القاهرة ـ «القدس العربي»: في اللحظة التي نطق فيها القاضي الحكم بالإعدام على الرئيس المعزول محمد مرسي والعديد من رموز الإخوان كثيرون رأوا ان حبل المشنقة بات يلتف حول النظام الذي قاد أول رئيس منتخب لغياهب السجون.
انهم يعدونه بدون ان يدركوا ليكون أيقونة الثورة تماماً كما فعل الزعيم جمال عبد الناصر مع مفكر الإخوان سيد قطب الذي بلغت سمعته الآفاق بعد ان اعدم وظل حياً يرزق بفكره فيما طوى التاريخ سيرة خصومه في مقبرته. كثير من خصوم الجماعة يرددون في مجالسهم الخاصة «الإعدام سيحوله لبطل في أعين الناس..والجماعة ستجلب تعاطفاً كبيراً «. وجهة النظر تلك يؤمن بها الكثير من المراقبين والمحللين خاصة اولئك الذين لا يهتمون بوجود مواءمات بينه وبين أجنحة السلطة وعلى رأسهم استاذ العلوم السياسية حسن نافعه الذي علق على الأمر قائلاً: إن تواتر أحكام الإعدام على النحو الذي رأينا في الفترة الأخيرة يثير القلق في نفوس الجميع.
وفي سياق التعامل بغلظة شديدة مع النشطاء حتى اولئك الذين لا ينتمون للإخوان ابدى نافعة قلقه من ان يسفر ذلك عن مزيد من الغضب على السلطة لأن هناك انتهاكا واضحا في طريقة القبض على المواطنين واحتجازهم، لافتا إلى أن المجلس القومي لحقوق الإنسان أكد وجود حالات تعذيب كثيرة داخل السجون المصرية.
فيما يرى آخرون ان هناك حرصا شديدا من النظام المصري على الاحتفاظ بقيادات الإخوان المعتقلين لأطول وقت ممكن، ليكونوا بمثابة ورقة رابحة للتفاوض عليها لإنهاء المعارضة المستمرة. ولا يستبعد هؤلاء ان يقوم النظام باستثمار مرسي ورفاقه في الخروج من دوامة الأزمة الاقتصادية عبر القبول بصفقة تتدخل فيها جهات ودول خارجية تقضي بالافراج عن الرئيس مقابل شحنة من»الرز» وهو التشبيه المستخدم على نطاق واسع بعد التسريبات التي نسبت لكبار قيادات الدولة عند الحديث عن الدولارات والمنح الخليجية.
وبقدر ما أثارت الأحكام السابقة حالة من الغضب بين الإخوان إلا ان الدهشة اعترت أوساط المحامين ونشطاء حقوق الإنسان بسبب ما شهدته تلك المحاكمات من إجراءات باطلة وأحكام على معتقلين يتهمون بالتخطيط لقلب نظام الحكم وقتل عناصر الشرطة ببينما هم في قبضة الشرطة. وكانت محكمة جنايات القاهرة أصدرت قراراً بإحالة أوراق مرسي ونحو مئة من قيادات وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس وحزب الله اللبناني إلى المفتي، تمهيدا لإعدامهم في قضية الهروب من السجن، كما أحالت أوراق 16 من قيادات الإخوان إلى المفتي في قضية التخابر مع حماس وأبرز دليل على ان الإخوان لن يسمحوا بأن يدفع بالرئيس لحبل المشنقة بدون ثمن ذلك، التحذير الذي اطلقته الجماعة وفحواه أن العالم كله سيدفع الثمن إذا تم إعدام مرسي.
واجمع خصوم الجماعة ومؤيدوها على حقيقة لا يمكن تجاهلها مفادها أنه مهما سعى النظام لتشويه الرئيس المعزول وتكبيله بالتهم إلا انهم لا يستطيعون ان ينزعوا عنه صفة انه أول رئيس منتخب بعد ثورة يوليو، وبالتالي فإن الإقدام على تنفيذ الحكم بإعدامه لا يمكن بأي حال ان تحتمله الحكومة التي تواجه مصاعب اقتصادية لا تؤهلها لتحمل عقوبات خارجية.
وقال مصطفى البدري، القيادي في الجبهة السلفية، إن النظام الراهن ابتكر وأبدع وسائل جديدة لقمع المعارضين والرافضين له «بعدما قتلوا بدم باررد النشطاء على الهواء مباشرة في الشوارع وفي أقسام الشرطة وداخل السجون، ابتكروا وسيلة لم يعرفها العالم من قبل وتتمثل في قتلهم بأحكام ظالمة، وعبر سلطة تعرف جيداً كيف تتلاعب بالقانون وبأدلة الإثبات». وفي السياق ذاته يقول الناشط السياسي ممدوح حمزة إن الحكم لن ينفذ، حيث سيأتي المنقذ ويعفي أو يخفف الحكم لأسباب ستساق لنا في حينه، وكلها لمصلحة الحكم.
ومن اللافت ان رهان النظام على صمت العالم على الحكم القضائي الأخير قد سقط بعد أن انضمت بلدان أخرى لسلسة الغاضبين على الحكومة المصرية ولعل برلين، أربكت النظام. فبينما كان الرئيس عبد الفتاح السيسي يعد العدة لزيارة ألمانيا جاء رفض رئيس البرلمان الألماني لقائه. وحسب مراقبين فإن رفض رئيس البرلمان استقبال السيسي لا يعد إهانة بروتوكولية، بقدر ما هو جرس انذار للتأكيد على ضرورة العودة إلى المسار الديمقراطي في مصر. ومن جانبه تساءل الإعلامي الالماني كويستوفر شتراك عما إذا كانت مصر قد حظيت في يوم ما بأسس نظام ديمقراطي مستقر.
ومن اللافت ان رهان بعض المتعاطفين مع الإخوان على المملكة السعودية خاطئ بحسب بعض المراقبين الذين أكدوا أن العاهل الحالي حضر حفل تنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسي، كما أن ولي عهده هو وزير الداخلية الذي أصدر قرارا باعتبار جماعة الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا، وأن الخارجية الأمريكية اعتبرت الحكم على محمد مرسي جائرا بينما التزم نظام الحكم في السعودية الصمت المطبق حيث لم يعلق أي مسؤول على الحكم فيما رفع العديد من رجال الدين في المملكة أكف الضراعة كي يجنب الله مصر ويلات الظلم وان يعيد الحق إلى أهله.
من جانبه وفيما يشبه المرثية قال محمد منتصر – المتحدث الإعلامي باسم جماعة الإخوان المسلمين:
إنهم يقتلون الوطن في محاولات يائسة لقتل الثورة… إنهم يقتلون الوطن في أجمل ما فيه… مرت مصر خلال يومين بثلاث محاولات للقتل لكنها محاولات فاشلة. أول محاولة كانت لقتل شباب مصر وأملها هو أنس المهدي رحمة الله عليه يلقى ربه شهيداً في محبسه على يد الانقلابيين، ثم محاولة قتل التجربة الديمقراطية بالحكم بإحالة أوراق الرئيس الشرعي إلى المفتى… حكم بالإعدام على أول حلم لتجربة ديمقراطية ولآخر مكتسبات ثورة 25 يناير.
وتابع: ثم آخر محاولاتهم البائسة اليوم حظر جميع أنشطة الأولتراس في مصر… ومحاولة منع صوت مصر الهادر وروحها الشابة من التعبير والهتاف.
لكننا نقول لهم لن تستطيعوا قتل هذا الوطن فإن الوطن قوي وفيه من الثوار كثير… سيخرج لكم الملايين من أنس المهدي… ستكتمل ثورتنا وتقر أعيننا برئيسنا الشرعي المنتخب… لن تستطيعوا كتم أصواتنا وأصوات الأولتراس ستظل هتافاتنا تصم آذانكم… يسقط يسقط حكم العسكر .. يا غراب ومعشش جوا بيوتنا..
واختتم قائلاً: إن الوطن باق… وإن الثورة مستمرة قوية… وإن الأحرار أبدًا لا ينكسرون.
وتواصلت الردود الغاضبة بسبب الحكم بإعدام مرسي وسخر العديد من المنتمين للإخوان من النظام الذي حمى الرئيس المعزول مبارك، الذي أفقر شعبه حتى حصل على البراءة، فيما قدم بريئاً لحبل المشنقة. وندد أيمن عبدالغني، أمين الشباب، عضو الهيئة العليا لحزب «الحرية والعدالة» بقرار إعدام رموز الإخوان قائلاً: «القضية هزلية، حيث يحاكم فيها رئيس منتخب، باتهامات ملفقة ولا أساس لها من الصحة من الأجهزة الأمنية». وحول ما هو متوقع من الجماعة خلال الأيام المقبلة قال «قريباً جداً ستنطلق حملة دولية للدفاع عن إرادة الشعب المصري الذي انتخب محمد مرسي كأول رئيس لمصر بعد ثورة 25 يناير». وأشار إلى ان الأحرار في العالم يرفضون تلفيق القضايا الزائفة للرئيس ومن معه معتبراً إياها أهانة للعدالة.
حسام عبد البصير