أنها من أجل الصالح العام، وعندما قام فريقه بقياد إيلون ماسك، الملياردير الذي بات يعتمد عليه في تفكيك مؤسسات الدولة يتحدث عن الأموال التي بذرت عبثا، وخاصة عندما جمد وكالة التنمية الدولية الأمريكية، أو يو أس إيد، مع أنه عرض «القوة الناعمة» لأمريكا للخطر ومعها حياة الكثير من البرامج الطبية والإغاثية للخطر، ومنها حياة الأطفال الفلسطينيين والسودان، وكذا برامج دعم الديمقراطية والإعلام التي دعمتها أمريكا، كما كشفت صحيفة «الغارديان» (11/2/2025)، وقالت إن قطع ترامب المساعدات عن مشاريع دعم الديمقراطية والمؤسسات الإعلامية الممولة من أمريكا ستزيد من الدعاية المضللة.

غزة يملكها أهلها

ويبدو ترامب غير آبه بالتحذيرات بشأن تملك غزة، مع أنه غير من موقفه أكثر من مرة، فهو سيبنيها بدون أن تنفق الولايات المتحدة المال. ويبدو أنه يعول على دعم الدول الخليجية التي عادة ما يصفها بأنها تطفو على بحار من الذهب، كما تطفو على بحار من الذهب الأسود.
ولا يزال القطاع تحت حكم حماس رغم الحرب الضارية التي شنتها إسرائيل وعلى مدى 15 شهرا، وهو جزء من فلسطين، الدولة المعترف بها في الأمم المتحدة. وحسب ترامب فإن الولايات المتحدة ستستند على «سلطة الولايات المتحدة» للسيطرة عليه. وقال إن أمريكا لن تشتري غزة أو ترسل قواتها، ولكنه سيسطر عليها ولأمد طويل من أجل تحويلها إلى ريفييرا الشرق الأوسط، على غرار النموذج البريطاني في هونغ كونغ، ولكن بريطانيا كان لديها اتفاقية انتهت عام 1999 مع الصين.
وفي الوقت الحالي يتحدث ترامب عن وعود وتهديدات لدول الجوار مصر والأردن، بأنها إن لم توافق على استقبال الفلسطينيين في غزة وتخصص لهم قطع أرض فسيقطع المساعدات المالية. ولكن الرئيس الأمريكي استبعد في اللقاء المشترك مع الملك عبد الله الثاني الفكرة في الوقت الحالي، على الأقل بالنسبة للأردن الذي يعتمد على المساعدات الأمريكية ويعتبر شريكا مهما في الجهود الإستخباراتية بالمنطقة. وساعد الجهود الأمريكية العام الماضي لحماية إسرائيل من التهديدات الإيرانية.

طابو

واللافت للانتباه أن الدول العربية وبقية العالم رفضت فكرة التطهير العرقي والتهجير القسري للفلسطينيين، وطالبت المبادرة العربية التي ستتم مناقشتها نهاية الشهر في مصر بإعمار غزة بيد الفلسطينيين. ويبدو أن ترامب غير آبه بمن يملك غزة التي كانت قبل سيطرة حماس عليها تابعة للسلطة الوطنية. وإذا أراد ترامب السيطرة عليها فعليه والحالة هذه أخذها من السلطة الوطنية، كما يقول يوسي بيلين، الذي ساعد في اتفاقيات أوسلو التي أدت إلى إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية.
وأشارت دراسة أعدها المجلس النرويجي للاجئين عام 2015 إلى أن نصف أراضي غزة مملوكة بشكل خاص، ومسجلة في دائرة الأراضي الفلسطينية وثلثها أرض مشاع، كما أن البيوت التي بناها اللاجئون الفلسطينيون الذين فروا أثناء حرب 1948 أصبحت مملوكة دائما لهم. ويمكن تسجيل الأراضي غير المسجلة في الطابو لو أثبت الذين يعيشون عليها تسلسلا تاريخيا في الملكية وإلا قيدت الملكية في هذه الحالة. ولكن الحرب الأخيرة دمرت نسبة 70 في المئة من غزة وجعلتها غير قابلة للحياة، بما فيها حوالي 245.000 وحدة سكنية. وقد تم تدمير أحياء بكاملها ويقول العائدون إلى مناطقهم في الشمال إنهم لم يستطيعوا التعرف على بيوتهم وشوارعهم. وخلفت الحرب حوالي 50 مليون طن من الأنقاض يحتاج التخلص منها إلى عقود.
ومع ذلك فمحاولة ترامب السيطرة على غزة بدون أي اهتمام بمن يملك القطاع ولا بحق تقرير مصير الفلسطينيين ورغبتهم بالبقاء على أرضهم لا تتوافق مع القوانين الدولية. وتقول المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة أنه يجب عدم القيام بتشريد سكان بطريقة تخرق الحق في الحياة والحرية والأمن للذين تأثروا بالترحيل. إلا أن ترامب غلف منطقه للتشريد بالخوف على حياتهم من القنابل غير المنفجرة التي زودت بها أمريكا إسرائيل كي تواصل حربها الإبادية. ويواصل في الوقت نفسه زيادة النيران، وإساءة الأوضاع بحديثه عن تشريد الفلسطينيين. وما الأزمة الأخيرة بين حماس وإسرائيل بشأن تسليم الأسرى وتهديد الرئيس الأمريكي مرة أخرى بفتح جهنم إلا مثالا عن الكيفية التي يمنح فيها ترامب نتنياهو الضوء الأخضر لاسئتناف الحرب.

