توصيف او إطلاق صفات او آوصاف شرعية على أنظمة إبتعدت عن الزهد وتزهو بثوب الدنيا فيه إستغفال للناس، وكثير من الإسفاف والإستخفاف لدرجة الوقاحة، الأصل ان توصف الأشياء كما هي لينطبق الوصف على الموصوف لفهم ما هيتها ولتظهر على حقيقتها.منذ وعيِّنا على هذه الدنيا لا ينفك الإعلام الرسمي العربي ومنه الأردني عن وصف قيادات الأنظمة بالحكيمة والمظفرة والحكومات بالرشيدة، ناهيك عن الألقاب الأخرى كـ إمارة المؤمنيين، والجلالة والفخامة والمهابة والسيادة والعظمة والسمو والمعالي، وهم الأوائل في العلم والثقافة والفروسية والرياضة والسباحة وو..الخ.سقوط بعض القيادات كشف ان رموزها لاشيء من هذا ولا ذاك، منهم من فرّ مذعور عند اول هزّة، وآضحى إما مخلوع او مجرم فار متهم بالقتل والسرقة والإختلاس والنهب او خلف القضبان، او لاقى حتفه مسحولاً، اما باقي الطبالين فضاقت عليهم الأرض بما رحبت.ما يعنينا من تلك الآوصاف ‘الحكمة والرشاد’ اما باقي التوصيفات فالناس اعلم بمن يستحقها ومنها ما يخص الله سبحانه وتعالى، وإمتلاك الحكمة فيه قرار إلهي خص بعض عباده من بني البشر الساعيين الباحثيين لفهم تفاصيل الكون، وتأكيداً لذلك قال تعالى (يؤتي الحكمة من يشاء)، (ولقد اتينا لقمان الحكمة).عرّف بعضهم الحكمة على انها ‘عمل ما ينبغي، كما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي’ أي وضع الأمور في نصابها، وبذلك يقترن العلم بالمعرفة والتجربة والخبرة بالزمن للوصول الى الحقيقة، والنفس التي تمتلك لحكمة تتجنب السقوط بالشهوات التي يقع فيها الجهلة. وفي هذا المقام قال سيدنا عليّ كرم الله وجهه: ‘إن الحكمة هي ضالة المؤمن، فخذوا الحكمة ولو من أهل النفاق’، وقال هيجل ‘الحكمة هي أعلى المراتب التي يمكن أن يتوصل إليها الإنسان.. إنها ذروة الذرى وغاية الغايات وهنيئا لمن يتوصل إلى الحكمة والرزانة’.وعليه الحكمة لا تقتصر على دين او عرق او طائفة او فئة او ملّة بعينها ويهبها الله من يشاء، ويمتلكها الإنسان بالسعي والبحث والعلم ليصل الى ذروة الذرى كما قال هيجل، وبمعنى آخر المدارك والعلوم والمعارف لا تورث جينياً بالمطلق ولا تؤتى لكل الناس، ولو كان الأمر كذلك لإنتهى كل شيء.اما الرشاد فقال تعالى (يَا قَوْمِ: اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ) لكنهم لم يستجيبوا لأمره، و(أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) وحتى لو تم البحث عنه في هذا الزمان بـِ ‘المندل’ أي لدى العرافين فلن تجده بينهم، (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً) ولكن غُشيّ على أسماعهم وابصارهم وزاغوا عن طريق الحق، و(قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِ) وإختاروا الآخيرة سبيلا، فالرشد والهداية من الأيمان لكنهم صدوا عن سبيل الحق، وإتبعوا الشهوات ووصلوا الى ما وصلوا إليه.وقال تعالى: (…. وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَات)،وهذا يشمل كل شيء، فالله فرق بين الناس بـِ العلم، والدين، والحكمة، والعقل، وسلامة الجسد ..الخ، فرِفعة الدرجة لا تكون لنسب او حسب او لمنصب، ولكون الأمور عادةً تقاس بنتائجها فالحال الذي وصلت إليه الأمة يدل دلالة قاطعة على غياب الحكمة والرشاد، ولم تفُز في الدنيا ولا في الآخره.على سبيل المثال لا الحصر في الأردن حكوماتنا رشيدة، وروؤساؤها آصحاب دولة وفخامة، ووزرائها آصحاب معالي، وتلك الالقاب والصفات فخرية على سبيل المُنحة وليس إستحقاق عن مثابرة وجدارة، ومن الآصح ان تطلق بعض تلك الأوصاف على الأشياء!فصفة فخم غير مستساغة ولا تتناسب مع الإنسان، والأدق ان توصف بها الأبنية والتحف الرائعة والثمينة وشبيهاتها، لكن عُرّب هذا الزمان اطلقوها على الأشخاص بمعنى الرفعة وعظمة القدر، على الرغم ان قسم منهم منغمس بالفساد من آعلى رأسه الى أخمس قدمية ويقبع آدنى الدرجات.جُل هؤلاء محل ريبة وشك، ووقفوا على بوابة دائرة المدعي العام مطلوب إما للتحقيق او الشهادة على سرقة ونهب المال العام مجرد من كل تلك الأوصاف والآلقاب، وبوصوله الى ذاك المكان لتلك الغاية لم يعُد رفيع المستوى ولا غليظ، بل متهم، ولو كان هناك إرادة حقيقة للحساب على ما إقرفته يداهم، لإنتهى معظمهم مجرمين محكومين خلف القضبان الوصف الأكثر دقة والمستحق عن جدارة!المحامي عبدالوهاب المجالي