جنين ـ «القدس العربي»: شهدت الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة سلسلة من العمليات العسكرية الإسرائيلية التي استهدفت مدنها ومخيماتها، حيث نفّذ الجيش الإسرائيلي عدة اجتياحات واسعة، مختلفة الأهداف، لكن المؤكد حسب باحثين ومحللين للواقع الفلسطيني هو انها أوصلت الضفة الغربية وتحديدا شمالها للحالة التي وصلتها اليوم ضمن عملية «الأسوار الحديدية».
فمن العملية العسكرية «كاسر الأمواج» التي بدأت في 31 آذار/مارس 2022 واستمرت ثمانية أشهر في الضفة الغربية، إلى عملية «بيت وحديقة» التي انطلقت في الفترة الممتدة بين 3 و5 تموز/يوليو 2023، واستهدفت مدينة جنين ومخيمها، أسفرت عن استشهاد ما لا يقل عن 18 فلسطينياً خلال الاشتباكات. وصولا إلى «المخيمات الصيفية» التي انطلقت في 24 آب/اغسطس 2024، انتهاء بالعملية الحالية التي دخلت الشهر الثاني في شمال الضفة.
يعلق الصحافي ابن مدينة جنين محمد بلاص على مجمل ما تكرس بفعل العملية العسكرية على المدينة ومخيمها بالقول: «التعايش مع الاحتلال أصبح أمرا طبيعيا في جنين وضواحيها والذي يقول غير هذا الكلام كذاب، الجيش يتجول بين الناس وفي الشوارع بكل حرية رغم وجود أزمة خانقة والضباط يتحدثون مع من يرغبون».
تصريحات الإعلامي بلاص تشير إلى معطى جديد على مستوى العلاقة المباشرة ما بين المواطنين وجنود جيش الاحتلال بفعل الواقع الجديد الذي فرض على المدينة ومخيمها.
وهو الأمر الذي دفع الإعلامي عاطف أبو الرب، ابن مدينة جنين إلى التساؤل: «في ظل الإشاعات المتداولة حول خطط الاحتلال بخصوص مخيم جنين وغيره من المخيمات، أين دور السلطة في منع أي تغيير للواقع السيء الذي نعيشه، ومنع ما هو أسوأ؟ وهل هناك خطط لدى السلطة لوقف هذه الخطط، أم انها ستسلم بما يقره الاحتلال؟».
وكان جيش الاحتلال خلال الفترة الماضية قد دفع بدوريات شرطة للعمل في جنين، في دلالات خطيرة، حيث توقع المواطنون أن توضح السلطة الموقف الوطني.
أحمد أبو الهيجا، باحث في علم الاجتماع السياسي والحركات الاجتماعية، يرى أن المواطن الفلسطيني ذكي للغاية، فالواقع الجديد في المدينة لا يفرق كثيرا معهم، «فنحن نعيش تحت الاحتلال منذ عام 1967، والجيش الإسرائيلي يقتحم ويعتقل ويقتل بشكل يومي، أنا أشعر أن الجديد هو زيادة في معيار التوحش الإسرائيلي، وفي المقابل ليس هناك شيء جديد على مستوى علاقة المواطنين مع الاحتلال، فهو موجود في كل التفاصيل في حياتنا منذ اليوم الأول الذي ولدنا فيه».
وتابع أبو الهيجا في حديث خاص بـ«القدس العربي»: «الجديد ربما ما يمس بهيبة الحكومة والسلطة الفلسطينية بشكل عام، هنا، أنا كمواطن فلسطيني لا يعنيني الأمر كثيرا، فهي سلطة تقع تحت الاحتلال، وبالتالي كفلسطينيين لم يختلف علي شيء نهائيا سوى الزيادة في معيار التوحش كما ذكرت، وهذا ليس مبررا كي أغير نمط حياتي وممارساتي اليومي». ويخلص أبو الهيجا إلى أن «هناك حاجة للتفريق بين جغرافيا كانت تعيش التحرير الوطني وأصبحت تحت احتلال، وبالتالي هنا يمكن أن أذهب لعصيان مدني طويل، وبين احتلال موجود ومتواصل وفي كل التفاصيل والجديد انه أصبح أكثر وضوحا وموجودا بين المواطنين، هنا ليس المطلوب من المواطنين تغيير نمط حياتهم، بل يفترض أن تكون هناك خطة مواجهة لتفعيل المقاومة ضد الاحتلال، لكن تعطيل حياة الناس بحد ذاته ليس فعلا وطنيا للمواجهة، هنا اختلف مع كثيرين حول المصطلح، فكلمة التعايش الجديد مع الاحتلال مصطلح مضلل، لكونها تعني أننا لم نكن تحت الاحتلال والحملة الأمنية الإسرائيلية عملت على إعادة احتلال مدينة ومخيم جنين».
وتابع أن الموقف الأساسي الرئيسي المطلوب هو من الاحتلال كله وبحد ذاته، وليس من الإجراءات الجديدة في جنين.
وحول ما تدحرجت إليه العملية العسكرية على مخيم جنين يشدد الباحث أبو الهيجا أن أي إنسان يعرف أن الأمور ستتدحرج لهذا الواقع، وربما لواقع أسوأ منه، والسلطة الفلسطينية تدرك ذلك، وهي ليست غبية، ما المختلف إذا؟ يجيب عن ذلك بالقول: «لكنها لديها قرار البقاء بأي ثمن وفي ظل أي ظروف، فالسلطة تعي تماما الواقع، لكنها بنفس الوقت اتخذت قرارا انها لا تريد دفع أي ثمن، في ظل أن استراتيجيتها الواضحة هي البقاء، وهذه فكرة لا تؤسس لسلوك ولا تفرز موقفا وطنيا».
ويكمل: «السلطة تدرك تماما أن الهدف الأخير للاحتلال بعد القضاء على كل شيء هو القضاء على السلطة نفسها، وهي في المحصلة كجهة أو طرف تعمل كمن يعيش حياته يوما بيوم ليس أكثر».
ويضيف أبو الهيجا أن العملية العسكرية المتدحرجة في الضفة كانت واضحة منذ فترة طويلة، «نحن ذاهبون لسيناريوهات مظلمة في العلاقة مع الاحتلال نحن جزء منها، ومسؤولون عن التأسيس لها، فالإسرائيليون قاموا طوال العقود الماضية بالمراكمة في كل شيء للوصول للسيطرة المطلقة على الضفة، وفي ظل غياب برنامج مجابهة لا يجب عليك أن تتفاجأ بما يجري في جنين».
ويشير إلى أن المتابع يرى بوضوح أنه ليس هناك أي اختلاف في الخطة الإسرائيلية، بل نحن أمام مرحلة من نفس الخطة، وهي معلنة ويعرفها الصغير والكبير، وسنستمر على هذا النحو طالما ليس هناك لدى الحركة الوطنية أي استعداد لدفع الثمن.
هنا الإشكالية، والحديث للباحث أبو الهيجا، مرتبطة بنوع من «التعامي»، في ظل أن عملية اظهار الحقائق على أصولها والحديث عن المشروع الإسرائيلي بصراحة مطلقة تعني أن تكون هناك مساءلة لما وصلنا إليه وماذا علينا أن نفعل للمواجهة، وهذا غائب تماما في ظل أنه ليست لدينا إرادة لدفع الثمن لتطبيق أي خطة للمواجهة.
تطويع بالإنهاك
الباحث والأكاديمي في العلوم السياسية والاقتصاد السياسي إبراهيم ربايعة تحدث لـ«القدس العربي» عن المشاهد القادمة من مخيم جنين بالقول إن «الرؤية الإسرائيلية أساسها أن جنين مساحة اختبار لكيف تتعامل في المستقبل في الضفة الغربية».
ويكمل حديثه بالإشارة إلى أن «ما يحدث في جنين يحمل عدة أبعاد لاختبار مجموعة من الأمور، أولا: تطبيع العلاقة مع المجتمع الفلسطيني بحيث تكون علاقة الاحتلال مع المواطنين من دون وسيط، وهناك العديد من المؤشرات خلال الفترة الماضية، أما ثانيا: فالهدف منها إنهاء حالة المخيم بشكل كامل، ومثلما بلغ الاحتلال بلدية جنين، فالمخيم هو حي من أحياء المدينة».
ويرى ربايعة أن الهدف ليس فقط تدمير المكان بل البقاء في المخيم لفترة طويلة أو على الأقل منع الفلسطينيين من العودة للمخيم. «نحن هنا إزاء محاولة إجبار النازحين على البحث عن حياة في مكان بديل، وبالتالي يبحث الفلسطيني عن الاستمرار في حياته في المكان الذي نزح إليه. ولذلك الاحتلال يتحدث عن الحديث عن بقاء طويل المدى. يتكيف الفلسطيني أولا مع وجود جيش الاحتلال في تفاصيل الحياة اليومية، خاصة في رمضان، مع وجود الجيش في الأسواق وبين الناس. وهذا بدأت تختبره القوات الإسرائيلية، وثانيا خلق حالة من اليأس وفقدان الأمل بالعودة للمخيم وبالتالي تكييف حياة الفلسطيني خارج النطاق الجغرافي. وهندسته من جديد بشكل مختلف لا يسمح بعودته كما كان».
ويرى ربايعة أن مصطلح «التطويع بالإنهاك» يفسر واقع الضفة الغربية وشمالها تحديدا، «ما عمل عليه الاحتلال خلال السنوات الماضية هو التطويع بالإنهاك. لقد تم إنهاك ليس فقط مخيم ومدينة جنين بل الضفة الغربية، حدث هذا قبل حرب الإبادة وصولا إليها وحتى اللحظة، فالاقتحامات في الضفة الغربية وشمالها كانت تقوم على تدمير البنية التحتية وضرب المؤسسات القادرة على التعافي السريع، فالمؤسسات منكوبة وليست هناك استجابات سريعة والسلطة لا تمتلك الموارد للمساعدة بالشكل الواسع المطلوب».
ويرى أن المتابع يخلص إلى أنه ليست هناك مؤشرات هبة شعبية واسعة للتصدي للاحتلال. «ليست هناك خطة ولا تنظيم… بسبب الإنهاك أولا والحالة المتردية فصائليا، كما أن المؤسسات الرسمية منهكة، حيث لا نرى أن هناك بوادر استجابات ميدانية». ويشدد على أن غياب الموقف من حضور جيش الاحتلال في داخل مدينة جنين وتعاطيه مع المواطنين بشكل واسع مرده الحالة الفصائلية وموضوع الانقسام والتجاذبات السياسية حول اليوم التالي. «فكل ذلك كان على حساب الرؤية في مساحة الصراع في الضفة الغربية، إلى جانب غياب الفواعل السياسية الميدانية نرى أن هناك من طاله اليأس، كما أن إجراءات قمع الاحتلال دفعت بالبعض إلى التراجع عن أي استجابات سريعة، في ظل عجز البعض عن قراءة أن المشهد يقول إن الحرب في جنين لها امتدادات لباقي المخيمات في الضفة على قاعدة التطويع الجديدة».
ما هي الأهداف الكامنة وراء الحرب الإسرائيلية على المخيمات في الضفة الغربية؟
يتوقف الباحث في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع أمام تصريحات يسرائيل كاتس، في 2 شباط/فبراير 2025، حيث قال: «لن يعود مخيم جنين كما كان عليه» وهي جملة تضع الفلسطيني أمام طبيعة العملية العسكرية التي تستهدف المخيمات الفلسطينية وخصوصاً في شمال الضفة الغربية، وهو يجادل في أن عملية «السور الحديدي» تختلف عن العمليات العسكرية السابقة في الضفة الغربية بثلاثة أبعاد رئيسية: أولاً، تتجاوز هدف محاربة الفصائل المسلحة إلى تصفية البنية التنظيمية للمقاومة بشكل أوسع. ثانياً، تستهدف تدمير المخيمات وتهجير سكانها كما حدث في جباليا. ثالثاً، تعكس تحولاً في الرؤية الإسرائيلية، حيث تسعى إلى حسم الصراع عبر التهجير القسري، في تطور يتجاوز سياسة إدارة الصراع نحو محاولة إنهائه جذرياً. وحسب الباحث مناع فإن العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية، هي جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية وأمنية بعيدة المدى، ومن أبرزها: أولاً، محاربة المخيم واللاجئ وفكرة «العودة» حيث تعتمد إسرائيل في عملياتها العسكرية داخل المخيمات الفلسطينية على سياسة الهدم واسع النطاق، التي تهدف إلى منع السكان من العودة إلى منازلهم فترات طويلة، ما يضطرهم للبحث عن مأوى بديل، وقد يُفضي ذلك إلى تهجير دائم. وثانياً، نهج جديد في إعادة تشكيل الضفة الغربية سياسياً وجغرافياً: تتقاطع الكثير من التحليلات لسلوك الجيش الإسرائيلي اليوم بشأن أن إسرائيل تنتهج سياسة جديدة أكثر عنفاً تهدف إلى تغيير معالم الضفة الغربية.
وكانت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية قد اختارت عنوان «غَزْيَنَة الضفة» في إشارة إلى محاولة الجيش الإسرائيلي تهجير أهالي غزة واستنساخ التجربة في الضفة الغربية، ولو على شكل تهجير مصغّر.
جاء ذلك في الصحيفة عبر مقال افتتاحي حيث أكدت إنه بينما يدعي الجيش الإسرائيلي عدم وجود نية للتهجير، تشير الشهادات إلى خطة لتغيير ملامح المخيمات الفلسطينية شمال الضفة الغربية بموافقة المستوى السياسي.
واعتبرت الصحيفة الإسرائيليّة أن ما يجري في مخيمات شمال الضفة ليس سوى «ترانسفير مصغّر»، حيث تُستخدم ذريعة «محاربة ما يسمى الإرهاب» لفرض واقع جديد يخدم أجندة المستوطنين ويقضي على أي إمكانية لحل الدولتين.
وتُقدّر أعداد المهجرين من مخيمات جنين وطولكرم وطوباس بحوالي 40 ألفًا نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر. وفي وقت سابق ذكر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، رئيس دائرة شؤون اللاجئين أحمد أبو هولي، أن حجم الدمار في مخيمات الضفة الغربية بلغ مستويات غير مسبوقة، نتيجة 935 اجتياحا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 400 مواطن، غالبيتهم من الأطفال، وإصابة أكثر من 1250 آخرين، إضافة إلى اعتقال 2.368 مواطن، وتدمير أكثر من 800 وحدة سكنية.
وحذر أبو هولي، من خطورة الأوضاع المعيشية والاجتماعية والصحية في مخيمات شمال الضفة الغربية، وتحديدا طولكرم، ونور شمس، وجنين، والفارعة، التي تتعرض لحملات تهجير قسري ممنهجة.
وأشار إلى أن الاقتحامات المتواصلة أدت إلى تدمير البنية التحتية للمخيمات، بما يشمل شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات، إضافة إلى تخريب المؤسسات العامة، وخاصة مقرات اللجان الشعبية داخل المخيمات، مشددا على أن هذه الاعتداءات تأتي في سياق محاولة الاحتلال طمس الشواهد التاريخية على نكبة 1948.