بغداد ـ «القدس العربي»: 1 (فأما من تدرَّب في المعاني الطبيعية، ثم حظي بالعلوم الإلهية، فإنه يستعين بأصول الطبائع على تقرير المعاني الإلهية، ويدعي أنها كلها أعلام دالة لذوي الألباب على المعاني العقلية التي أشار إليها تنزيل الكتاب، فنقول: إن شئت أن تقف على استثبات النفس الناطقة لصور الأشياء الموجودة، وقبولها لها، واستحفاظها إياها، فتوهم المادة الصالحة لتعاقب الصور عليها، كالشمعة التي يمكن أن تشكل بشكل السيف، وشكل المنشار، وشكل الفرس، وشكل السبع، وغيرها. وجوهر الشمعة صالح لقبول كل واحد من هذه الأشكال واستحفاظها، لكن لا في حالة واحدة، بل على التعاقب. فهو إذاً يفارق النفس في أن صورها لن توجد مزدحمة فيها بل مجموعة. [فأما النفس فإنها لخاص روحانيتها تستثبت صور كافة الموجودات، لا على التعاقب، بل مجموعة فيها ومتحدة بها]).
2
منذ سنوات طويلة، يبحث الكاتب والمترجم العراقي سعيد الغانمي، في تاريخ وكتب أبي الحسن العامري الفسلفية، في محاولة منه للكشف عن تراث هذا الفيلسوف الإسلامي الذي أهملته الفلسفة العربية في بحثها عن الفلاسفة الذين خرجوا من معاطف أرسطوطاليس وافلاطون وغيرهما من الفلاسفة الذي أسسوا للفلسفة الغربية، لكن الغانمي تمكن أخيراً من تحقيق أربع رسائل فلسفة لأبي الحسن العامري، صدرت ضمن منشورات دراسات فكرية، من إصدارات جامعة الكوفة. وهذه الرسائل هي: إنقاذ البشر من الجبر والقدر (الصيغة الأولية)، التقرير لأوجه التقدير، الأمد على الأبد، إنقاذ البشر من الجبر والقدر (الصيغة النهائية).
ويشير الغانمي إلى أنه يمكن القول أن أبا الحسن العامري كان أكثر فيلسوف «مغبون» في تاريخ الفلسفة الإسلامية. فهذا الفيلسوف المهم بقي مجهولاً لدى الدارسين حتى أظهر الدكتور عبد الحميد عراب نشرته لأول كتاب ينشر له (الإعلام بمناقب الإسلام)، سنة 1967. وبقي بعد ذلك بعقدين حتى نشر الدكتور سحبان خليفات مجموعة رسائل فلسفية سنة 1987. وحين عثر الدكتور خليفات على بعض القطع المقتبسة من برقلس في رسالته (المعالم الإلهية)، فتح شهية القراءة الاستشراقية للاحتفاء بهذا الفيلسوف «المغبون».
هذا الغبن، حسب رأي الغانمي، كانت له أسبابه الواضحة لدى الدارسين، ومن أهم هذه الأسباب القراءة الاستشراقية نفسها، فهذه القراءة لا تهتم بفلاسفة الشرق إلا بقدر ما يكونون تكراراً وصدى لفلاسفة الغرب، ولا يحظى بعنايتها وعناية من يتبنى إجراءاتها من الباحثين العرب، إلا من يعتنق منظومة نشقٍ فلسفي معروف لدى فيلسوف يوناني. وهكذا لا تولي القراءة الاستشراقية من الأهمية شيئاً إلا لمن يتناول منظومة الأنساق الفكرية الغربية.
ويورد الغانمي نماذج لهذه الأنساق، مثل الفارابي الذي حظي باهتمام المستشرقين لأنه أفلاطوني المنزع بالتمام والكمال، وحصل ابن سينا وابن رشد على اهتمام مماثل لأنهما أرسطيان حتى النخاع.
3
حياة العامري كانت مليئة بالتحولات المكانية والفكرية، غير أن أهم ما كان يميزها تتلمذه على يد أبي زيد البلخي، وهو ما أشار إليه في كتابه «الأمد على الأبد» المكتوب سنة 375، معلناً انتماءه إلى الخط الفكري الذي يمتد من مدرسة الكندي وصولاً إلى شيخه، قائلاً: «ولقد كان شيخنا أبو زيد أحمد بن سهل البلخي، رحمه الله، مع توسّعه في أصناف المعارف، واستقامة طريقته في أبواب الدين، متى نسبه أحد من مؤقّريه إلى الحكمة يشمئز منه، ويقول: لهفي على زمان ينسب فيه ناقص مثلي إلى شرف الحكمة، كأنهم لم يسمعوا قول الله تعالى (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكّر إلا أولو الألباب) وهذا كان حال أستاذه يعقوب بن إسحاق الكندي».
الغانمي؛ بدوره، لم يجد ترجمة موثقة لحياة العامري، سوى ترجمة وحيدة في كتاب «منتخب صوان الحكمة»، الذي هو مجموعة فقرات منقولة عن كتاب العامري «الأمد على الأبد»، لهذا فإن حياته مستمدة من الوقائع المبعثرة المنقولة في مختلف الكتب، مثل «تجارب الأمم» و»الإمتاع والمؤانسة» و»المقابسات» و»البصائر والذخائر» و»أخلاق الوزيرين» و»معجم الأدباء».
طبع العامري حياته على الترحال، وربما كان ذلك بتأثير من الاضطراب الذي طغى على حياة العصر، فجعلها سلسلة لا تنتهي من الرحلات. فما أن نراه في مكان، حتى يفاجئنا وجوده بعد قليل في مكان آخر. ولعل هذا هو ما قصدى التوحيدي، وهو يعدد دعاة التقريب بين الفلسفة والشريعة، ويصف الأعباء التي تحملها في سبيل هذه الغاية أمثال أبي زيد البلخي وأبي تمام النيسابوري: «وهذا بعينه قصد العامري. فما زال مطروداً من صقع إلى صقع، ينذر دمه، ويرتصد قتله، فمرّة يتحصن بفناء ابن العميد، ومرة يلجأ إلى صاحب الجيش بنيسابور، ومرّة يتقرب إلى العامة بكتب يصنفها في نصرة الإسلام، وهو على ذلك يتهم ويقرف بالإلحاد، وبقدم العام والكلام في الهيولى والصورة والزمان والمكان، وما أشبه هذا من ضروب الهذيان».
ويشير الغانمي إلى أن حياة الترحال لازمت العامري حتى قبل اعتناقه الفلسفة، فبعد مولده في نيسابور، ربما يكون قد انتقل إلى «شامستيان» في بلخ، وهو المكان الذي كان يدرس فيه أستاذه أبو زيد البلخي، ومن ثمَّ انتقل إلى الشمال في «نسف» حيث تزوج في قرية صغيرة اسمها «خشينديزة» من ابنة مقرئ اسمه إسماعيل بن مهران.
4
في خمسينيات القرن الرابع الهجري، ارتفع نجم العامري وصار فيلسوفاً مرموقاً. ومن المرجح أنه زار بغداد أيضاً في الفترة نفسها، ثم عاد إلى الري، ليستقر في بلاط أبي الفضل بن العميد. ففي معرض حديث مسكويه عن فضائل أبي الفضل ابن العميد وتمجيده وتعداد محاسنه، يقول: «وقد رأيت بحضرته أبا الحسن العامري رحمه الله، وكان ورد من خراسان، وقصد بغداد، وعاد وعنده أنه فيلسوف تام، وقد شرح كتب أرسطوطاليس وشاخ فيها، فلما اطلع على علوم الأستاذ الرئيس، وعرف اتساعه فيها، وتوقد خاطره، وحسن حفظه للمسطور، برك بين يديه، واستأنف القراءة عليه، وكان يعد نفسه في منزلة من يصلح أن يتعلم منه، فقرأ عليه عدة كتب مستغلقة، ففتحتها عليه، ودرّسه إياها».
5
توفي أبو الحسن العامري في العام 381 هـ، وخلف وراءه مكتبة ليست بالقليلة، ذكر عدداً من محتويات كتبها، وهو يتحدث عن رواج مؤلفاته لدى المثقفين في عصره. وعلى الرغم من التصنيفات المتنوعة لأعمال العامري، إلا أن الغانمي يفضل أن يعرضها بطريقة مغايرة، وهو القدم في كتاباته وحتى أحدث مؤلف له، وهي: استفتاح النظر في الإبصار والمبصر، الإعلام بمناقب الإسلام، الأمد على الأبد، إنقاذ البشر من الجبر والقدر (بصيغتين)، التقرير لأوجه التقدير، الفصول في المعالم الإلهية. في حين كانت هناك عشرات الأعمال لم يعثر عليها حتى الآن، مثل: الإبانة عن علل الديانة، الإرشاد لصحيح الاعتقاد، الفصول البرهانية في المباحث النفسانية، السعادة والإسعاد، وغيرها الكثير من الكتب.
6
ينزع العامري في فلسفته إلى التوفيقية في ردم الخنادق الفاصلة بين المذاهب الإسلامية، لا عن طريق اقتراح أنساق مذهبية جديدة، بل عن طريق اقتراح حلول عملية بديلة. وفي هذا السياق، يجب أن نفهم كيفية تصوره للإسلام بوصفه ديناً وسطياً، بمعنى أنه اقترح حلولاً عملية بين الإفراط والتفريط، أو بين الغلو في التعصب والمبالغة في التساهل. وفي هذا السياق أيضاً يجب أن نفهم ردمه الهوّة الفاصلة بين الجبرية والقدرية في رسالته «الإنقاذ». حيث لا يقترح نسقاً مذهبياً جديداً، يجعل نفسه بديلاً عن النزعتين، بل يكشف عن النصوص الوسطية الإسلامية لدى الإمامين جعفر الصادق وأبي حنيفة، وهي نصوص تبين أن النزعتين صحيحتين من وجهة نظر معينة، وخطأ من وجهة نظر أخرى. وهكذا لا تعود «التوفيقية» مجرد شعار آيديولوجي متعالٍ، بل هي موقف عملي في سياق فهم حيٍّ.
تحقيق وتقديم سعيد الغانمي:
ابو الحسن العامري «أربع رسائل فلسفية»
اصدار جامعة الكوفة : النجف 2015
320 صفحة
صفاء ذياب