تظل ميرال طحاوي مسكونة بعالم الصحراء، وبالمتخيّل الذي تستثيره في كتاباتها، وبالشخصيات التي تتبدى وكأنها تعيش لاوعي المكان، حيث الصراع الوجودي بين ذاكرة الصحراء وإغواء المدينة، وحيث التعرف على تفاصيل وأسرار وطقوس وسلالات ذلك العالم، عبر تتبع ثيمة «الهجرات»، والكشف عما صنعته من وجود مواز لها في مصر، إذ اصطنع هذا الوجود صدمة فارقة، لها سرديتها في إعادة توصيف طبيعة تلك الهجرات، وفي تمثيل وجودها داخل النظام الطبقي والعمران الاجتماعي، وعلى نحوٍ جعل من تلك السرديات، وكأنها لعبة تفضي إلى التعرّف على هوية مكان الهجرة، وعلى تحولاته ورمزيته، من خلال حكايات الجد والأب، بوصفها حكايات السلطة، وهي تنزع إلى استملاك الأرض والنساء، وتمثيل فكرة القوة التي تتغذى صورها من خلال حكايات النساء وهنّ يستبطنّ المخفي والسري والشغف عبر الحب والوجود والموت..
في روايتها «نقرات الظباء» الصادرة من دار الشروق/ القاهرة 2014 تفتح أفقا لتجديد رؤيتها لسرديات الصحراء، عبر مقاربة ذلك المحذوف من أسرارها، ومن علاقة أسفارها بتحويل المكان البدوي العابر إلى مكان إيوائي، له تمثلاته في اصطناع علاقات جديدة، وتوصيفات جديدة للوجود الذي يتحول إلى سلطة، وإلى بيئة تُخفي المقموع في السياسي والاجتماعي والأنثروبولوجي، وما هو سري في الحكايات والمرويات، وباتجاه تأطير تقانة «المتخيل السردي»، ليكون عنصر توليد ومقاربة لتتبع حكاية هجرة البدو و»العربان» إلى مصر، بعد الفتح العربي، وفق مسار يُعطي للسردية الانثروبولوجية دورا في صياغة تمثيل تلك الحكايات، وجعلها مجالا تبئيريا لأحداث كبرى، تربط تلك الهجرات بالصراعات السياسية، وبطبيعة التحولات التي استغرقها المكان المصري، ليكون مفتوحا للهجرات العربية، وهو ما أعطى للرواية هامشا في تقصي عوالم تلك الجماعات المهاجرة، والحكايات التي يصنعونها عن الأرض والنساء والسلطة والمقدس، حتى بدت الرواية وكأنها نوع من الأنثروبولوجيا السردية، التي تنطوي على أسرار هجرات تلك الجماعات إلى «البر المصري»، وعلى خفايا تشييد وجودها، وتموضعاتها الطبقية والسياسية والزراعية، وصولا إلى تحولها إلى جماعات «إقطاعية» لها سلطتها وطقوسها وأسرارها، ونظامها القرابي، الذي انعكس على اغتراب علاقتها بالآخرين، وعلى نظرتها إلى العالم السري للنساء، بوصفهنّ جزءا من منظومة الاستملاك الحسي والإنساني..
وعلى نحوٍ جعل من هامشها قوة زاحفة تتبدى من خلال سلطة المكان/ هامش المدينة، أو من خلال تغويل ذكورة «الصحراء»، التي تتفجر من خلالها رغبات عميقة في الشهوة والتمرد والرفض، وفي إعادة توصيف المكان المغلق بعاداته ومركزياته الاجتماعية والطبقية، فما عمدت إليه الروائية يكشف عن المخفي في تحولات المكان، في علائقه وعاداته وتقاليده، وفي ما يتعلق بعلاقته مع سرديات تلك المرأة الأضحوية، وتمثيل خضوعها وتمردها، وعلاقاتها المقموعة مع الرجل والجنس، فمركزية الصحراء تبدت من خلال هيمنة العادات والطقوس التى جلبها العرب إلى البيئة المصرية المدينية، وكذلك من خلال تقويض مركزية الجسد، وإعادة تمثيل النظرة الوصفية والطبقية للمرأة، فترصد الروائية تحولات شخصياتها من خلال المراجعة التاريخية والأنثروبولوجية، وباتجاه يجعل من «البداوة» عنصرا فاعلا في تغذية السلطة، والنظام الطبقي فيها، عبر السيطرة على الأرض والزرع والتجارة والجسد، ما جعل السلطة الجديدة في مصر تتقوى بعد الفتح من خلال بدو الصحراء، عبر تحولهم إلى قوة منتجة، وإلى قوة فاعلة لها دورها في إنعاش «المملكة الشركسية»، حيث تحوّل أغلب رجالاتها إلى إقطاعيين يملكون رساميل الأرض والفلاحين، ما أعطى لهذه السلطة هيمنة مجاورة امتدت من الأرض إلى الجسد، وإلى تحجيم الأنوثة داخل النظام، والملكية، وفي مؤسسة «الزواج» مثلما كانت داخل « الخباء» كما أشارت إليها في روايتها الأولى..
المكان والفقد والتحول
حدث ثورة يوليو/تموز 1952 يتحول إلى لحظة مفصلية، على مستوى تقويض المكان الطبقي، والجسد الطبقي، فانهيار العالم القديم ينسحب إلى تحول الشخصيات، وإلى تمثيل انهيار مصائرها الوجودية والنفسية، فالأب يبحث عن تعويض رمزي، عبر هوسه باستعادة غريزة الامتلاك، والإيهام برمزية قوته من خلال ملاحقة الطيور الجارحة، ورمزيتها في اصطياد الفرائس، فضلا عن البحث عن غريزة السلالة ونقاء المحتد، وهي غرائز أجهضها التحول الكبير في الحياة السياسية والاجتماعية والطبقية..
أحداث 1952 تحولت إلى قوة طاردة، لتقويض مركزية السلالة، كمعادل رمزي لتقويض التاريخ والسلطة، فما تتعرض له الشخصيات من صدمات ومفارقات، يتقابل معها انهيار النظام الإقطاعي، وخروج الجسد من الاستملاك، والشغف بالبحث عن هوية غائبة، من خلال إعادة النظر بالتحيزات الطبقية الجديدة، وبتحرير الجسد من السلطة/ سلطة الجد وحكاياته، وبالشكل الذي يفتح أفقا لاستغواء حضور السرد المضاد، حيث يتحول اختفاء السارد القديم، إلى احتفاء بصعد السارد/ الساردة الجديدة إلى لعبة الحكي، والانخراط في تدوين الحياة الجديدة والمعقدة، فمع فقدان الطبقي الاجتماعي هيبته وسلطته، وفشل «بنت شيخ العرب» في استرداد هويتها المُغيّبة، وفي استعادة الصحراء كقيمة مكانية، يأخذ الصراع بعدا آخر، يقوم على استثارة فكرة الاستعادة، بوصفها تعويضا عن الغائب، لكن ذلك يتقوض مع تحول الصحراء إلى بنية سياسية، فتفشل محاولات العرائض التي أرسلت إلى السفارة السعودية لاستعادة العلاقة مع التاريخ، والاستدارة إلى تمثيل العودة إلى المكان/ الحجاز/ الأصل، وهي إشارة مفارقة إلى التحول الذي استغرقته صدمات التغيّر في المكان/ السلطة، وفي موت رمزية الصحراء من خلال موت رمزية أبطال حكايتها..
قد تبدو هذه الرواية ساخرة من التاريخ، لكنها بالمقابل تستدعي مراجعته، عبر تتبع أثره، من خلال الحفر في أنثروبولوجيا المكان واللغة والجسد، وفي سيرة الهجرات العربية إلى مصر، والتعرّف على تحولها الطبقي كسلطة مسّ وجودها المكان والجسد، مثلما كشف انخراطها في «المدينة المصرية» عن تناقضات صادمة، بين الاحتفاظ بنزعة الامتلاك الطبقي والجنسي، وتشظي أبنائها خارج المكان، كتورية للهروب من السلطة ومن قمعها.
كما حفلت الرواية بإحالات رمزية متعددة، أعطت لفاعلية السرد توجها في استكناه المخفي منها، فموت «رمزية الفرس الأصيل» يقابلها حضور «الهجنة» كدال على تقوض تلك الإصالة، عبر أنسنة التلاقح بين الهويات والأجناس، وعبر تحول حديث «العجائز» عن البطولة وعن السيرة تحول إلى حكايات باهتة، تُخفي في جوهرها موت المكان، واغتراب الطبقة والسلالة والجسد الصياني.. نهاية سلطة «الجد الأكبر الشافعي السليمي» هي نهاية سيرة «البطل القديم» ومدوناته القديمة التي يرهن وجودها بسطوته الطبقية، وبالتغني بأمجاده وأمجاد سلالته، من خلال تمجيد سيرتها وطقوسها وحكايات شعرائها ومغنيها، فبقدر ما حاولت الروائية استدعاء بنيات فلكلورية لتغذية متنها السردي، فإنها بدت أكثر حيوية في تقديم بانوروما أنثروبولوجية عن سرديات التحول في الصحراء/ المكان، وفي سيرة القبيلة/ الوجود، من خلال الحفر في سيرة الأب واخته وبناته، بوصفها أقنعة لتمثيل الزمن السياسي والطبقي، وللتحولات الفارقة التي انغمروا بها، وعلى نحوٍ جعل من النظام المغلق الذي صنعته الصحراء عرضة للتغير، وكمقابل للتغيّر في عوالم شخصياته، وفي الصدمات التي تعرضوا لها في «المكان السلالي» وفي التعالي الطبقي، وفرض سطوة الاضطهاد على الاتباع، وعلى الجسد الذي يخضع إلى إرغامات سلطة الامتلاك، وهذا ما أعطى لعتبة عنوان رواية «نقرات الظباء» بعدا رمزيا اكثر إثارة، في إحالته لأصوات الأنوثة المضطهدة، أو في إشاراته لبقايا الأثر القلق والمبعثر الذي تتركه الظباء لصغارها…
المدينة والآخر والهجنة..
التمرد على المكان هو نظير التمرد على النظام، وخرق المألوف والمهيمن فيه، كما حدث لوالد مهرة، الذي درس في «فيكتوريا كولج»، وللحفيد «نافل» الذي أرسله الجد إلى باريس ليتعلم المحاماة، فيكسر الطوق عبر زواجه في أمريكا، ونشر صور زوجته اللبنانية، وصور ابنته صوفي، مثلما جعل هذا التمرد ثيمة دالة على الفقد الطبقي، وعلى أوهام السلالة، وعلى تحويل الهجنة الطبقية والقرابية إلى أداة لخرق المألوف، ولتقويض السلطة التي كرسها الجد على المكان والجسد.
قد تبدو رواية ميرال طحاوي، رواية نسوية بامتياز، فقد عمدت إلى استبطان سرديات الحرمان والكبت الوجودي والجنسي لشخصياتها، مثلما عمدت إلى استقراء ذلك من خلال علاقة هذا الحرمان بالسلطة التي يمثلها النسق القرابي للجد والأب والأخوة وابن العم، والذي تكرس عبر الاستملاك المقدس للأرض والرغبة، وهو ما كان حافزا دافعا إلى التمرد، وإلى البحث عن الذات من خلال الخروج على النظام القمعي، عبر استدعاء الطقوس والغناء والأشعار كنوع من مواجهة «الفناء» كما تجسدت مهارة الروائية في اختيارها الأسماء، فبقدر ما تحمله دلالات بدوية، فإنها كانت توحي بالقلق الوجودي والرمزي، وبشهوة الهروب إلى الحرية، مثل مهرة، طيرة، سهلة، سقاوة، هند، مثلما عمدت إلى هذه الأسماء في «نسق سردي» استغورت من خلاله التحولات والمفارقات التي عاشتها تلك الأسماء، في سياق تمثيلها للنظام القرابي/ العصابي، ولسلطة الذكورة، مقابل شغفها بتمثيل تمردها المديني، وبحثها عن الحرية وعن الذات وعن الأثر الذي يصنعه الجسد..
كاتب عراقي