رداً على مزاعم اليمين الفرنسي المتطرف بـ”جلب الحضارة لبلاده”.. الرئيس تبون: الاستعمار عطّل مسيرة الجزائريين لأكثر من 130 سنة

حجم الخط
13

الجزائر- “القدس العربي”: في سياق التصريحات المستفزة لليمين المتطرف الفرنسي حول “ادعاء جلب الحضارة للجزائر”، أكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن الاستعمار الفرنسي في حقيقته لم يقم سوى بتعطيل مسيرة الجزائريين لأزيد من مئة وثلاثين سنة.

وأوضح تبون، في رسالة له بمناسبة اليوم الوطني للشهيد، المصادف لـ18 شباط/فبراير، أن إحياء اليوم الوطني للشهيد يعدّ “تعبيراً عن وفاء الشعب الجزائري لما قدَّمه من دماء شهدائه على درب التحرر والانعتاق”، ومناسبة لاستلهام الثقة في مقومات الجزائر وتسخير مقدراتها للدفع بها إلى مصاف الدول الناشئة.

 يامين ستورا: إيالة الجزائر هي التي أقرضت المال لفرنسا، التي كانت في حاجة إليه خلال الثورة الفرنسية

وفي ردّ ضمني على غلاة اليمين الفرنسيين، قال الرئيس الجزائري إن هذه المناسبة تعد أيضاً “تخليداً لتضحيات جسيمة تكبدت مشاقها قوافل من الرجال والنساء الوطنيين الأحرار، الذين أدركوا، بعد عقود من النضال في مدرسة الحركة الوطنية، أن الاستعمار الذي سطا بأساليبه الوحشية التدميرية على أرضنا الطاهرة، وعطّل مسيرة شعبها الأبي لأزيد من مئة وثلاثين سنة، وبئس ما اقترف أدعياء الحضارة والتمدين، هو استعمار مستوطن مدمر يساوره وَهْمُ البقاء، ليس في حسبانه التفريط في الخيرات والثروات وأحبطت أوهامه ثورة عارمة”.

واستذكر تبون سلسلة المقاومات التي خاضها الشعب الجزائري ضد الوجود الاستيطاني الاستعماري، حيث أدرك أولئك الثوار- مثلما قال- أنه “لا خيار إلا الكفاح المسلح، وخاضوه ببسالة وجدارة، لم تثنهم حسابات موازين القوة، ولم تثبط عزائمهم الأهوال والمكابدات”.

كما أعرب الرئيس الجزائري عن “يقينه التام بوعي الشعب الجزائري والشباب بأن التوجه نحو هذا الاستحقاق النهضوي الإستراتيجي بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو أنبل التحديات الجامعة المحفزة للإرادات وأصعب الرهانات التي يتطلع الجزائريات والجزائريون إلى كسبها، وهو أصدق ما يعبر عن الوفاء لشهدائنا الأبرار”.

وفي الأسابيع الأخيرة، عادت في فرنسا بقوة دعاية “تمجيد الاستعمار”، على لسان قادة اليمين المتطرف. ومما قاله إيريك زمور، زعيم “حزب الاسترداد” مؤخراً، إن “الجزائر لم تكن يوماً أمة، ولا شعباً، ولا دولة، ولا كياناً ذا سيادة”، زاعماً أن “الجزائر كانت قاعدة للقراصنة البربر الذين نشروا الرعب في البحر الأبيض المتوسط، حيث قاموا بالنهب والقتل والعبودية”، متسائلاً: “من سيدفع تعويضات عن ذلك؟”.

وفي محاولة لنفي ما اجتمع عليه المؤرخون الفرنسيون والجزائريون على حد سواء، زعم زمور أنه لم تكن هناك إبادة في الجزائر خلال الفترة الاستعمارية، قائلاً: “في 1830، كان هناك مليونا نسمة في الجزائر، وفي 1962 أصبحوا 10 ملايين مسلم، فأين هي الإبادة الجماعية؟ ومن يدين لمن؟”.

ولاقى كلام زمور، المدان بالعنصرية وكراهية الأجانب في بلاده، إدانة واسعة من قبل شخصيات فرنسية رأت في كلامه تزويراً للتاريخ، حيث قال المؤرخ الشهير بن يامين ستورا، رداً على مزاعم أن الجزائر لم تكن دولة وأمة، إنَّ “إيالة الجزائر هي التي أقرضت المال لفرنسا، التي كانت في حاجة إليه خلال الثورة الفرنسية”. وأبرز أن “رفض فرنسا سداد هذا الدين هو ما أدى إلى حادثة “حادثة المروحة” التي وجهها حاكم الجزائر للقنصل الفرنسي عام 1827.”

وبالمثل، ردّ الصحفي المعروف بمناهضته للاستعمار، جون ميشال أباتي، في مقال له على ما اعتبره مغالطات زمور حول أن الاستعمار أراد جلب الحضارة للجزائر. وأبرز أن جميع المؤرخين أثبتوا أن دوافع الملك شارل العاشر، الشقيق الأصغر للملك لويس السادس عشر، في استعمار الجزائر، هو تحقيق “إنجاز عسكري” يسمح له بتعليق الحريات العامة وإعادة الحكم المطلق. وبذلك، كان “احتلال الجزائر مجرد غطاء لانقلاب سياسي، وهو أمر يتجاهله إيريك زمور بشكل منهجي”.

والمؤلم في قصة احتلال الجزائر أن فرنسا قررت، وفق أباتي، اعتباراً من عام 1840، تحويل الجزائر إلى “مستعمرة استيطانية”. وأبرز الصحافي أن “هذا النموذج الاستيطاني هو ما أدى إلى “جرائم القتل الجماعي”، مشيراً إلى أن “هذا الاستعمار فرض على فرنسا إنشاء نظام تمييزي غير عادل، يشبه نظام الفصل العنصري، حيث لم يكن للعرب أي حقوق، وتم استبعادهم من التعليم، وكل تمرد كان يُقمع بوحشية تصل إلى حد الإعدام”.

وبالمثل، قالت النائبة الأوروبية من أصل فلسطيني، ريما حسن، في ردها، إن “فرنسا، التي ادّعت أنها جاءت من أجل الحضارة، كانت في الواقع أقل تعليماً من السكان الذين زعمت أنها جاءت لتثقيفهم”.

وأشارت إلى أن فرنسا “ارتكبت مجازر بحق ثلث السكان الجزائريين، ومارست التعذيب، والاغتيال، والاغتصاب، والنهب، ونفذت تفجيرات بلغت قوتها 10 إلى 20 ضعف قنبلة هيروشيما”. وانتهت إلى أن “فرنسا لا تدين للجزائر بالاعتذار فحسب، بل عليها أن تقدّم لها أيضاً، وقبل كل شيء، عدالة تعويضية”.

ريما حسن: فرنسا، التي ادّعت أنها جاءت من أجل الحضارة، كانت في الواقع أقل تعليماً من السكان الذين زعمت أنها جاءت لتثقيفهم

وعلى نفس منوال زمور، ذكرت مارين لوبان زعيمة حزب “التجمع الوطني”، في آخر تصريحاتها قبل أيام، أن “الاستعمار الفرنسي في الجزائر لم يكن مأساة”. وقالت على قناة “أل سي إي”: “أستطيع أن أفهم أن الناس يريدون الحصول على الاستقلال، ولكن أعتقد أن القول بأن الاستعمار كان مأساة بالنسبة للجزائر ليس صحيحاً”.

ورأت رئيسة الكتلة البرلمانية لحزبها (التجمع الوطني) في الجمعية الوطنية، والتي خدم والدها في الجيش خلال حرب الجزائر، أن “فرنسا قدمت للجزائر اقتصادياً، من حيث البنية التحتية، رأس المال الضروري لتمكينها من التطور والتحول إلى نرويج المغرب العربي”.

وكانت مارين لوبان، قد قالت، في عام 2017، إن الاستعمار “جلب الكثير” إلى البلدان المعنية مثل الجزائر. وذكرت على وجه الخصوص “المستشفيات أو الطرق”. وقالت زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا: “ماذا يفعل الشعب الجزائري الذي حصل على استقلاله بدلاً من العمل لبناء ثروة بلادهم؟.. يغادرون أو يفرون أو يذهبون، من بين أماكن أخرى، إلى فرنسا. وهذا يعتبر إعلاناً عن فشل الزعماء الجزائريين، وهو أمر فظيع”.

وينظر الجزائريون في عمومهم باحتقار لهذه التصريحات التي تحاول اللعب على مغالطة تاريخية، فالاستعمار الفرنسي شيّد بنى تحتية لخدمة المعمرين وليس الجزائريين الذين كانوا يرزحون تحت الجهل والفقر المدقع. وكان الرئيس الجزائري قد صرح في أكثر من مناسبة بأن الجزائر قدمت 5 ملايين و630 ألف شهيد خلال كامل الفترة الاستعمارية التي دامت 132 سنة، مكرراً مطالباته لفرنسا بالاعتراف بجرائمها في الجزائر كاملة لبناء علاقات طبيعية.

وأمام عودة هذه النبرة، أكد رئيس البرلمان الجزائري (الغرفة الأولى)، إبراهيم بوغالي، أنَّ الوقت حان لطرح قانون تجريم الاستعمار، مبرزاً أنَّ “الحملات العدائية الفرنسية المتواصلة التي تهدف إلى تشويه صورة وسمعة الجزائر، تستوجب طرح هذا القانون”.

وسبق للبرلمان الجزائري أن طرح قانون تجريم الاستعمار سنة 2006، كرد على قانون تمجيد الاستعمار الذي أرادت فرنسا تبنيه سنة 2005 في ظل رئاسة جاك شيراك. لكن القانون الجزائري تم تعطيله بمبررات عدة، منها عدم الرغبة في الإضرار بالعلاقات مع فرنسا، وظل يستعمل من حين لآخر كورقة ضغط جزائرية كلما تأزمت العلاقات بين البلدين، لكن دون أي إرادة حقيقية في اعتماده.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية