بغداد ـ «القدس العربي»: المحامية زينب جواد من أبرز الناشطات التي تصدت لانتهاكات حقوق الإنسان وحرية الرأي في العراق، وخصوصا حقوق المرأة والطفل. «القدس العربي» أجرت معها حوارا حول أوضاع حرية الرأي وحقوق الإنسان في العراق، والتداعيات الخطيرة لفرض تعديل قانون الأحوال الشخصية من قبل الأحزاب الدينية على المجتمع العراقي.
○ هناك العديد من القوانين المتعلقة بحرية الرأي والتظاهر وغيرها مطروحة للنقاش في مجلس النواب العراقي حاليا، هل تعتقدين ان نقابة المحامين ومنظمات المجتمع المدني تؤدي دورها في مناقشتها قبل تمريرها؟ وهل تسمح القوى المتنفذة في البرلمان بذلك؟
• ما زلت على رأيي بأن نقابة المحامين كان موقفها خجولا جدا من قضايا حرية الرأي، بل أن النقابة كانت هي الأداة التي قمعت فيها آراء الناشطين عن طريق الضغوط السياسية، ويبدو أن هناك قوى استخدمت النقابة كعصا منعت فيها حريات الناشطين والمطالبين بالحريات ووقف القوانين الجدلية مثل تعديل قانون الأحوال الشخصية.
وبالنسبة إلى القوانين المطروحة في البرلمان العراقي فإن نقابة المحامين دورها شبه مغيب، ومنظمات المجتمع المدني لم تؤد دورها في مناقشة تلك القوانين لأن القوانين الآن تمرر بطريقة مضللة ومشفرة ولا يستطيع الشعب أن يشارك فيها للأسف. القوى المتنفذة في البرلمان هي من تمرر القوانين بدون الرجوع إلى منظمات المجتمع المدني والمنظمات المعنية والجهات المختصة أصلا.
○ في السنوات الأخيرة، تزايدت حالات رفع المسؤولين الحكوميين والسياسيين الدعاوى القانونية ضد الإعلاميين والناشطين وأصحاب الرأي المعارض أو المنتقد، ما رأيك في ذلك؟
• كل الأصوات المعارضة لقمع الحريات وتقييد الرأي، ومنها التي نادت بدعم حقوق المرأة والطفل وعدم تمرير هذه القوانين الساذجة، جوبهت بالرفض تارة وبالتسقيط تارة أخرى إضافة إلى إقامة الدعاوى. أنا واحدة من الذين تعرضوا للتسقيط في سمعتي وتعرضت وعائلتي للتهديد والتسقيط الاجتماعي بل والتهديد بالقتل، فقط لأننا وجهنا انتقادات إلى مسؤولين حكوميين كانوا غير قادرين على تأدية مهامهم التشريعية التي انتخبوا من أجلها. وسبق وذكرت أن ما يجري من تعديل لبعض القوانين ما هو إلا لعبة سياسية بغيضة، هدفها إشغال الرأي العام عن الفشل الذريع الذي وقعت فيه الأحزاب بعدم تنفيذ وعودها الانتخابية. وهذا الإشغال للرأي العام سيمنعه من محاسبة هذه الأحزاب أو انتقادهم لقيامهم بهدر أموال الشعب وكرامته. حاليا الأحزاب السياسية تستخدم ماكنتها الإعلامية لتسقيط خصومها والإطاحة بهم وبكل من يحاول ان ينتقد عملها اللا مدروس أو قراراتها الهوجاء، وهذا يسبب كارثة داخل المجتمع العراقي، ويجعله غير قادر على المضي إلى الأمام والتقدم لخطوة واحدة.
○ تم تمرير تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 المثير للجدل في البرلمان؟ ماهي تداعياته؟
• كنا وما زلنا من المعارضين لتعديل قانون الأحوال الشخصية 188 وتخريبه تحت مسمى تعديله، لما له من تداعيات خطيرة ستنعكس على الأسرة العراقية وتهدر حقوق المرأة، وتصبح حضانة الطفل مهدورة وشبه مسلوبة من قبل الآباء والمشرعين لهذا التعديل، وهذا بحد ذاته سبب لغطا كبيرا ومشاكل كثيرة للأسرة.
○ كيف تنظرين إلى موقف نقابة المحامين العراقية من تعديل قانون الأحوال الشخصية؟ وهل هي مقصرة في واجبها تجاه المجتمع بخصوص هذا القانون؟
• في الماضي كانت لنقابة المحامين العراقيين مواقف وطنية مشرفة ازاء قضايا المجتمع والوطن، ولكن هذا الدور تراجع مؤخرا، حيث كان موقف النقابة خجولا جدا تجاه قانون الأحوال الشخصية، ولم يصدر عنها أي بيان أو تعقد مؤتمرا لدعم وحماية حقوق المرأة والطفل.
○ ما هي مبررات النقابة في مواقفها المشددة ضدك وضد المحامية قمر السامرائي؟
• يبدو أن النقابة استجابت للضغوط السياسية في موضوع فصلي من النقابة، وللتنويه قضيتي تختلف عن قضية المحامية قمر السامرائي، فقرار فصلي كان سياسيا بحتا وكانت هناك معارضة لمعارضتي تعديل قانون الأحوال الشخصية. وبعض أعضاء النقابة كانوا مع الجهة الأخرى ويرغبون بالتعديل، وكانت الهجمة علي من داخل النقابة من زملائي لكوني تبنيت معارضة القانون. ولا أعتقد ان النقابة تمتلك أية مبررات ضد أي محامي رفع صوته ينادي بالضد من تعديل القانون، ولكن يبدو أن هناك ضغوطا سياسية أقوى مما كنا نتوقع.
○ هل تعرضت إلى ضغوط وتهديدات بسبب موقفك المعارض لقانون الأحوال الشخصية؟
• نعم تعرضت لضغوط سياسية بسبب آرائي، وبسبب معارضتي لتعديل قانون 188، وهذه الآراء ترتبت عليها تهديدات بالقتل وأوامر بتصفيتي ما أدى إلى خروجي من بغداد وفصلت من نقابة المحامين بقرار سياسي، وطردت من أكثر من مكان كنت أعمل فيه، بناء على ضغوط سياسية على رؤسائي في العمل.
○ ما هي مبررات طرح هذا القانون؟ ألا يعكس تفريطا بحقوق الأسرة العراقية؟
• لا توجد أي مبررات لتعديل القانون سوى انها سياسة جديدة يراد فرضها على العراق، هي سياسة التوسع على حساب القاضي، وتوسيع صلاحيات رجال الدين على حساب السلطة القانونية والعودة إلى مربع قندهار. يبدو ان هناك خطة من أجل إعادة العراق إلى أيام الطائفية والتناحر ومصادرة الرأي وخلق قندهار جديدة بدل بغداد، والأحزاب الدينية هي من تدعم تعديل القانون، والهدف إشغال العراقيين به عن أزماتهم.
○ هل تعتقدين ان الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني كانت مقصرة في عدم منع التعديل أو التحشيد الشعبي ضده؟
• منظمات المجتمع المدني كانت مقصرة جدا، وبعض المنظمات كانت رافضة مجرد إصدار بيان لدعم حقوق المرأة والطفل، وكانت تكتفي بالتفرج، وقيادات بعض المنظمات دعمت تعديل القانون، بل ان بعض الناشطين هم من سربوا إلى السلطات معلومات عن المعارضين لهذا التعديل من أجل ملاحقتهم أو تصفيتهم. لم يكن هناك أي تحشيد من قبل الكثير من المنظمات عدا الجمعية العراقية أو شبكة النساء العراقيات وجمعية الأمل وبعض الشخصيات، ونحن الناشطين كنا نمارس نشاطات فردية لدعم حقوق المرأة، ولم تكن هناك منظمات أو أحزاب داعمة لنا.
○ هل تعتقدين ان حالات الطلاق والعزوف عن الزواج ستزداد في العراق بعد إقرار القانون؟
• نعم ستزداد بشكل جنوني بعد تمرير القانون لأنه قانون لا توجد فيه ضمانات لحقوق المرأة، وستبدأ المشاكل من فترة الخطوبة.
• هناك مخاوف لدى السنة في العراق من تزويج بناتهم لرجال شيعة بعد تعديل القانون، ما هي الضمانات التي يمكن أن يطلبوها عند الزواج المشترك (سني وشيعي)؟
• نعم هناك مخاوف جدية لدى العوائل السنية من تزويج بناتهم لرجال شيعة، كما ان هناك بعض مراجع الشيعة يحرمون تزويج المرأة الشيعية من سني. أما الضمانات التي سيطلبونها فأعتقد ان الضمانة الأولى ان يكون عقد الزواج في إقليم كردستان، لأن قانون كردستان في الأحوال الشخصية، أضمن لحقوق المرأة مما هو موجود في بغداد والجنوب. كما أن المحاكمات حول المشاكل الزوجية تكون حصرا في كردستان. وسترفض الكثير من العائلات الزواج على المدونة الجعفرية.
○ وفق القانون الجديد، يتم الاختيار بين المذاهب عند عقد الزواج؟ كيف يكون ذلك، وهل يمكن للزوج بموجبه ان يفرض عقيدته الطائفية على الزوجة؟
• مسألة الاختيار بين المذهبين عند عقد الزواج، أو محاولة فرض الزوج عقيدته على الزوجة، هو موضوع غامض ونحن ننتظر المدونة الجعفرية والتفسير القانوني لها من مجلس القضاء الأعلى والمحاكم المختصة، لأن مسودة القانون طرحت بطريقة مشفرة ولا يوجد فيها وضوح حول اختيار مذهب الزوج أو الزوجة عند العقد.
○ عند إعداد المدونة الجعفرية الخاصة بالقانون، هل يمكن للمجتمع أن يمارس دورا في تقليل الضرر ومنع الاستغلال؟
• لا أعتقد أن المجتمع يمكن ان يمارس هذا الدور، بل سيكون المجتمع داخلا في خضم معارك أهلية أو طائفية أو عائلية لان الموضوع للأسف يمس اللبنة الأولى للمجتمع وبذلك ستكون هناك مشاكل عميقة داخل الأسرة العراقية، وخاصة في موضوع اختيار المذهب لأن المسودة تفرض على الرجل ان يختار المذهب الذي سيتقاضى فيه هو وأولاده القاصرين. طيب في حال كبر الأولاد القاصرين ما هي حرية الاختيار لهم إذا كان الأب قد قرر اختيار مذهب معين؟ هو موضوع شائك وستكون هناك مشاكل كبيرة لا تحل بسهولة.
○ هل يتعارض هذا القانون مع التزامات العراق الدولية بخصوص الأسرة؟
• من المؤكد ان تشريع هذا القانون يؤثر على تعهدات العراق الدولية بخصوص حماية المرأة والطفل، لأن العراق موقع على أكثر من اتفاقية منها اتفاقية الرياض واتفاقية الأمم المتحدة لحماية حقوق الطفل، واتفاقية نبذ التمييز والعنف أو اتفاقية سيداو التي استخدم دعاة التعديل ماكنتهم الإعلامية من أجل بث التعتيم والتضليل بين الجمهور وقالوا ان هذه الاتفاقيات لحماية حقوق المثليين، وبالتالي مرروا هذا القانون بطريقة ساذجة وسخيفة.
وكانت الخبيرة القانونية، زينب جواد، وجهت عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، سلسلة انتقادات لتعديل القانون، أبرزها أن تعديل قانون الأحوال وبشكل خاص المادة «2» والمادة «10» منه تقوي سلطة الرجل على المرأة والطفل.
كما ينص التعديل على منح رجال الدين سلطة الحاكم الشرعي في عقد القران، ما يتيح لهم عقد زواج الفتيات بسن صغيرة قد تصل إلى 9 سنوات أو حتى أقل، بناء على مفهوم البلوغ الديني، سواء كان الزواج دائما أم منقطعا (مؤقتا).
وأضافت أن القانون المعمول به قبل التعديل، يجرّم الزواج خارج المحكمة وزواج القاصرات، ويفرض عقوبات على الأب الذي يزوج ابنته دون السن القانونية وهو 18 عاماً، وعلى الرجل الذي يتزوج فتاة قاصر. أما التعديل فإنه يلغي هذه المادة وينسفها، وهو ما قد يفتح الباب أمام تداعيات خطيرة. فيما يسمح هذا التعديل للرجل بتعدد الزوجات خارج المحكمة وبدون موافقة الزوجة الأولى أو الثانية، ما يشكل هدرا لكرامة وحقوق المرأة بشكل عام، ويزيد من تعميق التفاوت والتمييز في المجتمع.
وعن مسألة حضانة الأم للطفل، فقد بينت ان التعديل يترك الحضانة للمدونة الفقهية الخاصة بالمذهب الجعفري، إذ يقوم على أن تكون حضانة الأم للطفل سنتين فقط، وبعدها تسلب الحضانة من الأم وتذهب إلى الأب، وهو ما تعتبره الخبيرة القانونية «سرقة حق الطفل في أن يحظى بحنان الأم». علما ان القانون قبل التعديل، كان يسمح للرجل بأخذ الأطفال من الأم في حالة الطلاق بعد بلوغ الطفل سن 14 عاما.
وبالنسبة للإرث، فتعديله وفق هذه المدونة الفقهية يحرم الزوجة من ميراث زوجها في أصل العقار ويكون ميراثها من الأموال المنقولة فقط، وهذا يشكل مخالفة شرعية ودستورية، كما أنه سيسبب مشاكل اجتماعية واقتصادية خطيرة للمرأة.
وتوضح جواد، التبعات الأخرى التي سيخلفها التعديل، ومنها تفكك الأسر في المستقبل، سيما أن القاصرات غير قادرات على بناء أسر صالحة، ويؤدي التعديل إلى وجود غطاء قانوني للإتجار بالبشر عبر بيع بعض الآباء لبناتهم تحت مسمى الزواج، إذ أن بعض الآباء غير الأسوياء قد يستغلون ذلك لمصلحة شخصية، كما أن حرمان الزوجة من الميراث قد ينتج مشاكل أسرية مستعصية بين الأبناء والأمهات، ما قد ينتهي بالأمهات إلى التشرد. إضافة إلى أن سلب حضانة الأم سيؤدي إلى نتائج كارثية على الأطفال، إذ قد يعرضهم للمعاناة النفسية والسلوكية نتيجة انفصالهم عن أمهاتهم في سن مبكرة، هذا التغيير قد يساهم في خلق أجيال قد تكون عرضة للانحرافات السلوكية أو حتى الجريمة.
كما أن منح رجل الدين سلطة الزواج والطلاق يتسبب بتوسيع نفوذ رجال الدين على حساب المؤسسات القانونية ويسبب إرباكًا للدولة.
وأكدت جواد أن هذا التعديل جاء كمساومة سياسية، حيث صوتت الأحزاب الشيعية على قانون العفو العام (للسنة) وإعادة العقارات (للأكراد) مقابل تمرير تعديل قانون الأحوال الشخصية، ورأت في هذا التعديل صفقة ساذجة، متوقعة أنه سيتم التراجع عنه في المستقبل.
وإضافة إلى تقييد حرية الرأي المعارض لبعض القوانين ولسياسة وأداء الحكومة، فإن معظم الناشطين والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية ومنظمات المجتمع المدني، يتفقون على ان تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188، ستكون نتائجه كارثية على الأسرة والمجتمع، وستزيد المشاكل بشكل واسع وخاصة حالات الطلاق وتشرد الأبناء وتشتت العائلات وحرمان المرأة والطفل من حقوقهما، وبالتالي فالقانون الجديد إذا كان يحقق أهدافا سياسية لبعض الأحزاب، فإن المؤكد انه سيتسبب بتداعيات خطيرة على أوضاع العائلة العراقية.