لفلسطين تاريخ وحضارة عريقتان لا يمكن إنكارهما، ويظهر ذلك في إبداعات سكانها المتنوعة والعاكسة لهذا الألق الحضاري التاريخي، بما يحمله من أتراح وأفراح، من تطلعات ومواجهات وتحديات.
وككل الفنون يعد الفن التشكيلي وسيلة تعبيرية فعالة تؤرخ للحظة وتعبر عن الوجدان الفردي والإحساس الجمعي الموحد للتطلعات والآمال. وهكذا نجد هذا الفن رافدا لهم الإنسان الفلسطيني الهائم على وجهه أحيانا، والمستغرق في التفكير الذي يعود به ليعيش في ضيق أزمات الماضي، أو ليتأرجح مضطربا بين الثبات والمقاومة وبين الانتظار لمفاجأة الغد المجهول.
والمتتبع للتاريخ الفني يجد ثلة من المبدعين في جميع المجالات حملوا على عاتقهم التعبير والمقاومة عبر الفن، باعتباره المؤرخ والمسجل لدفء المشاعر والتوق إلى الحرية واسترداد الحقوق.
ولأن الفن ـ كما يقولون ـ لغة عالمية تتوحد الشعوب في فهمها والتعبير بها، ولأن التشكيل تأريخ بصيغة أخرى فإن هؤلاء التشكيليين أبوا إلا أن يخدموا قضيتهم عبر هذا الفن وغيره من الفنون. ومن هؤلاء الفنانين التشكيلية الفلسطينية منال أبو صفر الشابة المجتهدة في التعبير عن الضمير والوجدان الفلسطيني عبر الريشة والشكل واللون.
مبدعة تمكنت من امتلاك لمستها وأسلوبها الخاص، مازجة بين الكتابة والرسم والتلوين وكل ما يقتضيه كل موضوع من مواضيع لوحاتها على حدة، وبذلك تعمق الشعور بمآسي ومعاناة فلسطينيين جريحي المشاعر والضمائر. ويمكن رصد تميزها الأسلوبي مقارنة بغيرها في لمساتها البارزة عبر منجزها الإبداعي المتواصل بتواصل مجريات الواقع الفلسطيني بكل ما يحمله من عذابات وآهات وطموحات.
«مُفْردَات لوحاتها تكْشف عن انتمائها الوطني، لتصير أعمالُها الإبداعيَّة امتدادا لإنجازات فنّانات وفنّانين فلسطينيين يوحِّدُهم هَمُّ الحرية والانعتاق من أغلال الاحتلال… لوحاتها تختزل الكثير من الوقائع والأحداث التاريخية والاجتماعيَّة بمكوِّنات قليلة ومعدودة مُجسِّدةً آمالها وآمال غيرها بمفردات مركبة رامزة تُحيل إلى التراث وإلى الارتباط الحميمي بالمكان ومكوناته الراسخة في الذاكرة، وبذلك تنخرط الفنانة منال مع غيرها في خدمة قضايا وطنها، وأهمها العمل من أجل التحرر والكرامة بعيدا عن المضايقات والمنغصات اليومية».
في لوحاتها تتداخل مواقفها إزاء العلاقات الحميمية بين المرأة والرجل بين الإنسان والإنسان بين الإنسان والمكان. لوحاتها حالمة ترْشح ألما وطموحات وبحثا عن المخارج ورحاب الحرية المفقودة.
كل ذلك عبر تركيبات فنية رائعة لها مزايا بارزة. وباعتبارها أنثى فإن جل أعمالها الفنية لا تخلو من المرأة بملامح معبرة عن اللحظة المعيشىة أو المنتظرة للمجهول، الحالمة المتعطشة إلى دفء الوطن بعيدا عن النار والدمار. لوحات لا تستطيع أن تبتعد بها عن أغوار ومتاعب القضية الفلسطينية وطنها الذي تتوق إلى أن يصير يوما نظيفا صافيا لا تكدر صفوه البنادق وغبار التفجيرات التي لا تفرق بين الحجر والبشر والشجر والحجر.
فهذه امرأة تحتضن اختها أو ابنتها أو إحدى قريباتها بملامح واجمة تحمل علامات الحيف والانحصار أمام أشخاص مسلحين بهراوات أو ما يشبهها. وتلك امرأة تحمل مفتاحا كان لبيتها لتعبر عن ضرورة العودة إليه يوما ما. وتلك امرأة في خطاب وتواصل مع رجل بصدد منازل تُغادَر قسرا، ومنازل تنتظر أهلها..
في لوحات منال تجد الرموز المحيلة إلى قضايا فلسطين، تجد الحمام في أوضاع مختلفة، تجد المفاتيح، تجد الميزان، تجد البنايات، تجد ألوانا زرقاء وأخرى داكنة للتعبير عن العتمة والأمل في تحقق فسحة الحرية المفقودة.
الشخصيات المختارة للوحاتها تأتي متقابلة أحيانا وكأنها تناقش ما يوحد آمالها، وتأتي أحيانا شاردة النظرات نحو المدى، وتأتي أحيانا مفتوحة في مبالغة تجعلها تحيل إلى أمر مستغرب… كل هذه التوليفات والترميزات تُكسب أعمال الفنانة جدارةَ إدخالها في الإبداع الملتزم المتخذ وسيلة للتوجيه والدفاع والبحث بغية استرداد المفقود.
كاتب وتشكيلي من المغرب
لحسن ملواني