جاك مارون: النجاح يحتم أن ننطلق بوتيرة مسرحية أسرع

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: هو العرض المسرحي الثالث للمخرج جاك مارون يقدمه في بيروت. «فينوس» كما عرضيه السابقين استحوذت على مشاهدة كبيرة، وأنتقل عرضها من مسرح مونو في الأشرفية إلى مسرح بابل في الحمراء. عرض مسرحي قائم على الثنائي البارع بديع أبو شقرا وريتا حايك. بديع احتفظ باسمه، وصارت ريتا «فاندا» وريتا في الوقت عينه لأنها تؤدي دورين، فيما يشبه مسرحية داخل مسرحية. هو يبحث عن ممثلة بارعة لدور مسرحي وهي تبحث عن فرصة لتقديم مواهبها الفنية. «فاندا» ظهرت بدورين. بينهما تواصلت دون فجوات. كفتاة حمّسها الكاستينغ لطرق باب «المخرج بديع». هي تتقن دور الفتاة التي تقترب شيئاً ما من السوقية. وكذلك تتقن كيفية الإيقاع بالمخرج واستدراجه ليعاين مواهبها بعد ارهاق طوال النهار في كاستينغ غير مجدي. بالتدريج تُخرج «فاندا» الممثلة التي بداخلها من القمقم. إذاً الممثلة ولدت على المسرح وأمام الجمهور. إنها بارعة. كذلك هو حال بديع. ومن الواضح أن المخرج جاك مارون متمكن جداً من التحديق داخل الشخصية التي يرسمها لينتزع منها موقفاً.
«فينوس» النص الذي كتبه الأمريكي دايفيد إيفس، وأقتبسه ولبننه المخرج والممثل والاستاذ الجامعي غبريال يمين والمخرجة لينا خوري، يعرض لشاب عاشق للعقاب كسبيل يقوده إلى اللذة. عرض حقق نجاحاً كبيراً. مع مخرجه جاك مارون كان هذا الحوار:

○ «ما في إحساس أحلى من الوجع..وما في متعة أحلى من الإهانة». جملتان نتوقف عندهما لنسأل هل تشكلان اختصاراً لما تريد إيصاله من مسرحية فينوس؟
• لا طبعاً. من كتب المسرحية دايفيد إيفس اقتبسها من كتاب ذكّره بطفولته، ببساطة متناهية. جملتان ليستا للتعميم. كل ثنائي في هذه الحياة له خلفيته وتاريخه وثقافته. وكل ثنائي له تصرفه وسلوكه. اذاً ما ورد في الجملتين اللتين ذكرتهما هو وليد ظرف محدد. في أبعاد الجملتين، نعرف أن جميعنا مختلف، وليس بيننا الخيّر والشرير كما ورد في المسرحية. وجميعنا يحتاج لفرصة أخرى. أن يتصرف أحد بما هو سيء، فليس دليلاً على أننا أشرار، بل يعود السبب لحدث ما في طفولتنا، أو حتى طفولة والدينا. المهم قناعتنا بأننا جميعاً نحتاج لفرصة أخرى، وهكذا نتمكن من مساعدة أحدنا للآخر.
○ قرأ بعضهم في عرضك المسرحي ثيمة «بورنوغرافية» والبعض الآخر قرأ الحقيقة بمواجهة النفاق. هل وجدت أن ما أردته من العرض وصل كما هو؟
• بالطبع لست موافقاً على تلك القراءة التي ذهبت لحدود وصف المسرحية بـ «البورنوغرافية». وهو كذلك رأي الكبار الذين عملوا على هذا النص، ومن كتب عنه أيضاً، وهم من خيرة المثقفين. اقتبست المسرحية عن كتاب صدر منذ أكثر من 100 سنة، وفي حينها شكل ثورة. وما يقوله نص الكتاب هو جزء من تاريخ البشرية تماماً كما الحروب، والقضايا الاجتماعية والثقافية وغيرها.
○ هل وصل ما تريده من المسرحية؟
• اجتهدت قدر المستطاع كي أكون وفياً لمسرحية رغبت في إنتاجها واخراجها. وسعيت مع فريق العمل أيضاً لأن نكون أوفياء مع هذا العمل المسرحي المكتوب، بقدر المستطاع. وكذلك سعينا لتقديمه للجمهور بكل ثقة واحترام. الجمهور ليس بموقف واحد. منه من يوافق أو لا يوافق، ومنه من يحب العرض أو لا يحبه. المهم أننا احترمنا الجمهور، ولم نقلل من احترامه، ولم نتخط أي حدود غير مسموح بها. والدليل نجاح العرض حيث شاهده حتى الآن بحدود 14 ألف متفرج وما زلنا نتابع العروض. لو كان عملاً بورنوغرافياً وفاسداً لما سُمح لنا عرضه من قبل الجهات المختصة. ولا بد من التأكيد بأن أي عمل نقدمه عليه ان يحترم المعايير الأخلاقية في مجتمعنا. ونحن من هذا المجتمع دون شك.
