لم تُسلِّم إيران بأفول مشروعها التوسعيّ وتكريس نفوذها في غرب آسيا، المنطقة التي عملت على التمدُّد في دولها. تُدرك حجم المتغيرات لكنها لا تُسلِّم بالوقائع الحاكمة، إنما تتعامل بخيارات يمكن وصفها بـ«العقلانية» و«البراغماتية»، وبمهادنة سياسية حيناً وعسكرية حيناً آخر لقطع الطريق على أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإيرانية التي يعمل عليها مع الأمريكيين، والتي يراها أقرب إلى إمكان التحقق مع وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض.
ما يسود من اقتناع لدى «منظّري المحور» أنه رغم توقيع ترامب لقرارات تنفيذية ترفع من منسوب الضغوط على إيران إلى الحد الأقصى، فإن ثمة مساراً تفاوضياً يجري في مكان ما على «ربط النزاع» بين طهران وواشنطن، وقد تكون هذه عملية تكيُّف مع الظروف القاسية التي تواجهها و«المحور». وكل الظن لدى «المحور» أن الفرصة التفاوضية موجودة على الطاولة على الأقل لخمسة أشهر مقبلة، وإن كانت إيران على يقين بأن ترامب يستخدم طموح نتنياهو بضرب برنامجها النووي سيفاً مسلطاً عليها للإتيان بها إلى طاولة المفاوضات مقلَّمة الأظافر وبأقل قدر من القوة إنْ لم تكن منزوعة الأنياب، وذلك عبر إحكام وسائل التطويق من خلال الحد الأقصى من فرض العقوبات عليها، وإضعاف أذرعها على رقعة الشطرنج، والضغط على الوضع الداخلي فيها.
ما عادت معادلة «رابح رابح» بالنسبة إلى الإيرانيين موجودة، لكنهم لن يُوقِّعوا راية الاستسلام في الساحات التي كانوا يسيطرون عليها: في غزة، يُراهنون على أن بقاء وجود فصائل فلسطينية حليفة تحمل لواء المقاومة في القطاع أو في الضفة الغربية هو انتصار لها، وستقوم بتأمين سبل الدعم لهذه الفصائل بما أمكنها من وسائل؛ وفي لبنان، لا يألون أي جهد أو وسيلة من أجل إعادة استنهاض «حزب الله»، ويقودون عملية إخراجه من لحظة الضربات القاصمة وتداعياتها إلى مرحلة استيعاب نتائج هذه الضربات، والانتقال إلى مرحلة التعافي التي ستأخذ وقتها. ويأتي في هذا السياق، الموقف التكتيكي للحزب بالتسليم بتطبيق القرار 1701 والانسحاب إلى جنوب نهر الليطاني وإيلاء المسؤولية للشرعية اللبنانية وللدولة في إعادة الإعمار، بمعنى أن «الحزب» يتلطى خلف الدولة، ويُسلّم راهناً بإقفال جبهة الجنوب مع إسرائيل إلى حين استعادة تعافيه وبناء ترسانته العسكرية. أما في سوريا، حيث كانت الضربة الاستراتيجية الأكبر لإيران ولـ»حزب الله» مع انهيار نظام بشار الأسد وانقطاع الشريان الحيوي الواصل من طهران إلى بيروت، تذهب القراءة الإيرانية إلى أن سوريا لا تزال ساحة مفتوحة لكل وسائل الاستثمار للاعبين الكبار. ويؤكد منظّرو «المحور» أن الإيرانيين يراهنون على أن متغيرات سوريا بوجهتها العامة لن تكون لمصلحة الإسرائيليين. أما العراق واليمن، فتنظر إيران بارتياح أكبر إلى وضعها في هاتين الساحتين إذ تملك أوراق قوة أكبر، وتحرص على عدم المقامرة بنفوذها العراقي إلى درجة قد تستدعي مواجهات كاسرة لتواجدها هناك، وبذات الحرص تعمل على الحفاظ على ورقة جماعة «الحوثي» في اليمن المتعلقة بتوازنات المضائق والبحار ومنطقة الخليج.
تلك القراءة لمنظّري «المحور» حول الرهانات الإيرانية تحمل كماً من الأوهام عن القدرة على الحد من الخسائر وإعادة استنهاض مشروعها وأذرعها في الساحات التي تتواجد فيها أذرعها العسكرية، بحسب القراءة المقابلة، التي ترى أن إيران مدركة تمام الإدراك أنه مع انهيار «حزب الله» عملياً في لبنان وسقوط النظام السوري ومحاصرة حركة «حماس» إلى الحد الأقصى، فإنها فقدت أي قدرة على استخدام أوراق حقيقية بالمنطقة، ولا سيما مع إدارة ترامب الذي منذ دخوله إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير 2025 وهو يُربك العالم بأسره ويعيش الجميع على وَقع تصريحاته وقراراته، ومع الدعم الكبير الذي يحظى به نتنياهو والذي يبدو مطلق اليدين ولن يُفوِّت فرصة الانقضاض الكامل على إيران وأذرعها، فضلاً عن يقين طهران بأن ما جرى في المنطقة هو نتيجة قرار كبير دولي اتُخذ لتغيير موازين القوى التي كانت سائدة من قبل وبقرار دولي أيضاً، تبدَّلت اليوم وجهته.
والاعتقاد السائد على المقلب المناوئ لإيران أن إسرائيل لن تتوقف عند الحد الذي وصلت إليه، وأنها ستُكمل ما بدأته. العين على ما ستشهده المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة بعدما تكون إسرائيل قد تسلَّمت الرهائن الإسرائيليين الأحياء، بالتزامن مع خطة ترامب التي ما زالت على الطاولة لتهجير أبناء القطاع تحت عنوان إعادة إعمارها وتحويلها إلى «ريفييرا الشرق». والقلق على الضفة الغربية من أن تشهد مصيراً مماثلاً لتدمير غزة، بحيث لا تعود قابلة هي الأخرى للحياة، تماشياً مع البعد الديني اليهودي لأهمية يهودا والسامرة وأحقية ضمّها إلى إسرائيل، والذي يُشكِّل جزءاً من قناعة ترامب وفريقه.
والعين على لبنان أيضاً، حيث بقي الجيش الإسرائيلي في خمس تلال استراتيجية، وسيخلق كل المبررات للبقاء فيها في المدى المنظور، من بوابة محاولة «حزب الله» للبقاء في جنوب الليطاني وبقاء ترسانته العسكرية شمال الليطاني في ظل ميوعة لبنانية من التقاط الفرصة الذهبية للذهاب إلى بسط الدولة سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية وإعادة بناء مؤسساتها والقيام بالإصلاحات المطلوبة منها للحصول على المساعدة والدعم سواء العربي أو الدولي، والبدء بإعادة إعمار القرى المنكوبة ولا سيما على الحافة الأمامية. هذا فضلاً عن أن بقاء إسرائيل في التلال اللبنانية سيشكل بذاته عاملًا لضرب تنفيذ القرار الدولي 1701.
صحيح أن ثمة اتجاهاً قوياً إلى أن قدرة «حزب الله» على مواجهة إسرائيل تلاشت، لكن قدرته على ضرب الاستقرار الداخلي حاضرة، وهي لا تزال ورقة قادرة إيران على استخدامها، ووجهت من خلال أحداث طريق المطار رسالتها الأولى. وفي هذا الإطار، يؤكد عارفون بكواليس «حزب الله» أن مشهدية تشييع الأمين العام لـ«الحزب» السيد حسن نصرالله في 23 شباط/فبراير هي قرار إيراني بامتياز، تريد منه بالحضور المتميز للقيادات الإيرانية ولحلفائها من الميليشيات العراقية واليمنية الآتين من الخارج إلى بيروت أن ترسل الرسائل في اتجاهات عدة، وفي مقدمها أن «المحور» ما زال قادراً على توحيد ساحاته أو ما تبقى له منها. تريد إيران أن تقول إنها لا تُسلِّم ولن تُسلِّم بسهولة، ولن تتوانى عن أن تستخدم ما لديها من أوراق سواء في فلسطين أو لبنان وسوريا والعراق واليمن، في إطار تحسين وضعها على طاولة التفاوض خلال الأشهر المقبلة. على أن ما ستؤول إليه المنطقة في المستقبل القريب ينتظر نتائج محطات مفصلية، منها ما حصل كلقاء ترامب – نتنياهو في واشنطن وما حمله من تعهدات بين الرجلين، والمحادثات الأمريكية – الروسية التي جرت على مستوى وزيري خارجية البلدين برعاية سعودية في الرياض حيث كانت إيران جزءاً من أجندة البحث، وهي كانت شريكة لروسيا في الحرب على أوكرانيا من خلال مسيراتها وصواريخها الباليستية، والتي يُفترض أن تعقب المحادثات قمة بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين لترميم العلاقات الثنائية وبحث الملفات من أوكرانيا إلى إيران والشرق الأوسط. أما المحطات الآتية، فأصعبها وأكثرها تحدياً، هي الخطة العربية لقطاع غزة البديلة لخطة ترامب والتي سيتوقف عليها مستقبل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وفرص حله وإحلال السلام أو بقاء المنطقة في أتون الحروب.