اشتعلت الحرب التجارية بين مصر والمغرب على الرغم من اشتراك البلدين معا في اتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى، واتفاقية الشراكة التجارية الأوروبية المتوسطية، واتفاقية أغادير لتحرير التجارة بين دولتين عربيتين مغاربيتين هما المغرب وتونس، ودولتين عربيتين مشرقيتين هما مصر والأردن، إضافة إلى اتفاقية ثنائية لتحرير التجارة، واتفاقيات تجارية تنتسب إلى عملية تحرير التجارة القارية في الاتحاد الأفريقي. هذه ليست المرة الأولى التي يقع فيها نزاع تجاري كبير بين البلدين منذ توقيع اتفاقية أغادير، لكنه ربما يكون الأخطر حتى الآن، نظرا للصدام الظاهري في المصالح بينهما، وهو صدام ظاهري لأنه ناتج عن توجهات السياسة الاقتصادية الكلية لكل منهما، التي تحاول الحد من ضغوط نقص إيرادات العملات الأجنبية وزيادة العجز التجاري لكل منهما. مصر لديها عجز تجاري ضخم (حوالي 40 مليار دولار) وكذلك المغرب (حوالي 25 مليار دولار). لكن أسباب هذا العجز تختلف في مصر عنها في المغرب. في مصر ينبع العجز من أعباء خدمة الديون الخارجية، واحتياجات تمويل استيراد الطاقة والغذاء والتوسع في الإنفاق على مشروعات ذات العائد البعيد والبطيء والمنخفض خصوصا في قطاعات البنية الأساسية إضافة إلى تضييق القاعدة الإنتاجية الزراعية والصناعة النسبية للبلاد. بينما ينبع العجز في المغرب من ثلاثة مصادر أساسية هي تمويل واردات الطاقة، وواردات القمح، إضافة إلى واردات السلع الوسيطة اللازمة للصناعات الناهضة مثل صناعة السيارات.
سوميتومو ودمج الصناعة
تشعر الحكومة المغربية بغضب شديد على سياسة مصر في مجال تقييد استيراد السيارات ومكوناتها من المغرب. السيارات، الكاملة الصنع والمكونات تستحوذ على أكثر من ربع صادرات السلع المغربية إلى مصر، بما فيها مستلزمات وسيطة أهمها الأسلاك الكهربائية المعزولة التي تستخدم في التوصيلات الكهربائية (الضفائر) الداخلية وغيرها. الحقيقة أن القيود التي فرضتها مصر على واردات السيارات المغربية تمثل جزءا من سياسة فرض قيود على الواردات بشكل عام، خصوصا واردات السيارات وأجهزة الهاتف المحمول، وغيرها. مصر لجأت إلى هذه السياسة في إطار مجموعة إجراءات لتقليل الحاجة إلى العملات الأجنبية التي تعاني من ندرتها. المغرب يعتبر أن هذه القيود تصيب صناعة السيارات المحلية التي تمثل صادراتها حاليا المصدر الأول لتدفقات العملات الأجنبية للبلاد. وعلى الرغم من أن صادرات السيارات المغربية إلى مصر تتمتع بأفضليات جمركية مزدوجة ترتبط بمزايا اتفاقية أغادير، واتفاقية منطقة التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط، فإن هذه المزايا لم تشفع لها بالاستثناء من القيود التي تفرضها مصر على استيراد السيارات في الوقت الحالي. وقد بلغت قيمة الصادرات المغربية إلى مصر في العام 2023 حوالي 44 مليار دولار، استحوذت السيارات ومكوناتها باستثناء الأسلاك المعزولة على حوالي 14 في المئة بينما استحوذت الأسلاك المعزولة المستخدمة في صناعة الموصلات والدوائر الكهربائية الداخلية للسيارات على نسبة تتجاوز 11 في المئة. وتجدر الإشارة هنا إلى وجود ارتباط في حلقات سلاسل القيمة بين صناعات مكونات السيارات في كل من البلدين. وتلعب شركة سوميتومو اليابانية دورا جوهريا في تشبيك عمليات صناعة «الضفائر الكهربائية» للسيارات من خلال تقسيم عملياتها الإنتاجية في كل من مصر والمغرب أفقيا ورأسيا. وتظهر بيانات التجارة المتبادلة وجود صادرات مصرية للمغرب تشمل الأسلاك النحاس والألومنيوم والعوازل الكهربائية، كما تظهر في الاتجاه العكسي صادرات مغربية لمصر تشمل الأسلاك المعزولة والمنتجات البلاستيكية المرتبطة بصناعة السيارات. هذه البيانات تعبر عن بداية مبشرة في إقامة سلاسل إنتاج إقليمية في صناعة السيارات يجب الاهتمام بتنميتها وليس قتلها.
شركة سوميتومو بدأت إنتاجها في المغرب بعد أن تأسست عام 2009 بالقرب من الرباط. وتقوم مصانعها في المغرب بتغذية سلاسل إنتاج السيارات في الاتحاد الأوروبي واليابان. وهي تتوسع بمعدل سريع منذ ذلك الوقت. كما أقامت الشركة منشآت صناعية إضافية في المغرب بعد أن اضطرت لإغلاق مصانعها في أوكرانيا بسبب الحرب. وهي تستهدف إضافة 16 ألف وظيفة جديدة في المغرب بحلول عام 2028. أما في مصر فقد بدأت سوميتومو أعمالها عام 2008 في المنطقة الحرة في بورسعيد، لكن نشاطها الإنتاجي لا ينمو بالمعدل الذي يتحقق في المغرب. وبدأت الشركة منذ عامين في تطوير عملياتها الإنتاجية في مصر، وتخصيص استثمارات جديدة بقيمة 100 مليون دولار، لإقامة مصنع جديد يوفر حوالي 3500 فرصة عمل جديدة. في الوقت الحالي تبلغ العمالة في مصانع الشركة في مصر (8 مصانع في بورسعيد و 6 في أكتوبر والعاشر من رمضان) حوالي 12 ألف عامل، وتحقق صادرات بقيمة 200 مليون يورو سنويا. ونظرا لترابط الإنتاج بين مصانعها في مصر والمغرب وأوروبا، فإن أي خلل في سلاسل القيمة من شأنه أن يصيب الشركة بخسائر فادحة، وإرباك سلاسل إنتاج السيارات في أوروبا المرتبطة بهذه السلاسل.
أهمية الدور الأوروبي
ونظرا لأن مصر تتمتع بوجود سوق محلية كبيرة وموقع جغرافي فريد وبنية تحتية صناعية مقبولة، وأن المغرب يتمتع بوجود بنية تحتية صناعية متطورة نسبياً وموقع جغرافي متميز، وعلاقات أكثر تميزا مع أسواق الاتحاد الأوروبي خصوصا إسبانيا وفرنسا، فإن القاسم المشترك بين البلدين هو أنهما تشاركان معا في بناء سلاسل الإنتاج أو عمليات صناعة القيمة المضافة من خلال الروابط الأمامية والوسطى في الصناعات بدءا من توريد المواد الخام إلى مستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة، بما يعزز مستوى الترابط الإقليمي العربي، والترابط العربي – الأوروبي. لكن هذا الدور يتطلب من البلدين إدارة علاقاتهما التجارية بسياسة أوسع أفقا وأكثر كفاءة للاستفادة من المزايا المشتركة وتجنب الوقوع في خلافات تتسبب في خسائر مزدوجة لكل منهما. إن توسيع نطاق التعاون الاقتصادي والتجاري من خلال المشاركة في سلاسل الإنتاج الإقليمية والعالمية يساعد كل من البلدين على تقليل العجز التجاري، وتحقيق قدر كبير من التوازن على أساس سياسات اقتصادية كلية أكثر كفاءة. ومع ذلك فيجب أن نعلم، على ضوء تجربة «النمور الآسيوية» أن مراحل التصنيع الأولى تتطلب استثمارات أجنبية أكبر وواردات أكثر، وهو ما يمكن أن يتسبب في ضغوط شديدة على الميزان التجاري وميزان الاستثمار.
إجراءات انتقامية
أسفرت التجارة المتبادلة بين مصر والمغرب في العام 2023 عن عجز تجاري ثقيل على حساب المغرب قيمته ما يقرب من 909 ملايين دولار أمريكي، إذ بلغت قيمة صادرات مصر حوالي 953 مليون دولار، في حين اقتصرت صادرات المغرب على حوالي 44 مليون دولار فقط، وهو مبلغ يقل عن صادرات مصر من الفواكه في العام نفسه، التي بلغت 51.4 مليون دولار. في الوقت نفسه فإن أهم صادرات مصر للمغرب تمثلت في شاشات عرض الفيديو والتلفزيون بقيمة 76 مليون دولار في العام نفسه. في حين أن قيمة أهم الصادرات المغربية المتمثلة في السيارات بلغت 11.1 مليون دولار فقط. وعلى الرغم من أن مصر تحقق فائضا ضخما في تجارتها مع المغرب، فإن السياسة التجارية الحكومية لا تقدر أهمية التشابك في سلاسل القيمة المشتركة في صناعة السيارات، كما أنها لا تبدي اهتماما ببناء سلاسل قيمة متطورة مع المغرب في قطاعات أخرى، مثل الزراعة أو صناعة الملابس أو السياحة، حتى تتمكن من تعظيم الفائدة من قدرة المغرب على النفاذ للأسواق الأوروبية. ونظرا لأن الحكومة المغربية تتخوف من الخضوع لتوصيات صندوق النقد الدولي، خصوصا فيما يتعلق بسعر الصرف، فإنها بدأت في اتخاذ إجراءات طوعية لتخفيض العجز التجاري. ونظرا لاتساع نطاق العجز مع مصر، فإنها فرضت قيودا إدارية وفنية على الصادرات المصرية، لتأخير دخولها إلى السوق المحلي في الأشهر الأخيرة عن طريق الإبطاء في إجراءات الفحص الفني والجمركي، وهو ما أدى إلى تراكم البضائع المصرية في الموانئ المغربية، بما في ذلك الفواكه والخضروات التي لا تتحمل التخزين أو البقاء على الأرصفة أو في المخازن من دون إجراءات للحفظ.
وقد ردت وزارة التجارة والصناعة المصرية بإجراءات وقائية لتقليل الخسائر الناجمة عن تقييد دخول السلع إلى المغرب، وأصدرت هيئة الرقابة على الصادرات والخضروات وهيئة سلامة الغذاء قرارات بالتمهل في فحص الصادرات المتجهة إلى المغرب. هذه الإجراءات الوقائية تؤكد أن المسؤولين المصريين ليست لديهم سياسة محددة لتجنب استمرار الحرب التجارية مع المغرب، أو للتفاوض مع الجهات المغربية المختصة للتوصل إلى حلول مقبولة لمشكلة صادرات السيارات المغربية، والتعاون المشترك لتقليص فائض الميزان التجاري مع المغرب. وأظن أن من الضروري المبادرة بفتح قناة للحوار بين الطرفين في هذا الشأن إما على المستوى الحكومي المركزي أو حتى على مستوى السفراء والممثلين التجاريين في البلدين. ويهدد استمرار الوضع الحالي بتدهور التجارة المشتركة، بما في ذلك صناعة مدخلات إنتاج السيارات. وربما ينتشر الضرر إلى تعطيل الإنتاج في مصانع شركة سوميتومو اليابانية في مصر التي تقوم بإمداد مصانعها الموجودة في المغرب ببعض السلع الوسيطة ومستلزمات الإنتاج.
إن الحاجة إلى مبادرة مشتركة للتفاوض ليست وليدة التصعيد في الحرب التجارية في الأشهر الأخيرة، لكنها حاجة مستحقة منذ سنوات مضت. ففي السنوات الخمس الأخيرة حتى عام 2023 تراجعت الصادرات المغربية إلى مصر بمعدل 14.7 في المئة سنويا، لتهبط قيمتها من 98 مليون دولار عام 2018 إلى 44.2 مليون دولار في عام 2023. وعلى العكس من ذلك، فإن الصادرات من مصر إلى المغرب حققت نموا بنسبة 9.17 في المئة سنويا حسب تحليل مرصد التجارة العالمية، ليرتفع رقم الصادرات من 614 مليونا إلى 953 مليون دولار خلال الفترة المذكورة. ومن الطبيعي أن تنتج احتكاكات بين البلدان التي تعاني من عدم التوازن في علاقاتها التجارية، كما هو حادث بين الولايات المتحدة والصين. وفي هذا الحال يتعين على الشركاء التجاريين الجلوس معا ومناقشة سبل خلق توازن في التجارة المتبادلة بينهما.
الحل المنطقي في مثل هذا الحال هو فتح أبواب أوسع لصادرات الدول ذات العجز، وليس تقليل صادرات الدول ذات الفائض، خصوصا عندما يكون نفاذ الواردات إلى السوق نابعا من طبيعة المزايا النسبية وقدرة أكبر على المنافسة، ومستوى أعلى من الكفاءة الإنتاجية. ويمكن تعديل الميزان التجاري من خلال الدخول في شبكة سلاسل القيمة الإقليمية الأوروبية والعربية، حيث تتوفر لدى كل من مصر والمغرب علاقات قوية مع أوروبا، كما تتوفر أطر اتفاقيات واسعة لتحرير التجارة بين كل من الدول العربية ودول الاتحاد الأوروبي. المغرب هو الشريك التجاري الحادي والعشرون للاتحاد الأوروبي، وبلغ نصيبه 1 في المئة من إجمالي تجارة الاتحاد الأوروبي في السلع مع العالم في عام 2022. ويمثل الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري للمغرب، حيث استحوذ على 49 في المئة من تجارته السلعية في عام 2022. وذهبت نسبة 56 في المئة من صادرات المغرب إلى الاتحاد الأوروبي، في حين أن نسبة 45 في المئة من واردات المغرب جاءت من الاتحاد الأوروبي.
أما بالنسبة لمصر فإنها تمثل الشريك التجاري الثلاثين الأكبر للاتحاد الأوروبي، حيث استحوذت على نسبة 0.6 في المئة من إجمالي تجارة الاتحاد الأوروبي السلعية مع العالم في عام 2023. في الوقت نفسه فإن الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري لمصر، حيث استحوذ على 25 في المئة من تجارة مصر مع العالم في عام 2023 بنسبة 23.3 في المئة من واردات مصر، و 28 في المئة من الصادرات. وقد بلغ إجمالي التجارة في السلع بين الاتحاد الأوروبي ومصر 26.4 مليار يورو في عام 2023. وتظهر بيانات التجارة لدول الاتحاد الأوروبي أن الواردات السلعية من مصر انخفضت بنسبة 29.4 في المئة، من 16.4 مليار يورو إلى 11.5 مليار يورو في عام 2023. وفي المقابل فإن صادرات السلع من الاتحاد الأوروبي إلى مصر ظلت مستقرة نسبيا مسجلة 20.9 مليار يورو في عام 2022 مقارنة بـ 21.2 مليار يورو في عام 2023 بزيادة طفيفة نسبتها 1.2 في المئة. وتتكون غالبية صادرات السلع من الاتحاد الأوروبي إلى مصر عام 2023 من الآلات ومعدات النقل (36.3 في المئة، بنسبة زيادة 21 في المئة تقريبا عن العام السابق)
أهمية سلاسل القيمة المضافة
وعلى مدى العقدين الماضيين، ركزت بلدان مثل المغرب والأردن وتونس ومصر على دمج اقتصاداتها في الشبكات العالمية للإنتاج والتجارة. ونتيجة لهذا، زادت صادرات منتجات مثل المنسوجات والأغذية الزراعية والإلكترونيات، والسيارات وغيرها. ويدرس الاتحاد الأوروبي عددا من المشروعات المهمة لتعزيز شبكات الإمدادات وسلاسل القيمة المضافة بين الدول العربية المتوسطية، وفيما بينها وبين الدول الأوروبية، خصوصا المتوسطية مثل إسبانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان. ومن خلال دراسة المقومات الاقتصادية في كل من مصر والمغرب تسعى الدراسة إلى قياس تأثير التحولات الاقتصادية العالمية على موقف البلدين في سلاسل القيمة العالمية وعلى تكامل سلاسل القيمة العالمية مع الاقتصادات المتقدمة، مع التركيز على خمسة قطاعات رئيسية هي صناعة السيارات، وخدمات الأعمال الخارجية، والملابس الجاهزة وصناعة الكيميائيات والسياحة. وتتمتع كل من الدولتين بمزايا نسبية وتنافسية متكاملة في هذه القطاعات.
ومن ثم فإنه من الممكن تصميم حل طويل الأجل من خلال مشاركة ثلاثية تضم مصر والمغرب والاتحاد الأوروبي في شبكات القيمة المضافة الصناعية الإقليمية والعالمية. أما في الأجل القصير فيجب زيادة التعاون الإنتاجي والتجاري الثنائي بين المغرب ومصر، وفتح الأسواق في مجالات التبادل القائمة فعلا وعلى رأسها السيارات والأقمشة والملابس ومنتجات الزراعة والصناعات الغذائية والكيميائية وبعض الصناعات المعدنية. هذا النوع من التعاون يضمن استمرار التوسع في الإنتاج وزيادة فرص العمل، على عكس الإجراءات الانتقامية التي تنتهي إلى تقليص الإنتاج وتخفيض فرص العمل ووقف مكاسب التجارة. الحرب التجارية بين مصر والمغرب هي خسارة للطرفين، ويجب العمل على وقفها.