الدوحة ـ »القدس العربي»: تواصل قطر جهودها لاستكمال تنفيذ اتفاق وقف القتال في غزة حتى وصوله المرحلة الأخيرة، وتلافي أي طارئ من شأنه العصف بما تحقق حتى الآن، وصولاً للهدف المنشود بإنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة.
ويستكمل القطريون إلى جانب مصر والولايات المتحدة الأمريكية متابعة تنفيذ مراحل اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنه في وقت سابق الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري من العاصمة الدوحة.
وتتابع اللجان الفنية في العاصمة الدوحة سير عمل الاتفاق، وتبذل جهودها من أجل تذليل العراقيل التي يمكن أن تعصف بما تم التوافق عليه في أي لحظة. ويدرك الدبلوماسيون القطريون المكلفون بمتابعة بملف غزة، أن أي خطأ أو مطب من أي جهة كانت يمكن أن تعصف بكل الجهود السابقة والتي امتدت لأشهر.
ويرصد الفريق القطري أدق التفاصيل المتعلقة بتنفيذ مراحل الاتفاق، مع متابعة حثيثة لكل المواقف من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ومحاولة التوفيق بينهما استكمالاً لالتزام السلطات القطرية بتحقيق النتيجة المرجوة وهي وقف الحرب الإسرائيلية على غزة.
وتنشط الدبلوماسية القطرية على أكثر من صعيد، في محاولة حشد الدعم لجهودها من قبل الأطراف المختلفة، والسعي لتنظيم المواقف فيما يتعلق بتطورات الأوضاع في الساحة الفلسطينية.
وفي سياق الدور القطري في مجال الوساطة، توجه فريق قطري إلى العاصمة المصرية القاهرة، لتنسيق المواقف مع الوفود القادمة من واشنطن وتل أبيب، لمواصلة المباحثات المكثفة بشأن المراحل المقبلة من اتفاق الهدنة بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة. ويجتمع الموفدون القطريون مع مختلف الأطراف في العاصمة القطرية، ضمن مساعي الوساطة، ومعهم كل الملاحظات التي يتم رصدها ميدانياً، مع أفكار لبلورة المواقف، وتوحيد الرؤى مع مختلف الأطراف.
وحسب مصادر دبلوماسية وأخرى قريبة من حركة حماس، فإن الجميع منشغل بتقييم التفاصيل المتعلقة بتنفيذ اتفاق وقف القتال، وما يرافقها من ملاحظات يتم جمعها حتى الآن.
ويتشكل الوفد الإسرائيلي من مفاوضين أرسلهم بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومعهم بعض التوصيات التي تصر عليها سلطات تل أبيب. وجاء تحرك الوفد من الأراضي المحتلة بعد تسليم حماس جثث أربع رهائن محتجزين في قطاع غزة، لقاء الإفراج عن أكثر من 600 معتقل فلسطيني من سجون الاحتلال.
وحرص الوسطاء على تنفيذ آخر عملية تبادل بين الطرفين في إطار المرحلة الأولى من اتفاق الهدنة، والتي انتهت الأسبوع الماضي، ويتبقى 58 رهينة في غزة، بينهم 34 يؤكد الجيش الإسرائيلي أنهم لقيوا مصرعهم. وبدأت المرحلة الأولى في 19 كانون الثاني/يناير بعد 15 شهراً من حرب مدمّرة، شنها الاحتلال على القطاع المحاصر.
ويسعى الوسيط القطري بالتنسيق مع نظرائهم من القاهرة وواشنطن، الشروع في المفاوضات حول المرحلة الثانية التي ينص الاتفاق على وضع حدّ نهائي للحرب خلالها واستكمال الإفراج عن الرهائن، خلال الأسابيع الستة من المرحلة الأولى.
ويسعى الوسطاء حتى الآن منع انهيار الاتفاق وهو في مراحله الحالية، والآمال باستكماله مع الإصرار على الوصول للمرحلة الأخيرة وإنهاء الحرب.
عين الوسطاء
على إيصال المساعدات
ويناقش الوسطاء ضمن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، سبل تعزيز إيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، في إطار الجهود المبذولة لتخفيف معاناة السكان ودعم الاستقرار في المنطقة.
وتهدف محادثات المرحلة الثانية إلى التفاوض على إنهاء الحرب، بما في ذلك عودة جميع الرهائن المتبقيين في غزة الذين لا يزالون على قيد الحياة، وانسحاب جميع القوات الإسرائيلية من قطاع غزة. أما عودة الرهائن المتوفين المتبقين فستجرى في المرحلة الثالثة.
وتواجه الوسطاء حتى الآن معظلة تلافي تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يطالب بتفكيك قدرات حماس العسكرية والحكومية. وأثناء تواجد الوفود المفاوضة في القاهرة، صرح مسؤول إسرائيلي أن بلاده لن تنسحب من ممر استراتيجي في قطاع غزة «ممر فيلادلفيا»، كما هو مقرر في اتفاق وقف إطلاق النار. ويخشى الوسطاء أن يعقد الرفض الإسرائيلي المفاوضات مع حماس في لحظة حساسة بالنسبة للهدنة الهشة.
ويتابع الوسطاء من قطر والقاهرة مع ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشرق الأوسط، التحديات التي تضعها سلطات تل أبيب. ويتوجس الوسطاء من تصريحات إسرائيلية مفادها أن الجيش بحاجة للبقاء في ما يسمى «ممر فيلادلفيا» على الجانب الغزي من الحدود مع مصر لمنع ما يزعم أنه تهريب الأسلحة. وتعترض مسار المفاوضات هذه التصريحات الإسرائيلية بمحاولة البقاء، مقابل رفض حماس أي محاولة إسرائيلية للاحتفاظ بمنطقة عازلة في الممر، واعتبار ذلك أنه سيكون «انتهاكا صارخا» لاتفاق وقف إطلاق النار. وتصر الحركة على ضرورة الالتزام بالاتفاق، وتعتبر ذلك الطريقة الوحيدة لضمان إطلاق سراح العشرات من الرهائن الذين لا يزالون في غزة.
ومن المفترض أن تنسحب سلطات الاحتلال الإسرائيلي من ممر فيلادلفيا، وأن تكمل الانسحاب في غضون ثمانية أيام. ولم يصدر تعليق فوري بشأن الممر من مصر، التي تعارض أي وجود إسرائيلي على جانب غزة من الحدود مع مصر.
تشدد حركة حماس بعد التزامها بآخر عملية تبادل على ضرورة المضي نحو مناقشة المفاوضات بشأن المرحلة الثانية، والتي تشهد عرقلات بسبب اتهامات بخرق الهدنة. وفي 22 شباط/فبراير، علّقت إسرائيل عملية إطلاق سراح حوالي 600 سجين كان من المقرر الإفراج عنهم مقابل عودة ست رهائن، مطالبة حماس بالتوقف عن تنظيم «مراسم» عند كل عملية تبادل.
وجددت حركة «حماس»، للوسطاء التزامها بتنفيذ كافة بنود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة وتبادل الأسرى مع انتهاء المرحلة الأولى منه ودعتهم بالمقابل الضغط على إسرائيل للدخول «فورا» في المرحلة الثانية منه.
ويخشى الوسطاء حتى الآن من نزوع أركان حرب حكومة تل أبيب نحو التشدد، وتدمير جهود أشهر من العمل المتواصل لضمان استتباب التهدئة في القطاع المحاصر.
وتعد المرحلة الحالية حساسية ودقيقة من حيث دور الوسطاء، في سبيل جسر الهوة بين مطالب إسرائيل بنزع سلاح المقاومة من قطاع غزة وتفكيك حماس، مقابل رفض فصائل المقاومة الفلسطينية هذه المطالب، واعتبارها تدخلاً في الشأن الخاص بالشعب الفلسطيني.
ويحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التماهي مع ضغوط حلفائه اليمينيين المتطرفين في الائتلاف الحكومي الذين يعارضون إنهاء الحرب. ومؤخراً شدّد الرئيس الإسرائيلي اسحق هرتسوغ على «الواجب الأخلاقي» الذي يقع على عاتق سلطات بلاده ببذل كل ما في وسعها «لإعادة كل الرهائن». وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن «يجب علينا أن نفعل كل ما في وسعنا لضمان استمرار وقف إطلاق النار، وإعادة المزيد من الرهائن، وتسليم المساعدات التي تشتد الحاجة إليها، ويجب أن نسمح للفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم وإعادة بناء حياتهم».
ويدرك الوسطاء أن المرحلة الحالية شديدة التعقيد، على ضوء تشدد وزراء بنيامين نتنياهو ومحاولاتهم فرض أمر واقع في الأراضي المحتلة. ويخشى الوسطاء تحديداً من مغبة انزلاق الأمور مع دخول شهر رمضان، وامكانية قيام المتشددين بأي تحرك يستفزون به الفلسطينيين، وتحديداً في المسجد الأقصى، في القدس الشرقية التي احتلّتها إسرائيل في 1967 وضمّتها إليها لاحقا. والمسجد الأقصى الذي يعتبر في صلب النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني تتولّى إدارته دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن بينما تسيطر القوات الإسرائيلية على مداخله. ويأتي مئات آلاف الفلسطينيين للصلاة خلال شهر رمضان في باحة الأقصى، حيث يمكن لأدنى حادث أن يتحول بسرعة إلى اشتباكات. وأعلنت الحكومة الإسرائيلية الخميس أنّ أداء الصلاة في المسجد الأقصى خلال شهر رمضان سيخضع لقيود أمنية «اعتيادية». وفي رمضان الماضي منعت إسرائيل الرجال الذين تقلّ أعمارهم عن 55 عاما، والنساء اللواتي تقلّ أعمارهن عن 50 عاما، والأطفال ممّن تزيد أعمارهم عن 10 سنوات، من دخول الأقصى في أوقات الصلاة.
ويحاول الوسطاء تفكيك كل الألغام المحيطة بملف وقف القتال، وإنهاء الحرب على قطاع غزة التي تسببت في استشهاد 48319 شخصا على الأقل، معظمهم من المدنيين النساء والأطفال، وفقا لبيانات وزارة الصحة التي تديرها حماس وتعتبرها الأمم المتحدة موثوقة.