خطة عربية

وفي الوقت الذي يعمل فيه العرب وبتعاون مع الأوروبيين، حسب صحيفة «فايننشال تايمز»(14/2/2025) على خطة مضادة لخطة ترامب، تجد الدول العربية نفسها أمام معضلة التوصل والتنسيق بينها والتوصل لموقف موحد، حسبما قال إتش إيه هيلير، خبير الأمن في الشرق الأوسط في المعهد الملكي للخدمات المتحدة لصحيفة «وول ستريت جورنال» (13/2/2025): «بالنسبة للعالم العربي، فإن إدراك أن ترامب يعني بالفعل ما يقوله فيما يتعلق بغزة يعني ضرورة التوصل إلى بديل للمضي قدما». وأضاف أن مسألة الدولة الفلسطينية لن يتم إسقاطها، «لكنها لن تكون شرطا مسبقا لبدء إعادة الإعمار». وقالت الصحيفة إن الخطة المصرية العامة هي إبقاء الفلسطينيين في مكانهم وتشكيل لجنة من التكنوقراط من مختلف أنحاء غزة لإدارة المنطقة. وسوف يوفر الفلسطينيون المدربون من قبل القوات العربية الأمن. ويسعى المسؤولون المصريون الآن إلى مصادر تمويل عامة وخاصة في جميع أنحاء المنطقة ويأملون في عقد مؤتمر للمانحين لتأمين الالتزامات. وتحاول الدول العربية أيضا تخفيف الضغوط عليها لاستقبال النازحين الفلسطينيين من خلال زيادة قبولها للأشخاص الذين يغادرون لأسباب إنسانية. وقال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، في حضور ترامب إن بلاده ستستقبل 2000 طفل مريض من غزة. واستقبلت مصر المرضى والجرحى. وقال ديفيد شينكر، الذي شغل منصب مساعد لوزير الخارجية في ولاية ترامب الأولى: «هناك فرصة جيدة للدول العربية لتقديم مقترحاتها الخاصة. إن السؤال المطروح على عبد الله والسيسي والإمارات والسعودية وجميع الدول المهتمة هو التوصل إلى موقف منسق بشأن ما سيفعلونه في غزة». ولا يعتقد سوى عدد قليل من خبراء الشرق الأوسط أن خطة ترامب عملية ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى خوف الفلسطينيين من إجبارهم على المنفى الدائم. وقد أثار البعض مخاوف بشأن القانون الدولي وما إذا كان يشكل تطهيرا عرقيا.

ترامب والمريخ

ويرى خبراء في الكوارث الطبيعية، مع أن غزة هي كارثة صنعتها إسرائيل بدعم أمريكي، أن السكان الذين ينزحون بسببها يريدون العودة إلى مناطقهم المدمرة مهما كان الوضع. وقد ذكرت خبيرة الكوارث لوسي إيستهوب بمقال نشرته صحيفة «الغارديان» (12/2/2025) أن مقاولي الكوارث، مثل ترامب لا يأبهون بالعنصر الإنساني للأرض، ويريدون أرضا خالية أو ما يطلقون عليه «نموذج المريخ» من إعادة البناء الإنساني، وكأنهم يقومون باستعمار المجرة. فهم يفضلون ألا يكون هناك بشر يعترضون طريقهم بمطالبهم الفوضوية، بل يريدون العمل على إزالة الأنقاض وتعبيد الطرق. وتقول إيستهوب إن رأسمالية الكوارث منتشرة على نطاق واسع لأن هناك مبالغ ضخمة من المال يمكن جنيها في أعقاب الحرب. ولا يربط «نموذج المريخ» بين الفرد وصلته بالوطن أو أي صلة بين الشخص والتربة التي يعيش فوقها. وتقول الكاتبة إن تجربتها المتكررة في مراحل ما بعد الكوراث البيئة هي أن نقل مجتمعات كاملة إلى مساكن مؤقتة في مكان آخر، يتسبب في تصدع كامل لحياتهم ومجتمعاتهم. وأكدت أن حب المكان هو أكبر مما تتم رؤيته ومعاينته من الدمار وخسارة الممتلكات. فالبشر في كل أنحاء العالم، بغض النظر عن الثقافة أو العقيدة، يفعلون أشياء مماثلة بشكل ملحوظ عندما يعودون إلى مكانهم المدمر، أفعال «عاطفية» مثل ربط الزهور بمخاريط المرور وأذرع الرافعات. وفي النهاية ترى إيستهوب أن عملية إعمار غزة قد تستغرق حياة جيل كامل، ولكن يجب أن يكون للغزيين دورا هاما فيها و «عندما تعمل في أعقاب الكارثة، فإنك تتعلم كيف تعيش يوما بيوم وتحتفل بكل خطوة تحققها للأمام ولو كانت صغيرة». وفي هذا السياق كتب الشاعر الفلسطيني مصعب أبو توهة مقالا في مجلة «نيويوركر» (12/2/2025) أشار فيه إلى أن ترامب لم يتحدث عن الطرف الذي أطلق النار وقتل ودمر: الجيش الإسرائيلي وبدعم من حكومة الولايات المتحدة. وبدلا من ذلك تحدث عن تحويل غزة إلى «ريفييرا الشرق الأوسط»، وكأنه لا يوجد بشر أو حياة هناك. وطرح أبو توهة سؤالا على ترامب: من قال إن سكان غزة قلقون من الموت؟ هناك العديد من الناس في جميع أنحاء العالم قلقون من الموت، بمن فيهم بعض الأمريكيين الذين ليس لديهم تأمين صحي أو يعيشون في مناطق معرضة لخطر حرائق الغابات، لكن قلقنا لا يتعلق بالموت. بل بالخوف من أن يقتلهم جنود إسرائيليون ومستوطنون وقنابل ورصاص. كيف يمكنك منع الناس من القتل؟ ليس بإزالة الأشخاص الذين تعرضوا لإطلاق النار والقصف، ولكن بوقف الأشخاص الذين يقومون بإطلاق النار والقصف، وبالضرورة التوقف عن إرسال الأسلحة إلى القاتل. وقال إن الفلسطينيين ليسوا بحاجة للرئيس ترامب كي يخبرهم عن غزة، وكأنها «غرفة فندق فارغة بحاجة إلى إعادة التصميم» و«ما نحتاجه سماع العالم عما تحتاجه غزة من أساسيات الحياة» و«نريد بناء خيام ونملأها بالمعلمين حتى يدرس الأطفال الذين خسروا 16 شهرا من التعليم والعودة إلى المدارس. ونريد الحفر بين الأنقاض عما تبقى من إخواننا وأخواتنا وآبائنا وأطفالنا وحتى نتمكن من دفنهم. ونحن بحاجة إلى معدات ثقيلة لتنظيف ملايين الأطنان من الأنقاض واستبدالها بأماكن للعيش عليها. ونريد إعادة زرع الحقول المدمرة حتى يتمكن المزارعون الفلسطينيون إنتاج الطعام. ونحن بحاجة إلى استبدال مواقع الموت بالمستشفيات حيث يعالج الناس. ونحن بحاجة لإنهاء حالة الحصار حولنا. والناس بحاجة لنا، نحن الغزيون وليس من حول غزة إلى موقع هدم أو من يعتقدون أنه يجب هدم كل الناس، أيضا».
أغبى خطة

ويعتقد توماس فريدمان في صحيفة «نيويورك تايمز» (11/2/2025) أن خطة ترامب لا تثبت إلا شيئا واحدا وهو مدى قصر المسافة بين التفكير خارج الصندوق والتفكير خارج العقل. وأكد أنه يستطيع أن يقول بثقة أن اقتراح ترامب هو المبادرة الأكثر غباء وخطورة في الشرق الأوسط التي طرحها رئيس أمريكي على الإطلاق. وعبر عن دهشته ليس من اقتراح ترامب ولكن من الطريقة التي صدق فيها المساعدون له والناطقون باسمه «الخطة» وصادقوا عليها مثل «مجموعة من الدمى التي تومئ برؤوسها فقط». وقال فريدمان إن فكرة ترامب تفريغ غزة قد تنجح في الأفلام، ولكن في الحياة الواقعية، إذا حاولت إدارة ترامب فعليا إجبار الأردن ومصر أو أي دولة عربية أخرى على قبول الفلسطينيين الذين يعيشون في غزة، فسوف يؤدي ذلك إلى زعزعة التوازن الديموغرافي في الأردن بين سكان الضفة الشرقية والفلسطينيين، وزعزعة استقرار مصر وزعزعة استقرار إسرائيل. وحذر من أن رؤية فريق ترامب للشرق الأوسط تتم من خلال عدسة اليمين المتطرف الإسرائيلي والمسيحيين الإنجيليين.

أوكرانيا وغزة

ويعتقد إيشان ثارور في صحيفة «واشنطن بوست» (14/2/2025) أن الرئيس الأمريكي في اليوم التالي للقائه مع الملك عبد الله الثاني، فاجأ الحلفاء في أوروبا بمكالمة هاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وكسرت هذه المبادرة سنوات من الصمت بين البيت الأبيض والكرملين، وسبقت أنباء عن قمة محتملة بين الولايات المتحدة وروسيا بتيسير من السعودية – ما أثار احتمال التوصل إلى اتفاق بدون الأوكرانيين أو أوروبيين آخرين على الطاولة. وقام فريق ترامب الذي يشارك في قمة ميونيخ الأمنية بتوضيح الصورة، حيث أكد وزير الدفاع، بيت هيغسيث أن أوكرانيا لن تعود إلى ما قبل 2014 وليس أمامها فرصة للانضمام للناتو، أما نائب الرئيس جي دي فانس فقد أهان الأوروبيين ووصفهم بأنهم استبداديون. ونقلت الصحيفة عن ضابط أوكراني، تحذيره من خيانة أمريكا لأوكرانيا بعد خيانتها لأفغانستان. ويقول ثارور إن ترامب لا يبدو قلقا من هذا الكلام، وقد صور نفسه كصانع سلام غير تقليدي على استعداد لإجراء مناقشات وخلق حلول لا يستطيع الآخرون إيجادها. كما يبدو متهاونا بشأن سيادة أوكرانيا، حيث اقترح أن ثروة البلاد من المعادن الحيوية يجب أن تكون مخصصة للولايات المتحدة في مقابل ضمانات أمنية. في مقابلة تلفزيونية في وقت سابق من هذا الأسبوع، قال إن هناك فرصة لأن تصبح أوكرانيا «روسية يوما ما». وأشار ثارور إلى أن موقف ترامب من غزة هو أكثر استهانة، فهو يعتقد أن الولايات المتحدة ستتحمل ببساطة المسؤولية عن المنطقة، «موقع الهدم»، وتجعلها «ريفييرا» الشرق الأوسط، بغض النظر عن طرد سكانها. «سنأخذها، سنحتفظ بها، سنعتز بها»، هكذا قال ترامب عن غزة، بينما سخر من أي سؤال حول دفع ثمنها – «لا يوجد شيء للشراء»، كما قال للصحافيين.
ولكن الفلسطينيين لا ينظرون إلى وطنهم بأنه «لا شيء»، وحتى وسط الدمار الذي لحق بمنازلهم، لا يريد سكان غزة المصدومون أن يفقدوا حقوقهم في الأرض. وبالمحصلة ترى صحيفة «وول ستريت جورنال» (12/2/2025) ان ترامب يعرض حل مشاكل العالم المستعصية من خلال فرض تنازلات على أوكرانيا وتشريد سكان غزة. وبهذه الطريقة يقوم بإعادة كتابة القواعد في الحربين. ويغير كذلك المعتقدات في السياسة الخارجية التي تم تبنيها وعلى مدار عقود، باعتبارها جربت وفشلت. ولا فرق بين غزة وأوكرانيا، فقد مات عشرات الآلاف ودمرت مدن بكاملها. ويبدو حله للحربين متشابها. وهما نابعان من اعتقاده أنه صانع صفقات وقدرته على الإقناع، وفرضه القرارات على الأطراف الضعيفة. ويقول ديفيد ويتشسلر، مدير مركز رفيق الحريري بالمجلس الأطلنطي «ما يريده في الوضعين واضح، سلام وصفقة» و«تورط أمريكي أقل ومخاطر أقل على أمريكا». لكن نهج ترامب قد يؤدي إلى طريق مسدود. ففي موضوع غزة، لم يقترح أي رئيس أمريكي ومنذ إنشاء إسرائيل عام 1948 تشريد الفلسطينيين من أراضيهم التي نظروا إليها بأنها جزء من دولتهم القادمة. لكن خطته كما يرى العرب وإسرائيليون تحمل مخاطر لزعزعة استقرار حليفين مهمين بالمنطقة.

محاولة أمريكية أخرى فاشلة

وتعلق كارين دي يونغ في صحيفة «واشنطن بوست» (9/2/2025) أن فكرة ترامب بإعادة تشكيل غزة على صورة مشروع عقاري أمريكي ليست شاذة تماما في التاريخ الطويل والمضطرب للتدخل الأمريكي في الشرق الأوسط وسط أحلام أمريكية بتحويل المنطقة. ومع ذلك لم تتحقق الأحلام، وانتهت المحاولات الأمريكية بالشرق الأوسط بشكل فاجع كما في ضرب ثكنات المارينز الأمريكي في بيروت عام 1982، ومقتل 241 جنديا نشروا هناك بناء على خطة غامضة لحماية الحكومة اللبنانية، إلى الغزو الأمريكي للعراق في 2003 الذي انتهى بشكل كارثي وقتل آلافا من الجنود الأمريكيين وعزز التأثير الإيراني في العراق وتهديد الإرهاب.
وعلق ستيفن كوك، الزميل في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي ومؤلف كتاب «نهاية الطموح: ماضي أمريكا وحاضرها ومستقبلها في الشرق الأوسط»: «يبدو تصريح ترامب وكأنه حالة شاذة لأنه صادم للغاية: اذهب إلى غزة ونظفها وانقل سكانها»، مضيفا أنه في «السياق الأوسع والرغبة في القيام بأشياء طموحة، لتغيير المنطقة، هناك هذا الدافع»، كما قال كوك، مستشهدا بالغزو العسكري الأمريكي للعراق، إلى جانب الحرب الأبعد في أفغانستان، والجهود الكبيرة ولكن غير الناجحة لتغيير الديناميكية الإسرائيلية – الفلسطينية من خلال الدبلوماسية والتنمية الاقتصادية.
وقال آرون ديفيد ميلر من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، والذي عمل مع الإدارات الجمهورية والديمقراطية في جهود التفاوض على السلام في المنطقة: «إن ما يقترحه ترامب ليس حقيقيا على الإطلاق. وإذا أصبح حقيقيا، فأعتقد أنه يستحق أن يحل محل بعض المغامرات الأخرى التي ميزت تجربتنا المؤسفة وغير السعيدة في هذه المنطقة». وأضاف ميلر أنه بخلاف النقل القسري الضمني لمليوني فلسطيني، فإن «الخطة تكافئ سياسات حكومة إسرائيل التي تعد الحكومة الأكثر يمينية وتطرفا في تاريخ إسرائيل». وفي مقابلة أجريت معه يوم الأحد بعد جولة في غزة، قال توم فليتشر، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، عن خطة ترامب: «من الغريب في الوقت الحالي أن نكون في فترة يبدو فيها أن مهارة قيادة الدولة استبدلت بمهارة التطوير العقاري»، وأضاف: «سألت الكثير من الناس عن رأيهم، وكل واحد منهم قال: لن نذهب إلى أي مكان. سنعيد بناء منازلنا مرارا وتكرارا كما فعلنا دائما».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية