باعة الكتب المستعملة في المغرب: حرّاس ذاكرة ثقافية تأبى الانقراض!

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
3

الرباط ـ «القدس العربي» : في زمن باتت فيه التكنولوجيا تهيمن على مصادر المعرفة، ما زال عشاق الكتب المستعملة في المغرب يخوضون رحلة بحث أشبه بالعثور على إبرة في كومة قش، سعيا وراء كنوز معرفية ضاربة في عمق السنين.
حتى وقت قريب، كانت هذه الكتب تتكدس في محلات صغيرة داخل المدن العتيقة، حيث يجد الزائر مؤلفات تعود إلى فترات مختلفة. ورغم التحديات، تظلّ أسواق الكتب المستعملة صامدة في وجه الزمن، مثل «سوق الحفرة» في الدار البيضاء، و»سوق الليدو» في فاس، و»سوق باب دكالة» في مراكش، بفضل جهود الباعة، أو «الكُتبيين» الذين يعتبرون أنفسهم حراسا لذاكرة ثقافية لا يجوز التفريط فيها. وبينما يتراجع الإقبال على القراءة، وتتضاءل فرص الرواج، يستمر هؤلاء في «نضالهم» من أجل إبقاء الكتاب المستعمل جزءا من يوميات المغاربة، إيمانا منهم بأن للورق حياة لا تُعوّض بشاشة إلكترونية تمارس غواية خاصة.

الخوف من الانقراض

إلى حدود عام 2019 كان موعد آخر دورة من المعرض الوطني للكتاب المستعمل، الذي تحتضنه الدار البيضاء، وما زالت «ساحة السراغنة» في العاصمة الاقتصادية، تترقب عودته، فقد كانت جائحة كورونا هي سبب التوقف، لكن ما بعدها يعود إلى رؤية وزارة الثقافة، التي لم تفصل بعد في طريقة تنظيمه أو دعمه. لذلك يقول مدير المعرض يوسف بورة، إنه يتمنى مستقبلا مقابلة وزير الثقافة الذي «ربما لديه مغالطات حول طريقة اشتغالنا»، وأكد أنه سيكون محظوظا إذا طرح عليه بعض الملاحظات حول الدورة المقبلة، كما تمنى أن يكون اللقاء قريبا، لما فيه مصلحة القراء ومصلحة البيضاويين (نسبة إلى الدار البيضاء).
الترقب الذي عبّر عنه يوسف بورة رئيس «الجمعية البيضاوية للكتبيين» ومدير «المعرض الوطني للكتاب المستعمل» متحدثا لـ»القدس العربي»، نابع من الخوف على انقراض مهنة الكتبي، لأن هذا الأخير «ربما يعيش آخر أيامه»، وذلك «لعدة اعتبارات من بينها كون غالبية زبائنه من الطبقة الفقيرة والمتوسطة، في مقابل قليل من الميسورين». وحدد بورة عدد الكتبيين في المغرب بـ400 كتبي ممن يبيعون الكتب المستعملة، موزعين عبر مجموع أقاليم المغرب، و»يشتغلون في ظروف صعبة جدا ماديا ومعنويا»، وحسب المتحدث فإن «وزير الثقافة لو علم بقيمة الدور الذي يقومون به ربما سيوفيهم حقهم». ويؤكد رئيس «الجمعية البيضاوية للكتبيين» أن «الكتبي مهنة شاقة وممتعة في الوقت نفسه، فهناك ملايين العناوين في جميع التخصصات من أدب واقتصاد وقانون وإسلاميات وعلم الاجتماع والفلسفة والإعلام، إلى جانب المجلات وكتب الطبخ أيضا بجميع اللغات، ولا ننسى المقررات الدراسية من الحضانة إلى الدكتوراه». وحسب يوسف بورة «كي تستمر مهنة الكتبي يجب أن يكون لديك مال قارون وصبر أيوب وعمر نوح»، لكنه يستطرد بحنين قائلا، «إن الكتبي لا يمل مهنته رغم عراقيلها، فهو بالنسبة لي مقاوم ولا يتخلى عن مهنته، رغم الإغراءات، فهو يعشقها بجنون».
ويشدد المتحدث على أن «الكتبي الحقيقي» لا يستفيد من مهنته ماديا لسبب بسيط يتمثل في ملايين العناوين وتعقيداتها، وفي كل ثانية هناك آلاف الإصدارات، وعليه أن يواكبها، ويبحث عن الجديد، رغم إمكانياته المادية الضعيفة، ورغم ذلك فإن ما حزّ في نفسه «هو انتشار كتب التنمية الذاتية، التي أصبح الإقبال عليها كبيرا جدا، عكس كتب نجيب محفوظ والعقاد وطه حسين وزولا وغوركي وغيرهم من الكتاب والمفكرين الكبار».

إفساد سوق الكتب المستعملة

وكما هو الحال مع الصحافة الورقية، فإن الحديث عن الكتب المستعملة حديث حنين وذكريات حميمية جدا، لا نفتقدها إلا عند اختفاء أسواقها أو إغلاق محلاتها، لذلك يؤكد الشاعر والأديب صلاح بوسريف أننا «لا ننتبه، عادة، إلى الدور الكبير الذي تلعبه أسواق، أو محلات الكتب المستعملة، وهي موجودة في الغرب، كما في العالم العربي، وفي آسيا». ويوضح بوسريف في تصريحه لـ»القدس العربي»، أن تلك «الأسواق والمحلات، بل ومعارض توجد فيها كتب نفيسة وعتيقة، في طبعاتها الأولى، التي لم تعد متاحة في المكتبات العامة. ودورها كما نجد في شارع المتنبي في بغداد، أنها تشي بوجود قارئ، وكذلك الأسعار فيها، في الغالب تكون جزافية، كما تؤكد أن الكتاب الورقي لم يمت، وأن سوقه لم تضمر، وأن دائما هناك قارئ، وباحث، ونسبة من الناس، في كل المجتمعات لا يحيون دون كتب، ودون مكتبات في بيوتهم، مثل حاجتهم إلى الفراش والطعام، أو إلى الماء والنور والهواء».
وتأسف المتحدث على اختفاء العديد من هذه الأسواق والفضاءات، «ولعل أشهرها سوق الكتبية في مراكش، الذي لم يتم إحياؤه، رغم أعمال الترميم التي جرت في هذه المعلمة التاريخية وبعدها الروحي والثقافي». وأيضا «كان هناك معرض سنوي للكتاب المستعمل في مدينة الدار البيضاء، أجهضته وزارة الثقافة»، ومعها أعضاء البلديات المنتخبة، «لتغاضيهم عنه، وكان مهما من حيث الكتب القيمة والمفقودة التي كانت تعرض فيه، وبأسعار جد مناسبة. كما كان الناس يقبلون على هذا المعرض، يقتنون منه ما يميلون إليه من كتب، في كل الحقول والمجالات».
لكن، يستطرد بوسريف، «سوق الكتب المستعملة، تم إفسادها، مع الأسف، بالكتب المقرصنة، التي غزت الأكشاك والأرصفة، دون أدنى مراقبة من قبل الجهات المعنية، وهذه الكتب تباع مقابل البرلمان المغربي، ولا أحد حاول حصر هذه الظاهرة المجحفة في حق الكتاب المطبوع، وقرصنة الكتب الجديدة، وهو ما ساهمت فيه صفحات ومواقع على وسائل التواصل الاجتماعي، التي يتم فيها تحميل كتب ما زالت في المكتبات، أو صادرة قبل أيام، أو في السنة نفسها».
إذن، يوضح الشاعر، «فمن الطبيعي، في ظل هذا الوضع، أن تضمر وتختفي أسواق، ومحلات الكتب المستعملة، التي هي غير واردة في دعم وزارة الثقافة ورؤيتها للكتاب، التي هي رؤية معطوبة، مشوبة بنوع من الجهل بدور القراءة والنشر، وحقوق المؤلفين، وكذلك الناشرين».

عشوائية ومبادرات فردية

من حديث كاتب وعاشق للكتب، إلى حديث مهني آخر، هو الحسن المعتصم رئيس «رابطة الكتبيين في المغرب»، الذي أكد أن «سوق الكتاب المستعمل قطاع مهم وله عدة إيجابيات منها توفير فرصة للتلاميذ والطلاب والأسر للحصول على الكتب بأسعار أقل مقارنة مع الكتب الجديدة، ما يخفف من الأعباء المالية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الكتب المستوردة، كما يساهم في إعادة تدوير الكتب وإطالة عمرها، ويساعد في توفير بعض العناوين التي قد تكون نادرة أو لم تعد تُطبع». وبنبرة الأسف، يقول المعتصم متحدثا لـ»القدس العربي»، إنه «في ظل غياب التنظيم اللازم، فهذا المجال يعتمد بشكل كبير على العشوائية والمبادرات الفردية، ولا توجد قوانين واضحة لتنظيم هذا القطاع وإعادة بيع الكتب المستعملة»، حيث «يعتبر بعض الناشرين بيع الكتب المستعملة منافسة لهم بشكل غير معقول، خاصة إذا كان يساهم في انخفاض مبيعات الكتب الجديدة».
ويبرز رئيس «رابطة الكتبيين في المغرب»، أن «الممارسات العشوائية مثل وجود باعة موسميين أو عشوائيين، يجعل المنافسة غير متوازنة مع المكتبات التي تختص في هذا النوع من الكتب وتدفع الضرائب والإيجار». واقترح الحسن المعتصم بعض الحلول مثل «تشجيع المكتبات على توفير قسم خاص بالكتب المستعملة مع ضمان جودتها»، و»تنظيم معرض دولي للكتاب المستعمل، حيث يمكن الاستفادة من التجارب الدولية في هذا المجال، إلى جانب معارض جهوية وإقليمية دورية للكتب المستعملة لتشجيع القراءة وإعادة التدوير»، علاوة على «التفكير في قوانين أو شراكات بين الناشرين والمكتبات لتسهيل تبادل الكتب دون الإضرار بالسوق الرسمي».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية