لندن ـ «القدس العربي»: «لا شيء يدوم إلى الأبد. لقد كنا استثنائيين بشكل غير عادي في الماضي، ولكن لم نعد كذلك»، بهذه الكلمات المقتضبة الصادقة، اعترف المدرب الكتالوني بيب غوارديولا، بانتهاء حقبة ما كان يُعرف بالجيل الذهبي لمانشستر سيتي، الذي حقق ما عجز عنه كل أباطرة الدوري الإنكليزي الممتاز في كل العصور، بالسيطرة على لقب الدوري أربع مرات على التوالي، بما في ذلك إنجاز ثلاثية 2023 بالحصول على البريميرليغ وكأس الاتحاد الإنكليزي وأول لقب دوري أبطال أوروبا في تاريخ الكيان والوحيد أيضا، قبل أن تتبدل الأوضاع من النقيض إلى النقيض، في اللحظة التي تعرض فيها أفضل لاعب في العالم رودري، لتلك الإصابة المروعة التي قضت على موسمه بعد مرور دقائق قليلة على قمة مواجهات الجولة السادسة ضد آرسنال، ومعها تحول المان سيتي المهيب الذي يخشاه عمالقة إنكلترا وأوروبا، إلى صيد سهل يتمنى الجميع مقابلته إما لجمع النقاط منه أو للإطاحة به من إحدى الكؤوس، والدليل على ذلك، خروجه من كل البطولات قبل حتى حلول مارس/ آذار، باستثناء تواجده في كأس الاتحاد الإنكليزي، في ما تعتبر سابقة فريدة من نوعها للنادي السماوي منذ انتقال ملكيته إلى الإدارة الإماراتية الثرية في أواخر العقد الأول في الألفية الجديدة، أن يخرج الفريق من كأس كاراباو بهذه السهولة، وبعدها يفشل في التواجد حتى في دور الـ16 لدوري الأبطال، والأكثر قسوة انتهاء آماله في مطاردة ليفربول على الصدارة، مع إمكانية الفشل في إنهاء الموسم ضمن المراكز الأربعة الأولى المؤهلة لدوري الأبطال الموسم المقبل، وفي هذا التقرير دعونا نستعرض معا أبرز العمالقة والكبار الذين سقطوا سريعا من أعلى قمة الهرم إلى الهاوية.
تفكك الغالاكتيكوس
في بداية القرن الجديد، بدا وكأن ريال مدريد في طريقه الى استعادة أمجاد حقبة الخمسينات العظيمة، بتتويجه بلقب دوري الأبطال مرتين عامي 1998 و2000 تحت إدارة الرئيس الراحل لورينزو سانز، ومع ذلك أسفرت نتائج الانتخابات عن مفاجأة مدوية، بفوز المرشح المجهول آنذاك بالنسبة لعالم كرة القدم فلورنتينو بيريز، مدفوعا بوعوده البراقة، أبرزها نقل أفضل لاعب في العالم وقتها لويس فيغو من برشلونة إلى النادي الميرينغي، وهو ما فعله بعد وصوله إلى كرسي الرئاسة، وحسنا فعل في أول موسم، بحصول الفريق على لقب الدوري الإسباني، ثم في الموسم التالي جاء زين الدين زيدان، في صفقة أحدثت هزة في الوسط الكروي، نظير المبلغ الذي دفعه الريال مقابل استغناء يوفنتوس عن نجمه الفرنسي، نحو 65 مليون يورو، وذلك في صيف 2001، في وقت كانت تساوي فيه أونصة الذهب نحو 270 دولارا مقارنة بقرابة الـ2900 وقت كتابة هذه الكلمات، ومع نهاية الموسم، كان لبيريز ما أراد، بالحصول على كأس دوري الأبطال التاسعة في تاريخ النادي، بعد الهدف الأيقوني الذي سجله زيزو في شباك ليفركوزن في المباراة النهائية، لكن ما حدث بعد ذلك فاق كل التوقعات، بعد القرار المثير للجدل الذي اتخذه الرئيس، بجلب النجم الإنكليزي اللامع ديفيد بيكهام، لأهداف تجارية وإعلانية بحتة، وذلك على حساب مسمار وسط الفريق كلود ميكاليلي، الذي أرسله النادي إلى تشلسي، ليساهم في وضع حجر أساس البلوز المهيب تحت قيادة المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو في بداية عصر المالك السابق رومان آبراهموفيتش، وسبقه جاء الظاهرة رونالدو البرازيلي، في ما كانت أشبه بالعادة المقدسة بالنسبة للمشجعين، أن يأتي الرئيس بواحد من أشهر وأفضل نجوم اللعبة، تجسيدا لمقولة المأثورة «نجوم كرة القدم وُلدوا من أجل اللعب لريال مدريد»، إذ تحول الفريق المدجج بكوكبة من أفضل وأشهر نجوم اللعبة وقتها، من فريق الأحلام الذي كان يتوقع منه أن يحكم سيطرته على كافة البطولات المحلية، إلى فريق هش وغير قادر على الفوز ولو ببطولة يتيمة على مدار 3 مواسم، وصلت لحد الانحناء أمام ريال سرقسطة بسداسية مقابل هدف في ذهاب نصف نهائي كأس ملك إسبانيا، وذلك بالتزامن مع الخروج من دوري الأبطال على يد ليون، في ما كانت بداية لسنوات ضياع الريال على المستوى القاري، إلى أن جاء جوزيه مورينيو، وتمكن من إعادة الفريق إلى مكانه الطبيعي في الكأس ذات الأذنين، بالتواجد في المربع الذهبي 3 مواسم على التوالي، إلى أن نجح كارلو أنشيلوتي في فك العقدة عام 2014، بعد سنوات من الانهيار والتخبط.
توابع الفضيحة
أيضا برشلونة، واجه لحظات صعبة بعد خمس سنوات من تتويجه بكأس دوري الأبطال على حساب يوفنتوس في نهائي برلين عام 2015، وذلك عندما سقط أمام بايرن ميونخ بنتيجة 8-2 في ربع نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2020، في ما كانت أشبه باللحظة المفصلية لبرشلونة العظيم، الذي كان يخشاه الجميع في أوروبا وإسبانيا، والتي تبعها رحيل أفضل لاعب في تاريخ النادي ليونيل ميسي، ضمن توابع سياسة الرئيس السابق جوسيب ماريا بارتوميو، التي وضعت النادي على حافة الإفلاس، لولا وصول المحامي الثوري جوان لابورتا، الذي أجاد التفكير خارج الصندوق، من خلال تلك «الروافع الاقتصادية»، التي ساهمت من جانب في تخفيف الديون المتراكمة، ومن جانب آخر ساعدت الإدارة في جلب الأسماء التي أعادت النادي إلى منصات التتويج، بالحصول على لقب الدوري الإسباني الموسم قبل الماضي تحت قيادة المدرب تشافي هيرنانديز، وهي أيضا نفس الأسماء التي يعول عليها المدرب الحالي هانزي فليك في مغامرته الجريئة للقتال على كل الجبهات حتى الأمتار الأخيرة في الموسم، في مقدمتهم نجم الفريق الأول رافينيا والجلاد روبرت ليفاندوسكي، غير أن هذه السياسة التقشفية، كانت سببا في حصول لامين يامال على فرصته في هذه السن المبكرة، ومثله باو كوبارسي ومارك كاسادو وباقي الأسماء التي لم تحصل على رخصة قيادة سيارة حتى الآن، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن النادي قد تجاوز المحنة أو أزمته الاقتصادية، والدليل على ذلك الحكم المؤقت الذي تحصل عليه النادي من أجل استكمال قيد الوافد الجديد داني أولمو، بعد مشاكل وقف قيده في بداية فصل الشتاء، لإخفاق النادي في تسوية الفارق بين المداخيل وبين الحد المسموح به لأجور اللاعبين بما يتماشى مع لوائح رابطة الليغا للعب المالي النظيف، كما أن ما يحققه المدرب فليك في الوقت الحالي من نتائج وعروض مقنعة في مختلف المسابقات، لم يتوقعها أكثر المتفائلين من عشاق النادي في بداية الموسم، وذلك بالنظر إلى الوقت الذي استغرقه النادي من أجل ترتيب أوراقه وأوضاعه المالية قبل اقتحام الميركاتو الصيفي، ضمن التأثيرات المالية لتهور الرئيس السابق، المحتمل أن تستمر لفترة ليست بالقصيرة، ما لم تحدث معجزة على المدى القريب أو المتوسط.
المدفعجية والشياطين
بعد النجاح الساحق الذي حققه الأستاذ آرسين فينغر مع آرسنال في النصف الأول من مشواره بين عامي 1996 و2004، بما في ذلك الموسم الأسطوري الذي ختمه بالتتويج بلقب الدوري الإنكليزي الممتاز بلا هزيمة واحدة، عاد الفريق إلى الوراء بخطى ثابتة، منذ اللحظة التي خسر فيها لقب دوري أبطال أوروبا في المباراة النهائية أمام برشلونة عام 2006، بعدها بعام لم تقم للنادي قائمة مع خروج ديفيد دين، بدأت بما كانت تعرف بسنوات آرسنال العجاف، التي عجز خلالها عن الفوز بأي بطولة تحت قيادة المدرب الفرنسي، إلى أن عاد إلى منصات التتويج عبر بوابة كأس الاتحاد الإنكليزي عامي 2014 و2015 على التوالي، ورغم عودة المدفعجية للفوز بنفس البطولة في العام 2017، لكن بعدها تضاعفت الأصوات التي تطالب بانتهاء حقبة فينغر، وصلت الى حد رفع لافتة كتب عليها «كفى» في قمة «ستامفورد بريدج» ضد تشلسي بعد شهر واحد من بداية موسم 2017-2018، كجزء من الشعور العام بأن المدرب الفرنسي لم يعد قادرا على قيادة الفريق للمنافسة مرة أخرى على لقب الدوري، وهذا الأمر كان صحيحا، لكن المثير للجدل والاستغراب، أن الفريق ما زال يكافح من أجل الفوز أو المنافسة بشكل حقيقي على اللقب، بعد خسارة السباق مرتين أمام مانشستر سيتي، وهذا الموسم بدأ يترنح أمام ليفربول، وذلك في بداية العقد الثالث في رحلة البحث عن استعادة لقب البريميرليغ، وبالمثل دخل غريم الأمس غير البعيد مانشستر يونايتد عقده الثاني، في محاولاته البائسة للعودة للمنافسة على لقبه المفضل قبل أن يتخذ الأسطورة سير أليكس فيرغسون قراره، باعتزال مهنة التدريب مع انتهاء موسم 2012-2013، وكما كان يعاني آرسنال من أجل الحصول على مكان ضمن الأندية الإنكليزي المشاركة في دوري الأبطال، جاء الدور على كتيبة الشياطين الحمر، لتتجرع من نفس الكأس، بالوقوف على مسافة ضوئية من دائرة المنافسة على الأماكن المؤهلة للكأس ذات الأذنين.
أما في إيطاليا، فنشاهد الآن استمرار حالة الانهيار التي يعيشها يوفنتوس، منذ أن جرده الإنتر من لقب الكالتشيو بعد هيمنة مطلقة دامت لنحو تسعة مواسم على التوالي، بعدها تحول ذاك الفريق الذي كان يطمح في العقد الماضي لفك عقدته مع دوري أبطال أوروبا، بعد خسارة النهائي مرتين على يد الكبيرين برشلونة وريال مدريد في أوج سنوات ليونيل ميسي مع البلو غرانا عام 2015 وبالمثل كريستانو رونالدو مع اللوس بلانكوس عام 2017، إلى فريق أقل ما يُقال عنه أنه بجودة لا تتماشى أبدا مع المعايير المطلوبة لمنافسة الإنتر ونابولي على اللقب، وأبعد من ذلك من الممكن أن يخسر المركز الرابع المؤهل لدوري الأبطال الموسم المقبل، بعد فضيحة الخروج من آيندهوفن الهولندي من الملحق المؤهل لدور الـ16 للأميرة البيضاء، وهو تقريبا ما حدث مع أفاعي النيراتزوري، بعد الوصول إلى قمة الهرم مع المدرب جوزيه مورينيو، في موسم احتكار الثلاثية (دوري الأبطال والكالتشيو وكأس إيطاليا 2009-2010)، بعدها ابتعد الفريق عن دائرة المنافسة تماما، إلى أن جاء العراّب أنطونيو كونتي، الذي وضع حجر أساس وقف هيمنة السيدة العجوز على جنة كرة القدم في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وتزامنت فترة ضياع الإنتر، مع سقوط جاره في المدينة ميلان، بعد تآكل صلاحيات رئيسه التاريخي سيلفيو بيرلوسكوني عام 2012، ثم بخروجه النهائي عام 2016، ومعها تبدلت أوضاع ميلان العظيم وفخر الطليان على المستوى القاري، إلى فريق لا يقوى على التأهل الى دوري الأبطال في الفترة بين عامي 2014 و2021، والآن في طريقه للعودة إلى المربع صفر، باحتلاله المركز الثامن في جدول ترتيب أندية الدوري وقت كتابة هذه الكلمات.