زوبعة خلف «الملحفة» الصحراوية… وشاشات لا تتسع سوى لوجه واحد!

استنفرت القنوات التلفزيونية المغربية أطقمها لنقل تفاصيل الزيارة التي قامت بها وزيرة الثقافة الفرنسية، رشيدة داتي، إلى أقاليم الصحراء هذا الأسبوع. ولم تكن هذه الزيارة مجرد محطة بروتوكولية، بل جسّدت أبعادًا عميقة تعكس تداخل الثقافيّ بالدبلوماسي، وتحمل في طياتها رسائل رمزية، قد تكون أكثر بلاغة من التصريحات الإعلامية المباشرة.
من التقارير الميدانية إلى التحليلات الدقيقة، جاءت المواكبة التلفزيونية لتبسط قراءة في زيارة الوزيرة الفرنسية، مُقدّمةً للمُشاهدين رؤية متكاملة تجمع بين اللحظة الخبرية والسياق الاستراتيجي الذي تحمله. وبين نبض الكلمات وصور الشاشات، بدا المشهد الإعلامي كلوحة فسيفسائية تشعّ بالحيوية، وتعكس التفاعل العام مع هذه الزيارة، مبرزةً المكانة الثقافية للصحراء جسرًا للحوار والتلاقح الحضاري بين المغرب والعالم.
حين تكون أول زيارة لمسؤول حكومي فرنسي إلى الصحراء ذات طابع ثقافي، فهذا ليس مجرد تفصيل شكلي؛ لأن الثقافة، على عكس السياسة، تتّصل مباشرةً بالإنسان، بهويته، بتراثه، بانتمائه إلى الأرض. إنها الجسر الذي يعبر به الماضي نحو المستقبل، والمعيار الذي يُقاس به مدى تجذّر أي شعب في تاريخه.
ولا شك في أن اختيار وزيرة الثقافة لتكون أول مسؤول حكومي فرنسي يزور أقاليم المغرب الجنوبية، يحمل إشارة واضحة، مؤداها: الاعتراف بعمق الارتباط التاريخي والثقافي للصحراء بمغربها. فحين تحتكّ الوزيرة المذكورة بالموروث الثقافي الصحراوي، فهي لا تكتشف «منطقة نزاع» كما يروّج البعض، بل تتعرّف على امتداد طبيعي للهوية المغربية، حيث تروي مكونات التراث غير المادي قصة أرض متأصلة في وجدان أمّة.
ومن هنا، لم يكن اختيار رشيدة داتي ارتداء اللباس الصحراوي المعروف بـ «المحلفة» مجرد مجاملة سياسية، بل هو انخراط في دلالات المكان، واعتراف ضمني بالمكوّن الثقافي الصحراوي المتجذّر في الذات المغربية. فاللباس ليس مجرد قطعة قماش، وإنما هو رسالة تعكس الانتماء والتفاعل مع ثقافة المنطقة، وهو ما يجعل هذه الصورة تتجاوز بعدها الشكلي، لتتحول إلى خطاب بليغ، في مواجهة مَن يحاول فصل الصحراء عن امتدادها المغربي.
في المقابل، لم يكن هذا المشهد ليمرّ دون أن يُزعج أولئك الذين ينظرون إلى المنطقة من منظور سياسي ضيق، محاولين إنكار الحقائق التي تفرضها معطيات التاريخ والثقافة والواقع الميداني.
ولأن السياسة لا تحتمل الفراغ، فإن الجنسية المغاربية لوزيرة الثقافة الفرنسية قد زادت من حساسية الزيارة؛ فالسيدة من أب مغربي وأم جزائرية، أي إنها تحمل في جذورها ذلك التشابك التاريخي بين البلدين الجارين، والذي يُفترض أن يكون مصدرًا للتقارب عوض أن يُتّخذ سببًا للصراع.
السؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كان البعض يدّعي الحياد في النزاع المفتعل، وأنه مجرد «داعم لمبدأ تقرير المصير»، فلماذا هذا الانزعاج المبالغ فيه من زيارة وزيرة فرنسية إلى أقاليم مغربية؟ ولماذا هذا الاستنفار الدبلوماسي كلما تحرك ملف الصحراء في اتجاه يخالف مصالح البعض؟ الجواب واضح: المعارضون ليسوا مجرد داعمين لمبدأ أممي، بل هم طرف أساسي في النزاع، حتى لو حاولوا إنكار ذلك!

 ضريبة الاستوزار!

 وزيرٌ شاب في الحكومة المغربية جاء به عزيز أخنوش ضمن التعديل الحكومي الأخير، الذي بدا أقرب إلى محاولةٍ لترضية الأحزاب الثلاثة المشاركة في الائتلاف الوزاري منه إلى عمليةٍ حقيقية لإصلاح حكومةٍ أخفقت في أداء مهامها، ونكثت بوعودها الاجتماعية المتكررة.
منذ تعيينه، تأكد أن هذا الوزير أكثر اهتمامًا بالظهور الإعلامي، حيث يحرص على الحضور في كل تغطية أو تصريح تلفزيوني، مُصرًّا على «إدخال وجهه» في «كادر» الصورة، مبتسمًا ومبتهجًا، كأنه يُذكّر الجميع بأنه في قلب المشهد، حتى لو لم يكن له دور فعلي فيه.
لو اقتصر الأمر على طموح شخصي جامح، لكان بالإمكان التماس العذر له، واعتبار ذلك مجرد حماسة شاب حديث العهد بالمنصب، ربما لم يستوعب بعدُ أنه أصبح وزيرًا. لكن ما لا يُقبل هو أن يستغل ظهوره الإعلامي لتصفية حسابات سياسية، كما فعل مؤخرًا حين استخدم تصريحًا مصورًا أدلى به لموقع إلكتروني، للهجوم على نائبة برلمانية، جريمتها الوحيدة أنها مارست حقها الدستوري في انتقاد رئيس الحكومة، عزيز أخنوش.
بالنسبة للوزير الشاب، كان هذا الفعل «تجاوزًا غير مقبول»، فانهال عليها بالسباب والقدح، متعرّضًا حتى لأسرتها ونسبها، في سلوك يفتقر إلى أبسط أبجديات العمل السياسي. وكأنه بهذا الأداء غير اللائق، يسعى إلى ردّ الجميل لمن منحه فرصة تحقيق حلمه الكبير بالاستوزار. ولا غرابة ذلك، فالمناصب السياسية الكبرى في المغرب لا تخضع دائمًا وبالضرورة لمعايير الكفاءة والاستحقاق والتدرج المهني، بقدر ما تُحسم فيها الأمور بناءً على معايير أخرى، أبرزها الولاء لرئيس الحزب.

 «الاحتكار» في التلفزيون!

 منذ أن أطلّتْ على الساحة الفنية، تحوّلت ممثلة مغربية إلى ما يشبه علامة مسجّلة في المشهد التلفزيوني، أكثر من ذلك صارت الوجه الذي لا يمكن للشاشات أن تستغني عنه، حتى لو أراد المشاهدون ذلك. حضورها ممتد كظلٍّ لا يتزحزح: في المسلسلات، في الأفلام، في تقديم برامج مسابقات، في الإعلانات التلفزيونية، وربما ـ إذا ما استمر الوضع على هذا المنوال ـ في نشرات الأخبار أيضًا! كأنّ التلفزيون المغربي نسي بقية الأسماء، واحتفظ بنسخة واحدة من «النجمة» التي لا تغيب!
لا يكاد يمرّ موسم تلفزيوني دون أن تتصدّر هذه الممثلة المشهد، كأنما شاشات القنوات باتت تدور حولها. ويكفي هذا التلميح دون التصريح باسمها، حتى يدرك المتلقي الفنانة المقصودة بهذا الحديث. ومع بدء الترويج لبرامج رمضان المقبل، يجد المتابع نفسه أمام السؤال الذي تردده الألسن: «هل افتتحوا قناة تحمل اسمها؟» لكن، إذا كانت السخرية تُلطّف أحيانًا وقع الحقيقة، فإن الواقع هنا أكثر قسوة: هل يمكن أن تُختزل الصناعة الفنية في اسم واحد؟ وأين ذهب الآخرون؟
ومع تكرار المشهد نفسه، تتزايد التساؤلات حول مصير الفنانين الآخرين الذين كانوا، ذات يوم، يملأون الشاشات. يبدو أن الإنتاجات التلفزيونية دخلت مرحلة «الاحتكار النجمي»، حيث تُوزّع الأدوار وفقًا لمعادلة غير متوازنة، فيحصل البعض على كل شيء، ويظل الباقون في العتمة. ومن ثم، بات فكرة «تكافؤ الفرص» أقرب إلى الطوباوية.
الأكيد أن هذه الديناميكية غير الصحية تترك أثرًا بالغًا على التجربة البصرية والجمالية للأعمال الدرامية، إذ يصبح المتلقي عالقًا في دوّامة التكرار. ففي كل موسم، تظهر الأسماء ذاتها في المسلسلات، البرامج، وحتى الإعلانات، كما لو أن السوق لا يتّسع إلا لفئة محددة، لدرجة يعتقد معها المُشاهد أن الإبداع أمسى مقتصرًا على وجوه بعينها، بعيدًا عن التنويع والتجديد.
قد يدافع مسؤولو شركات تنفيذ الإنتاج وكذا المعجبون بالفنانة المقصودة عن هذه «الظاهرة»، بحجة أن الجمهور المغربي يميل إلى الوجوه المألوفة، وأن الاعتماد على الأسماء الراسخة يضمن نسب مشاهدة مرتفعة. والحال أنه من منظور تجاري بحت، قد يبدو هذا الرهان مشروعًا، لكن من منظور فني، فإنه يؤدي إلى إقصاء باقي الوجوه الفنية كما يستبعد المواهب الجديدة، ويخلق دائرة مغلقة لا يُسمح لأحد باختراقها.
في المقابل، تبدو النقابات الفنية عاجزة عن كبح هذا المد الاحتكاري. وبينما يتحدث البعض عن ضرورة «دعم الفنانين»، وهو مطلب مشروع، لا يبدو أن هناك خطوات جادة نحو إيجاد حل لهذه الظاهرة المتكررة. والنتيجة؟ بيئة غير متوازنة، حيث يتمركز الضوء حول القلة، بينما يقبع الآخرون في الهامش.
ربما يستغرب الناس حين يُشاهدون ممثلًة بعينها تتنقّل بين مسلسل وإعلان وبرنامج مسابقات في اليوم ذاته، لكن خلف هذا المشهد الساخر يكمن سؤال جوهري: متى تصبح فرص الظهور في التلفزيون أكثر عدلًا؟

كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية