د. رياض حمودة ياسينيحكي تاريخ العلاقات التركية السورية تاريخا طويلا غنيا بالمشاهد غير منفصل البتة عن الصراعات الدولية والحسابات الاقليمية، وعموما يمكن القول بأن التعاون السوري ـ التركي ارتكز على سياسة حسن الجوار وما يمكن اعتباره تحييدا للنزاعات، والسعي الى تفاهمات ضمنية تدعو الى تجنّب المواضيع الخلافية والتركيزعلى فرص التعاون الاقتصادي والسياسي. صحيح ثمة توتر في العلاقات التركية السورية في العقد الاخير غير أن العلاقة شهدت تطورات جمة مضطردة عززتها المصالح المشتركة للبلدين، حيث اثمر التعاون عن تعزيز للعلاقات الاقتصادية بما في ذلك إقامة منطقة تجارة حرة، وتسهيل انسياب البضائع والتجار بعد رفع متطلبات الحصول على تأشيرة دخول، وتعزز ذلك بعد كبح جماح حزب العمال الكردستاني، الى جانب القيام بإجراء مناورات عسكرية مشتركة.لكن الدور التركي مع اشتعال الازمة في سورية بدأ يتغير، فقد اتت الثورة السورية لتفرض على انقرة اعادة النظر في تموضعها السياسي على الساحة الاقليمية والعالمية، فتشكلت هناك رؤى جديدة استندت الى براغماتية الدولة التركية وتناست علاقات الجوار والتفاهمات مع الجارة سورية، فهل تعاطي تركيا مع الأزمة في سورية تأثر بالمواقف الدولية المساندة للحركة المناهضة للنظام في سورية، أم أن تركيا العلمانية تتعاطى مع السياسة الاقليمية من منطلق مصالحها الاستراتيجية بعيدا عن عواطف القرب الجغرافي والتعاون الثنائي الذي تبخر لصالح الاستراتيجية العليا للدولة التركية.فتركيا يعول عليها منذ بداية الازمة في سورية القيام بتدخل عسكري بهدف اقامة منطقة عازلة في شمال سورية. وهي على ما يبدو تقدم رجلا وتؤخر أخرى في هذا السياق، لعدم رغبتها بالتدخل دون غطاء دولي يمنحها تفويضا بذلك، فهي بهذا المعنى ستختبئ خلف جدار حلف الاطلسي الذي تفضل أن يلعب هو الدور في حال حصل تدخل عسكري منتظر.لقد تابع المراقبون الموقف التركي منذ بداية الازمة في سورية، وقد تبين أن الأتراك كان لديهم موقف مختلف في حال الثورة السورية، ففي الوقت الذي كانت أنقرة أوّل المرحّبين بقيام الثورة في مصر وتونس، وجدت نفسها امام معضلة في كل من ليبيا وسورية. برز التضارب بين قيم حزب العدالة والتنمية والمصالح الاقتصادية التي تسعى انقرة الى تحقيقها في البلدان العربية، وبهذا المعنى وضعت الثورة السورية الدور التركي على محك السياسة الاقليمية التي لا تقبل هذه المرة الانكفاء على الذات واتباع سياسة الحياد، ليس فقط من منطلق أن تركيا ترى نفسها لاعبا رئيسيا في العالم الاسلامي أكثر منه مشجعا، وأن انفتاحها على العالم العربي والاسلامي كان أكثر من النادي الاوربي، بل لأن الخطر هذه المرة وصل قريبا من مرماها حسب المثل العربي الشائع فقد وصل البلل الى الذقن، فهي رأت بذلك فرصتها لتبرز مكانتها وتحافظ على مصالحها، وتعيد انتاج دورها التاريخي منذ انهيار السلطنة العثمانية.نجحت تركيا دون شك في لعب سياسة متوازنة، فاعتمدت سياسة موازية تجاه الغرب، استهدفت فيها حلفاءها الامريكيين والاوروبيين في عدة محطات في الوقت الذي لم توفر فيه اي فرصة للتضامن مع القضايا الاسلامية في العالم، كان آخرها قيامها بكسرالحصار المفروض على غزة واشتباكها مع (حليفتها) اسرائيل عقب حادث اسطول الحرية، الامر الذي ادى الى ارتفاع غير مسبوق في شعبيتها العربية.باتت المعارضة السورية تدرك ان التعاطف التركي معها وسعيها في تجريم نظام الاسد (حليف الامس) وفضحه وتعريته ليس بريئا تماما، ورغم ان الموقف التركي بدأ حادا من نظام الاسد الا ان هناك ما يفيد بوجود عقبات عدة تثقل كاهل التحرك السياسي لأنقرة وتجعلها تتخوف من فتح ممرات انسانية اوإقامة منطقة عازلة في الشمال السوري. هذا معناه أن عجز انقرة وتراخيها في فتح ممرات امنة مع اقتراب الازمة السورية من سنة ونصف في عمرها رغم أن تصريحات وزير خارجيتها الاخيرة تشير الى ان الوضع برمته لم يعد مطاقا من قبل تركيا، التي باتت غير قادرة على استيعاب المزيد من اللاجئين السوريين، ويبقى السؤال الى متى سيبقى الاتراك يتأففون وينوحون، والى متى سيظل الموقف التركي محجما عن التدخل العسكري أو فتح ممرات أمنة؟ ربما تقف العديد من الاسباب والمبررات وراء ذلك، فثمة اسباب اقتصادية وأخرى سياسية وعسكرية وحتى تاريخية، فاقتصاديا تركيا تعتمد على ايران وروسيا لاستيراد ما نسبته 85’من الغاز والنفط، وهي أيضاً تعتمد على سورية لنقل تلك المواد الاستراتيجية الى أراضيها. من جهةٍ ثانية، معظم صادرات تركيا الى دول الخليج العربي تمر عبرالأراضي السورية. فانقرة تتريث لأنها لا تريد مواجهة إيران وروسيا بشكل احادي الجانب وتفضل التريث، في وقت لا تبدو حليفتها الأساسية، الولايات المتحدة الأمريكية، مستعدّة للعب دور قيادي في سورية والمنطقة، الا في حال قيام النظام السوري بتهديد امن اسرائيل بصورة مباشرة كما صرح بذلك أوباما أخيرا في إشارة صارخة الوضوح الى ان التدخل العسكري سيكون مبررا دون الامم المتحدة في حال نقل النظام السوري مخزون الاسلحة الكيماوية للتهديد بها او استخدامها.تتخوف انقرة في حال تدخلها العسكري من فكرة الحرب الاهلية في سورية، الامر الذي يعني احتمالية ولادة حركات انفصالية لدى بعض الاقليات الدينية والإثنية، ولعل الاخطر من ذلك ان تركيا لديها هواجس تتصل في غرقها في حرب عبثية قد تجعلها في مواجهة لحرب عصابات مع غريمها حزب العمال الكردستاني. وربما قد تذهب مخاوف انقرة بعيدا في فكرة أن تخسر شعبيتها في البلدان العربية لاسيما عند سماع صوت إعادة أمجاد السيطرة العثمانية على المنطقة العربية.تدرك تركيا أن هناك مقاتلين يمكن ان يستخدموا اراضيها في أتون الصراع، فهي لاترغب على ما يبدو ان تتحول اراضيها الى معسكرت لمقاتلين متشددين يصعب السيطرة عليهم مستقبلا، وربما يمتد تخوفها الى ان ذلك سيذكي نار الصراع السني- الشيعي باعتبار هؤلاء متحمسين يقاتلون ليس لقضية وطنية أكثر منها لقضية مذهبية، مع الاشارة الى ان تركيا دولة ذات صفة علمانية لن تسمح لنفسها الانجرار الى معسكر له صفة مذهبية ضد آخر لأنها عندئذ ستفقد مصداقيتها كداعم للحرية والديمقراطية وقيم الليبرالية، كذلك سيضعها ذلك في مواجهة مع ايران التي تربطها بها مصالح اقتصادية.’ كاتب اردني