الملك في مواجهة مطالب الشارع الأردني

حجم الخط
0

د. يوسف ربابعة ربما سيكون علينا أن نتذكر بعد فوات الأوان أن الأحداث الصغيرة والكلمات القليلة تتحول إلى أحداث عظيمة وثورات عارمة ، فقد لاحظنا وبعد تشكيل حكومة فايز الطراونة أن مطالب الشارع والحراكات الشعبية قد زادت من وتيرة مطالبها ورفعت سقف شعاراتها، حتى وصل بعضها إلى المطالبة علنا بإسقاط النظام، وهذا لم يكن يحدث من قبل، كما أنها رفعت شعارات تتحدث عن الملك مباشرة وبالاسم دون مواربة، مما حدا بالطراونة في آخر تصريحات له أن يحذر من هذه الشعارات ويهدد أصحابها بالعقوبات نتيجة ما سماه (التطاول على سيد البلاد)، وكان على فايز الطراونة وغيره من الذين تسلموا المسؤوليات وكانوا مقربين من الملك وما زالوا، أن يسألوا عن السبب الذي جعل الناس يصلون لمرحلة الحديث عن الملك مباشرة ودون حواجز، وعن الأسباب التي جعلت الملك في مواجهة مع الشارع والناس.إن ما رأيناه وعايناه في العقد الأخير من الحكم في الأردن يصل إلى حد وصفه بالمراهقة السياسية وعدم فهم ما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الحاكم والمحكوم وحدود كل منهما، فالعلاقة ليست علاقة عاطفية تقوم على الحب والعشق والتسابق على ذلك، فليس من الضروري أنه يجب علي أن أحب الملك حتى أكون مواطنا صالحا منتميا، وقد سألني يوما أحد القادمين من دولة غربية فقال لي: هل تحب الملك، فقلت له ودون تفكير: ليس بيني وبينه أية علاقة، لا أعرفه ولا يعرفني، وتبينت بعد ذلك أنه يسألني قاصدا، لأنه روى لي أنه ركب مع سائق تكسي وسأله نفس السؤال، فقال السائق: (نعم أحبه أكثر من أمي وأبوي وزوجتي واولادي) فكانت إجابة غريبة لم يستوعبها ولم يصدقها كذلك، ولكن كما فسر هو لي أن السائق خاف منه لأنه هو الذي بادره بالسؤال. ومثل هذه الإجابة والحوادث المشابهة لها هي دلالة على الفهم الخاطئ والمشوه الذي زرعه المسؤولون في نفوس الناس، فيما يتعلق بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وقد قال يوما فيصل الفايز عندما كان رئيسا للوزراء في زيارة له إلى عجلون، وأمام كل الناس عندما كانوا يطالبونه بوظائف، قال: (اللي مع الهاشميين بتوظف واللي مش معهم ما إله وظيفـــــة)، وقد يلاحظ كل منا أن من يعلقون صورة الملك على ســــياراتهم هم أكثر الناس تجاوزا لقوانين السير وعدم احترام لها، لا بل إن كثيرا من الناس تعرضوا لابتزاز واضــــطهاد من أناس يتحدثون باسم الملك أو ممن هم قريبون منه، والأدهى من ذلك أن كل المشاريع الخاسرة التي كلفت الدولة وزادت المديونية كانت تمرر تحت ذريعة (رغــبة سيدنا)، وكان الكل يسكت ويخاف حتى لو كان يملك الحقيقة.إن المستشارين والمقربين من الملك لم يكونوا على قدر كبير من الفهم ليعرفوا أن العلاقة المشوهة والقائمة على الخوف والتخوين والابتزاز سوف تنتج مجتمعا ساخطا في المستقبل غير قادر على التمييز بين الملك والسلطات من حوله، حيث تحولت شخصية الملك إلى موضوع يدخل في تفاصيل الحكم من كبيرها إلى صغيرها، حتى كان عليه قبل أيام أن يذهب إلى قرية صغيرة لحل مشكلة المياه، وصار الناس يعتقدون أن كل شيء يحتاج إلى الملك حتى يسير ويتحقق، وصار الناس يتصلون مع الديوان الملكي لحل مشكلات صغيرة تتعلق بشبكات المياه والكهرباء والشوارع والتعليم والصحة، وكان مستشارو الملك يعتقدون أن ذلك سيزيد من شعبية الملك ومحبة الناس له، ولم يدركوا أن شرعية الملك مستمدة من الدستور والقانون وليس من رسائل العشق ولا لافتات الولاء، وأن المكارم والعطايا والهبات تقلل من احترام الإنسان لذاته وتجعله رهن الصدقات وتحوله إلى متسول، بل أن العطايا والهبات تجعل الإنسان يفقد احترامه لذاته ولا يبقى في قلبه احترام لأحد، وكانت العرب تقول: ‘اتق شر من أحسنت إليه’، فمن يقبل منك اليوم سيدفع له غيرك في المستقبل أكثر منك ويشتري ولاءه.إن ما غفل عنه المسؤولون هو أن قوة الملك والحفاظ عليه تحتاج إلى مؤسسات قوية، وأي إضعاف لمؤسسات الدولة هو إضعاف للملك وموقعه، فالنظام الملكي في الأساس يعتبر أن الملك هو رأس الدولة، ولذا فيجب أن يكون هناك دولة حتى يكون لها رأس، واذا ضعفت الدولة ضعف الرأس بالضرورة، والمؤسسات القوية تحمي الملك وتصونه من المساءلة لأنه غير مسؤول عن التنفيذ والتشريع والقضاء، وهكذا يمكن الحفاظ على الحكم الملكي والملك، أما ما حدث عندنا فهو عكس ما هو مفروض، ولذا فإنه ليس من المستهجن ولا المستغرب أن يخرج الناس في الشوارع لمطالبة الملك مباشرة ودون حواجز، وتحميله المسؤولية عن كل ما يحدث، وعن كل مشكلة صغيرة وكبيرة لأن مؤسسات الدولة لم تعد قادرة على تشكيل حاجز قوي لحماية الملك، وما زالت الطريقة نفسها متبعة إلى يومنا هذا، حتى صارت تصل إلى حد المسرحيات المكشوفة، وكأنهم يتعاملون مع الشعب الأردني على أنه قليل الفهم ولا يعرف شيئا، مع أن كل هذه الحركات التي يديرها مستشارو الملك لم تعد تنطلي على طفل صغير، والمشاكل لا تخلها زيارة عابرة يصورها التلفزيون الأردني، بل لا بد من العمل بالقواعد والقوانين العلمية والعملية لحل مشاكل الناس، التي يعود أغلبها لسوء في الإدارة، يمكن لموظف صغير أن يحلها دون كامرات تصوير ولا مكارم وعطايا، ولذا فإنني أقول: إن من حق الشعب الأردني أن يعرف المستوى السياسي والفكري والعقلي للمستشارين حول الملك.’ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية