تخمة في الإعلام المسيطر عليه بالاردن

حجم الخط
0

بسام البدارينأشك شخصيا في أن هدف الحكومة الأردنية الحقيقي من التعديلات الأخيرة التي قررتها على قانون المبطوعات والنشر هو تطوير مهنة الصحافة والإعلام الإلكتروني أو تنظيم القطاع فقط كما يدعي بعض المسؤولين فالحكومات المحلية لا تؤمن بالإعلام أصلا حتى تسعى لتطويره وتاريخيا حكمت مؤسسات القرار نظرة تعتبر الصحافة خصما لابد من شرائها أو السيطرة التامة على إيقاعها عبر إرعابها.وفي الكثير من مراحل الماضي كانت الأجهزة الأمنية تصرعلى أن الصحافة الحرة تؤدي لإضطرابات وحروب أهلية وكانت حلقات الأمن تضرب لنا مثلا دائما بالصحافة اللبنانية وتمنيت يوما أن يضرب لي أحد المسؤولين مثلا في الصحافة الغربية التي حمت الأوطان من الحرب الأهلية وساهمت في الإستقرار والأمن الوطني وليس العكس.لا زلت مقتنعا بأن الصحافة الحرة المستقلة المهنية تدعم نظام الحكم الرشيد وتشيع الإستقرار وتساهم في محاربة الفساد وتصنع الإزدهار وتحمي البلاد من شرور الصدام الأهلي.لكن هذا النوع من الصحافة ظل دوما هدفا لمؤسسات الإدارة التي ترى بالصحافة إما مطية لابد من إرعابها أو ركوبها أو خصما لابد من التصدي له. ولا زلت مقتنعا بأن الصحافة الرديئة وبلادي متخمة فيها للأسف هذه الأيام صنيعة لمؤسسات النظام وحلقاته الأمنية التي تصرفت عبر عقود ببلاهة وبصورة سرية لإستخلاص أسوأ ما في قدرات بعض الزملاء الإعلاميين والصحافيين وأسوأ ما في طاقاتهم لأغراض تمرير روايات بائسة عن الأحداث أو لغايات إستهداف الخصوم السياسيين للمؤسسة أو الخصوم الشخصيين لمدراء ورموز في المؤسسة لان الصحافي المهني لا يمكن إستخدامه إلا في مهمة محترمة ومهنية أما الصحافي الرديء فهو بندقية مجنونة موتورة يمكن إطلاق رصاصها في أي إتجاه وعلى أي هدف وفي أي وقت. اليوم تضطر الحكومة الأردنية لإستهداف كل الصحافة بعدما ذاقت الأمرين من بعضها عبر إحياء دور {رقيب المطبوعات} وهي وظيفة لا توجد إلا في البلدان المتخلفة جدا أو تلك التي لا تثق بنفسها أو تفعل أشياء خاطئة في العتمة ..السبب واضح وهو تحول {بعض} الصحافة الرديئة إلى {وحش} لايمكن السيطرة عليه وينهش الجميع بدون إستئذان. ولكي تطوع الحكومة هذا الوحش الصغير بعد أن أعياها نهشا ومرمطها وأفلتت بسببه كل المعايير تدعي أنها تريد أن تحمي المهنة وتنظمها فتأتي في وقت متأخر تماما لكي تفرض تعديلات لا تميز بين الغث والسمين وتساوي بين الصحافة الجيدة والمهنية والأخرى الرديئة فتراقب الجميع وتبتعد عن آليات بسيطة يمكن عبرها فرز الغث عن السمين.لكنها آليات لو تم إتباعها لإنكشف الطابق ولفضحت عمليات الرعاية الخلفية البيروقراطية والنخبوية والأمنية للصحافة الرديئة التي صنعت صناعة وراء الكواليس وفي أروقة المؤسسات الرسمية ونمت وتوحشت وتعملقت لدرجة أنها أصبحت أقوى في بعض الأحيان من صانعيها وفرضت أجندتها عليهم.بدلا من {حرمان} الصحافة الرديئة بقرارات إدارية وسياسية بسيطة من المغذيات التي تزودها بأسباب البقاء والقوة والصمود سارعت الحكومة لإصدار سلسلة تشريعات تقيد كل الصحافة وتساوي بين جميع أركانها على حساب المصداقية وإنسياب المعلومات والإنفتاح السياسي. ولذلك سبب لو أردنا التحدث بصراحة فالحرمان من المغذيات يعني عمليا كشف بعض أسرار تمويل ودعم ومساندة الصحف الرديئة التي تقول الحكومة اليوم أنها تؤذي الوطن والمواطن وهي كذلك بكل الأحوال لكنها ذريعة الفاشل وحجة المخطىء الذي لا يريد مكاشفة حقيقية تنتهي بتبيان مظاهر الجريمة التي إرتكبت بحق الإعلام الوطني والشعب وحتى الدولة نفسها عبر نخب ومفاصل في دوائر القرار أفسدت الصحافة مباشرة. يعلم رئيس الوزراء فايز الطراونة الذي يخطط للبقاء لأطول فترة ممكنة في الحكم عبر إنجاز ملف الصحافة الإلكترونية أن الإلكترونيات المشاغبة أو المناكفة أو التي تسيء للوحدة للوطنية وتبالغ في مسألة الفساد وتسيء لكرامات الأفراد والإستثمار ولدت أصلا في رحم مؤسسات الدولة. ويعلم بأن المغذيات التي كانت تمنح لبعض أبناء الكار على شكل إمتيازات هي السبب في صناعة الوحش فالأجهزة الأمنية في مراحل سابقة كانت تلعب دور {مندوب إعلانات} لبعض الإلكترونيات وتجبر الشركات الكبيرة على تمويلها ودعمها فيما لوحق وعوقب الصحافيون الحقيقيون أصحاب الرأي القابضون على جمر المهنة.بعض المسؤولين عن الإعلام السلبي والرديء أصبحوا وزراء وتقلدوا مناصب وظيفية هامة في الدولة وآخر ما يفكر به صناع القرار عند إختيار طاقم لإدارة مؤسسات الإعلام الرسمي هو الكفاءة والمهنية فالمعيار الأمني قبل أي شيء آخر وزوايا المقالات في الصحف الكبرى وكذلك بعض تراخيص المواقع توزع كالشقق المفروشة على بعض الأقلام التي لا تتورع عن إرتكاب اي حماقة.من يشتكي منهم البرلمان والحكومة والقصر الملكي اليوم تخصص لهم العطايا والمزايا والوظائف العليا خلف الستارة ويتم إجلاسهم على طاولة الملك وأحيانا يسافر بعضهم على طائرته وهؤلاء يوفر لهم التمويل عبر إعلانات وإشتراكات وهمية نخبة من كبار المسؤولين في عملية إبتزاز يخضع لها القطاع الخاص أحيانا. ومخزن المعلومات الذي تستخدمه التعبيرات الرديئة في الإعلام يخرج في الواقع من أفواه نخبة من كبار سياسيي وجنرالات ومسؤولي المملكة المتقاعدين والعاملين فالكثير منهم يستخدم الإعلام للتشويه والمعارك الشخصية أو لتمجيد الذات وتعزيز المصالح .. لذلك فقط توزع وظائف إستشارية على بعض العاملين في الصحافة بدون وجه حق.ولذلك فقط يمكنك ببساطة أن تجد صحافيا مغمورا يشكك بنخب وطنية كبيرة ومحترمة أو يتجاوز كل الخطوط الحمراء ويمتدح رئيس الوزراء وعائلته فيصبح بعد 24 مسؤولا على جهاز معني بالثقافة والإعلام…نعم يوجد صحافة رديئة بالكوم اليوم في الأردن، وتحصل إنتهاكات بصفة يومية لكرامات الأشخاص وجرائم بحق مهنة مقدسة كمهنة الصحافة ونراقب جميعا تجاوزات مقرفة في بعض الأحيان وأساليب إبتزاز رخيصة في بعض المواقع الصحافية الالكترونية .. كل ذلك لا يمكن نكرانه وكان يمكن معالجته ببساطة لو وفرت السلطة أجواء حرة لكي ينتخب الصحافيون مؤسساتهم النقابية فالمنتخب يستطيع معالجة التجاوزات. ولكي نتحدث بشفافية لابد من القول بأن الحكومة تقول الحق في الواقع لأسباب لها علاقة بباطل. وأنا شخصيا ومن موقعي كصحافي أساند تنظيم المهنة وأدعم وجود تسجيل للصحافة الإلكترونية وتحديد وتعيين رئيس للتحرير يمكنني كمواطن من معرفة من هو خصمي وكيف سأقاضيه عندما تسيء الصحافة لي بدون وجه حق أو تبتكر حكايات ما أنزل لها بها من سلطان.أدعم وبقوة التخلص من ظاهرة الأشباح التي تكتب عنا في المواقع دون معرفة وتحديد هويتها وأساند وجود مرجعيات للعمل الصحافي في إطار القانون وإعتبار التعليق جزء حيوي من المادة الصحافية مسؤولية نشره كالخبر تماما وأرفض صحافة الإبتزاز والإساءة لكرامات الأشخاص وتزوير الحقائق والوقائع لكني أعارض أي تفكير متخلف في تعزيز صلاحيات الرقيب أو تمكينه يوما من حجب أي رسالة إعلامية في الكون عن القارىء الأردني ولأي سبب.الحكومة ليست بريئة وهي تقول بأنها تخطط لمعالجة هذه الظواهر السلبية في الإعلام .. لو كانت كذلك لما أنعشت دور رقيب المطبوعات وتقصدت تعزيز صلاحياته القانونية لتصل إلى حجب أي موقع إلكتروني في العالم بحجة مخالفة القوانين الأردنية في الوقت الذي أصبحت فيه فكرة حجب المواقع من الماضي الغابر وتصلح لعهود الظلام الوسطى.لو كانت الحكومة صادقة لتحدثت بشفافية عن تشخيص الأزمة والمشكلة ولاعترفت قبل كل شيء وقالت: نعم السلطة هي التي زورت إرادة الصحافة الحرة عبر تعظيم دور الصحافة الرديئة خوفا من نتائج الصحافة المهنية المستقلة فعلا..نحن نعترف بذلك وسنحاكم الماضي ونفتح صفحة جديدة. الإعلام المركوب أو المرعوب لا يصنع دولة ولا مستقبلا ومعالجة إستعصاء الإنتهاكات غير ممكن بدون الإعتراف بالخطيئة حتى نعود لسؤال المربع الأول: هل يوجد إعلام لدينا في الأردن أصلا حتى نقوم بإصلاحه؟’ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية