نيويورك – “القدس العربي”: لأول مرة على الإطلاق، طلبت منظمة مقرها الولايات المتحدة رسميًا من المحكمة الجنائية الدولية التحقيق مع الرئيس الأمريكي السابق، جو بايدن، والعديد من كبار مسؤولي إدارته لاحتمال تورطهم في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الحرب على غزة، التي استمرت 471 يومًا.
وجاء في الطلب، المكوّن من 172 صفحة، والذي تقدّمت به “منظمة الديمقراطية من أجل العالم العربي الآن” (DAWN)، أن العديد من الشخصيات الرفيعة في الإدارة، بمن فيهم الرئيس السابق جو بايدن، ووزير الخارجية السابق أنتوني بلينكن، ووزير الدفاع السابق لويد أوستن، قد ساعدوا وشجّعوا جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة.
“بلاغ المادة 15”: من خلال تقديم الدعم السياسي والعسكري غير المشروط لإسرائيل، ساهم بايدن وبلينكن وأوستن عمداً في ارتكاب الجرائم
وصرّح ريد برودي، المدعي العام لجرائم الحرب وعضو مجلس إدارة DAWN، لموقع Zeteo الإخباري، أن هذه القضية قد تواجه ردود فعل وضغوطًا سياسية، لكن ذلك لا يغيّر الرسالة التي ترسلها: “الإفلات من العقاب ليس أمرًا مفروغًا منه. إذا كان من المفترض أن تعني سيادة القانون شيئًا، فيجب أن تنطبق على الجميع – ليس فقط على أعدائنا، ولكن أيضًا على أصدقائنا، ونعم، على أنفسنا.”
وأضاف: “نحن عند نقطة تحول. والسؤال هو: هل ستقوم المحكمة الجنائية الدولية والقانون الدولي بدفن المزيد من الضحايا تحت أنقاض غزة؟”
وتوضح ملفات منظمة DAWN، المعروفة باسم “بلاغ المادة 15″، كيف قدّم المسؤولون الأمريكيون دعمًا عسكريًا ودبلوماسيًا مستمرًا لإسرائيل، رغم إدراكهم أن مساعداتهم تُستخدم في ارتكاب جرائم حرب. وهي الجرائم نفسها التي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال بحق القادة الإسرائيليين بسببها، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت. وعليه، تؤكد منظمة DAWN أن المسؤولين الأمريكيين يستوفون المعيار القانوني لـ”المساعدة والتحريض” على مثل هذه الجرائم.
وقد شمل الدعم الأمريكي لإسرائيل ما لا يقل عن 17.9 مليار دولار من عمليات نقل الأسلحة، إضافةً إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف، واستخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد العديد من قرارات الأمم المتحدة التي دعت إلى وقف إطلاق النار، أو التوصل إلى صفقة لإطلاق الرهائن، أو زيادة المساعدات الإنسانية، وذلك على مدار 15 شهرًا. كما تضمن ذلك إرسال أسلحة بشكل متكرر إلى إسرائيل دون مراجعة الكونغرس، بما في ذلك الأسلحة التي استُخدمت في ارتكاب ما قد يرقى إلى جرائم حرب، مثل قتل هند رجب.
“من خلال تقديم الدعم السياسي والعسكري غير المشروط لإسرائيل، مع إدراكهم الكامل للجرائم التي ارتكبها نتنياهو وغالانت، فقد ساهم الرئيس بايدن، ووزير الخارجية بلينكن، ووزير الدفاع أوستن، عمدًا في ارتكاب تلك الجرائم، مع علمهم بنيّة المجموعة ارتكابها، إن لم يكن بهدف تعزيز مثل هذا النشاط الإجرامي”، كما جاء في الملف.
وأضافت سارة ليا واتسون، المديرة التنفيذية لمنظمة DAWN، في بيان: “لم يكتفِ بايدن وبلينكن وأوستن بتجاهل الأدلة الدامغة على الجرائم البشعة والمتعمدة التي ارتكبتها إسرائيل، بل تجاهلوا أيضًا توصيات موظفيهم بوقف نقل الأسلحة إليها. بل ضاعفوا جهودهم عبر تزويد إسرائيل بالدعم العسكري والسياسي غير المشروط، ما ضمن لها القدرة على تنفيذ فظائعها.”
وقد دافعت إدارة بايدن عن سياستها في العديد من المناسبات، خصوصًا عندما تعرضت لضغوط، مدعية أن “لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها.” وزعمت أن أي خسائر مدنية غير مقبولة، وأن الإدارة “تدفع الشركاء في إسرائيل” لتحسين سلوكهم، لكنها لم تتخذ أي خطوات ملموسة تقريبًا لممارسة ضغوط حقيقية على تل أبيب.
كما أشار ملف منظمة DAWN إلى مسؤولين آخرين في إدارة بايدن، بمن فيهم مستشار الأمن القومي السابق، جاك سوليفان، ووزيرة التجارة السابقة، جينا رايموندو، باعتبارهم أفرادًا ينبغي التحقيق معهم لتحديد مدى مسؤوليتهم عن جرائم الحرب الإسرائيلية.
وكانت منظمة DAWN قد تقدّمت بهذا الطلب الشهر الماضي، في اليوم نفسه الذي دخل فيه وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لكن الإعلان عنه لم يتم إلا يوم الاثنين الماضي، الموافق 24 فبراير/ شباط. وقد أيد الطلب العديد من المحامين المسجلين لدى المحكمة الجنائية الدولية وخبراء في جرائم الحرب.
تنضم منظمة DAWN بهذا الطلب إلى سلسلة من الإجراءات القانونية المتخذة ردًا على الإبادة الجماعية الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة في غزة. ففي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، رفع فلسطينيون وأمريكيون من أصل فلسطيني دعوى قضائية فيدرالية ضد بلينكن، متهمين إدارته بالفشل في تنفيذ قانون ليهي، الذي يحظر على الولايات المتحدة إرسال مساعدات عسكرية لقوات أمن أجنبية ترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
كما كانت جنوب أفريقيا قد تقدمت بشكوى رسمية إلى محكمة العدل الدولية، تبعتها عدة دول، مثل إسبانيا، وأيرلندا، وبلجيكا، تتهم فيها إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية. وقد أمرت المحكمة بالفعل إسرائيل بمنع أعمال الإبادة الجماعية، إلا أن الأخيرة استمرت في تجاهل قراراتها، رغم إصدار المحكمة ثلاث حزم من الإجراءات المستعجلة التي طالبت إسرائيل بتنفيذها فورًا، دون جدوى. وما زالت المحكمة تبحث إمكانية إصدار فتوى قانونية حول ما جرى في غزة، لتحديد ما إذا كانت الأحداث ترقى إلى “جريمة إبادة جماعية” أم لا.
وفي العام الماضي، رفعت مجموعة من منظمات حقوق الإنسان وسكان غزة ومواطنون أمريكيون، تضررت عائلاتهم من الهجوم العسكري الإسرائيلي، دعوى قضائية ضد بايدن وبلينكن وأوستن، متهمين إياهم بالفشل في “منع الإبادة الجماعية المتكشفة”. ورغم أن قاضيًا فيدراليًا حكم بعدم اختصاص المحكمة، فقد وجّه انتقادات حادة لإدارة بايدن، مؤكدًا أن “من المعقول” اعتبار سلوك إسرائيل إبادة جماعية، وحث البيت الأبيض على “إعادة النظر في تبعات دعمه المستمر للحصار العسكري المفروض على الفلسطينيين في غزة.”