○ لماذا قدمت «فاندا» في شخصيتين متناقضتين ساذجة غير منضبطة ومن ثم مسيطرة تتحكم في الرجل؟
• إنه الكاتب دايفيد أفيس أراد تلك الشخصية بالشكل الذي وصلكم عبر العرض المسرحي. قدمنا اقتباساً يحترم النص كلياً من بدايته حتى نهايته. بدلنا بالأسماء، فتوماس صار بديع أبو شقرا. كما نقلنا «الكاستينغ» من أي عاصمة غربية يمكن أن يجري فيها إلى بيروت. هكذا عايشت النص بحسب ما ورد. إنها مسرحية تقع على عاتق شخص، وضمن المسرحية تقع مسرحية أخرى.
○ أن تُلبِس المرأة طوق الكلب للرجل هو انتقام من الاستعباد التاريخي لها؟
• هو مشهد رمزي للسيطرة على آخر يفترض أن يشعر بأنه أقل وأدنى من الشخص المُسيطر. هذه وظيفة طوق الكلب. وقد تكون وظيفة السلاسل أيضاً إن تم توثيق أحدهم بها.
○ ألم يخطر لك تمرير موقف ما خاصة ما يتعلق بالمرأة في خلال العرض؟
• بل كنت وفياً للنص. إلى جانب فريق عمل وفي كذلك للنص. كل ما أرغب في قوله أو التعبير عنه من خلال المسرح تمت كتابته سابقاً. ولا أظن إن رغبت في الكتابة سوف أخترع جديداً. المسرحيات الثلاث التي قدمتها في السنوات الماضية على التوالي لها صلة بالمرأة أكثر من الرجل. مسرحية «كعب عالي» تناولت المرأة. وكذلك مسرحية «أسباب لكونك جميلة» تتحدث عن المصاعب التي تمر بها المرأة مع ثقافة الـ»بوب» من موسيقى وفن وغيره. أسلوب تسويق هذا النوع من الثقافة يترك أثره على صورة المرأة. فيما خصّ العنف فهو مرفوض كلياً سواء وقع على المرأة أم على الرجل. ومن خلال المسرحيات هذه نكتشف أن الشخصيات التي تجسّدها جميعها تختبر العذاب فتعبر عنه بسخرية كوميدية. فهي شخصيات معذّبة على مختلف المستويات، ولهذا هي شخصيات لديها علاقات مأزومة.
○ نادراً ما نشاهد ممثلاً يحتفظ باسمه الشخصي في دوره التمثيلي كما حدث مع بديع أبو شقرا؟
• هو قرار مني، ومن الصعب تفسيره. يمكن اختصاره بإعتباره قراراً فنياً فقط لا غير.
○ روجت للمسرحية عبر «بوستر» يطلق العنان للخيال «الإيروتيكي». هل أردت كسب جمهور سريع لمسرحيتك؟
• أهتم بتسويق المسرحية كي يأتي الجمهور إلى المسرح. التسويق للمسرحية من الضرورات وهو عمل صحي. إن لم يعرف الجمهور بالمسرحية فلن يتخذ قراراً بالحضور. بعد المعرفة من واجبي اقناعهم بالقدوم إلى شباك التذاكر وشراء بطاقة، واقتطاع ساعتين من وقتهم ليلاً لمشاهدة العرض. لا شك أمام الناس خيارات منها السينما، المطعم أو المسرح. نعرف أن في عالم المسرح المحترف عنصران، المسرحية والجمهور. إن لم يتوافر أحد هذين العنصرين نفتقد التوازن. المسرح المحترف يختلف عن فن الصالون. ورداً على السؤال عن الـ»بوستر» أقول أن أي صناعة تحتاج لقرار. والتمني هو أن ينفعل الناس ويتأثروا بهذا القرار. لم يكن بتصوري أن هذا البوستر الترويجي، ومسرحية «فينيوس» سيؤديان إلى هذه الثورة. ردة الفعل العكسية كذلك كانت واردة، وحينها لم يكن لهذا العرض أن يصل للجمهور.
○ لـكـن مـشــهد «الـبوستر» غاب عن العرض؟
• بل هو موجود. «فاندا» تحضن بديع بالطريقة نفسها عندما يكون مستلقياً على الـ»ديفان» وتداعب وجهه، وهو يتحول بين يديها لطفل. وليس بالضرورة أن يتطابق مشهد «البوستر» مع المسرح وفي الكرسي نفسه.
○ أن يقتبس دايفيد إيفس نصه المسرحي عن كتاب من سنة 1870، في سنة 2010 فهل هي عودة إلى كلاسيكيات المسرح؟
• بل هو المسرح المعاصر حتى وإن كان الإقتباس عن كتاب مرّ عليه أكثر من مئة عام.
○ لماذا قدمت «فاندا» بملابس «بيبي دول» على المسرح؟
• هذا ليس قراري في تقديمها على هذا النحو وبهذه الملابس. فهي جاءت للمشاركة في الكاستينغ بملابسها تلك. وفي العرض يقول لها المخرج عندما تباشر في الاختبار ويرى ملابسها «انت غلطاني عْمِلي معروف لْبسي وما بدي تعملي كاستينغ». وعندما تباشر في البكاء يرق قلبه ويوافق على الكاستينغ.
هل ترتاح كمخرج لضحك كثير يطلقه الجمهور على عبارات تقولها «فاندا» وبخاصة النابية منها؟
• أسعى في المسرح الذي أعمل عليه لعدم شراء الضحكة. هو ضحك طبيعي من قبل الجمهور، ونحن لم نستدرجه للضحك. ثمة جمهور يضحك وآخر لا يضحك للكلمة نفسها. الجو الذي يعيشه العرض المسرحي يختلف بين ليلة وأخرى. كذلك تختلف الطاقة التي تنتشر في المسرح بين ليلة وأخرى. الضحك معدي. وفي أحيان يضحك البعض داخلياً ودون تعبير. وفي حال وجود مجموعة ضحكها قريب، فهؤلاء يسري ضحكهم إلى الآخرين، ويتواصل الضحك طوال العرض. والعكس يكون صحيحاً في بعض العروض.
○ لماذا في رأيك كثافة الحضور في مسرحك للسنة الثالثة على التوالي؟ وهل شكل هذا مفاجأة لك؟
• أمر أفرحني وشجعني لتقديم العمل الثاني والثالث. هذا النجاح يسمح بأن ننطلق بأعمال مسرحية بوتيرة أكثر سرعة، وبدعم أقل، وتوظيف مزيد من العاملين في المسرح. فصناعة المسرح تحتاج لمن يعمل فيها، وبالتالي أن يكون لهم بدل اتعاب محترم. أعمل بجدية تامة واحتراف في هذه الصناعة، وهي ليست هواية بالنسبة لي. كمخرج كنت محظوظاً جداً لأني تواصلت مع فنانين كنت موضع ثقتهم، وهم بدورهم رائعون. هذه الأعمال وليدة المحبة الكبيرة والثقة والشغف. ولا شك بأهمية الفريق على صعيد الاحتراف. «فينوس» عمل فريق.
○ هل «فينوس» مسرحية الموسم في بيروت أم «ألاقي زيك فين يا علي»؟
• الجواب متروك للجمهور. شهدت مسارح بيروت هذا العام عروضاً متعددة ناجحة. «ألاقي زيك فين يا علي» للمخرجة لينا أبيض رائعة، كما أن الفنانة رائدة طه قدمت عرضاً ممتعاً جداً.
○ للسنة الثانية تعمل مع الممثلة ريتا حايك. هل هي نجمتك المفضلة؟
• حالياً نعم. هي فنانة مفضلة عندي. عملها ونجاحها جعلا منها نجمة. ريتا تشجعني على العمل وتحمسني لمزيد من العطاء. هي ممثلة تعطي كامل طاقتها. ريتا حايك ممثلة يليق بها النجاح لأنها تستحقه.
○ لماذا تناول النص المخرج وكأنه «زير ممثلات» وعلى الممثلة أن تدفع له ضريبة قبولها في عرضه؟
• إنها مقاربة غير صحيحة في نظري. لـ»فاندا» هدف من قولها هذا، ولن أستدرج للمزيد من الكشف عن العرض المسرحي. على سبيل المثال ردة فعل الجمهور على سماعه تعبيراً بذيئاً يكون على هذا التعبير في حد ذاته وليس على المسرحية. ما تقوله «فاندا» هو لهدف محدد. يمكنني الرد على سؤال يُطرح بالمطلق كمثل: هل توافق على ابتزاز المخرج للممثلات جنسياً؟ من المؤكد سأقول لا. ومن المؤكد بأني أكذب إن جزمت بأن أمراً مماثلاً لا يحدث. هذا ما يحدث في كل صناعة فنية، من فنون استعراضية، مسرح، سينما وغيرها. في كل صناعة هناك من يجرّب السيطرة على آخرين. وليست السيطرة على الدوام ذكورية. بل ثمة نساء يدرْن صناعات كبيرة جداً، ولهن سلطة وسطوة وقدرة على السيطرة حتى الجنسية على آخرين. نحن هنا بلغنا موضوع التحرش الجنسي، وهذا ما تمت معالجته في العمل المسرحي «كعب عالي». وأظن أن موقفي من هذا الموضوع معروف لديك.
○ ما هو مشروعك المقبل؟
• مشاريع متعددة ليس لنا الخوض في تفاصيلها فالطبخة قيد التحضير.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية