الشِّعرُ العمودي والشِّعر الأفقي

حجم الخط
0

مهدي نصير ‘من الصعبِ زحزحة مصطلح ينوفُ عمرهُ على الألفِ عامٍ وتفريغه من محمولاتهِ التاريخيَّة والتنظيريَّة وتحميله بمحمولاتٍ جديدة , هذا هو الحالُ مع مصطلح الشِّعر العمودي الذي يستدعي فوراً قصيدة الشطرين والقافية والرَّوي وبحور الخليل بن أحمد وتلاميذه .ولكنِّي في هذه القراءة السريعة سأحاولُ أن أُعرِّفَ هذه المصطلح ضمن سياقٍ آخرَ وضمن رؤيةٍ أُخرى مختلفة , وأثناء ذلك سأعمل على فتحِ مزاريب للمصطلح لتفريغ حمولتهِ من الماءِ والطِّينِ والحصى .وسأقرأ هذا المصطلح مع مصطلحٍ آخرَ قد يُثير بعضَ التساؤلات ويفتحُ بعضَ المساربِ في فهم المصطلح المطلوب زحزحته عن مفاهيمه واستدعاءاتهِ الشَّرْطية كاستدعاءات بافلوف في تجربته الشهيرة .الشِّعر العمودي في مقابل الشِّعر الأفقي أو الزمنُ بتجلِّياتهِ المكانيَّة المعقَّدة في مقابل المكان بزمانهِ المُسطَّحِ الثقيل أو المياهُ الجوفيَّة العميقة في مقابل المزاريب والآبار أو ربَّما الوردةُ البريَّة والوحشيَّةُ في مقابلِ وردةِ الحديقة .هو اللهُ في مقابلِ النصِّ المقدَّس في كِلسِهِ وحجارتهِ الهشَّةِ المُرمَّمةِ بالدَّمِ حيناً وبالبُعدانِ ( مقابل القُربان ) أحياناً أُخرى .الشِّعرُ الذي يتحرَّكُ عمودياً عبر الزمن ويُفتِّتُ المكانَ ويوقفهُ ليُحرِّكَ ويتحرَّكَ عميقاً مع الزمن والتاريخ والمستقبل في مقابل الشِّعر الذي يتحرَّكُ أُفقيَّاً عبرَ المكانِ ويُفتِّتُ الزمن ويوقفهُ ليُحرِّكَ ويتحرَّكَ على سطحِ المكانِ الآني بأعشابهِ القصيرةِ طولاً وعُمراً وجذوراً .هو الخريفُ بانحناءاتهِ وقلقهِ ومزاجهِ المتقلِّبِ في مقابلِ الصيفِ العابسِ والثابتِ والمُتجهِّم .الشِّعرُ العمودي أسطورةٌ خريفيَّةٌ حيَّةٌ تبحثُ عن أسطورةٍ أقدمَ في الأرضِ لتلتصقَ بها التصاق الطُّعمِ الجديد بالجذر الأمِّ ليُعطيها لونه الجديد ويأخذ منها مخزونها العميق من الماء والمعادن والعناصر فيحيا بها وتتجذَّر بهِ ويرتعشانِ ويولدانِ بثوبٍ جديدٍ معاً .والشِّعرُ الأفقي حكايةٌ صيفيَّةٌ قائظةٌ تبحثُ عن بعضِ الجلتونِ وعن أوراق الجرجير الخضراءِ والنابتةِ في ظلِّ برميلِ ماءٍ مثقوب .الشِّعرُ العمودي أرضٌ بورٌ وصخريَّةٌ وعاليةٌ وتحُفُّ بها الجُروفُ السَّحيقةُ والرِّياح , والشِّعرُ الأفقي حديقةٌ مُعشَّبةٌ وتحُفُّ بها الطُّبول . وباستخدام لغة الرياضيات فالشِّعر العمودي اقتران تتغيَّر احداثياته الزمكانية وتبعاً لها تتغير ميوله وجروفه وقممه وسهوله مع تغيُّر أُسِّ الزمن , بينما الشعر الأفقي هو اقتران ثابت يتحرَّك في اتجاهٍ وأحد وأُسُّهُ الزمني يساوي صفراً .وبلغةٍ رياضيةٍ أوضح : الشِّعرُ العمودي اقترانٌ متَّصلٌ مع الزمن , والشِّعرُ الأفقي اقترانٌ منفصلٌ ويتغيَّرُ عبرَ نقلاتٍ منفصلةٍ تمتدُّ أفقيَّاً على مسافاتٍ زمنيَّةٍ طويلةٍ قد تمتدُّ لقرون , ومن هذا التعريف يمكن أن نفهم بعمق مقولة باشلار في جماليات المكان والمتعلِّقة بأن الشِّعر الحقيقي هو الذي ينبثق انبثاقاً زمنياً ويتولَّد ولادة كبرعمٍ طازجٍ على جذع اللغة , وهذا لا يتحقَّق إلا إذا كان الشِّعر متَّصلاً زمانيَّاً ( أي عموديَّاً ) ولا يمكن أن يتحقَّق في الشعر المنفصل زمانيَّاً كما هو الحال في الشِّعر الأفقي , وفرقٌ كبير بين خشبٍ مصقولٍ مُكدَّس ويتم استدعاؤه عند الحاجة وبين بُرعمٍ يتولَّد وينبثق من جذعِ اللغة .ويمكن تمثيل ذلك رياضيَّاً وكما يلي :شع = ك^ن حيث شع : الشِّعر العمودي ك: متغيِّر مكاني ن: متغيِّر زماني شف = ] ك* (ن 100 ) [ حيث شف : الشِّعر الأفقي , وهذا الاقتران يُسمَّى اقتران أكبر عدد صحيح والمتغيِّر ن يُقاس بالسَّنة والقيمة ( 100 ) افتراضية لدورة انتقال الاقتران لمستوى أعلى وبشكل منفصل وفُجائي .في هذا المفهوم يُمكن الآن أن نُعيدَ قراءة الشِّعر العربي ونصنِّفَ أيُّـهُ كان عموديَّاً وأيُّـهُ كان أفقيَّاً , فمثلاً نقرأ الحطيئة وكعب بن زهير كشعراء عموديين وحسَّان بن ثابت كشاعرٍ أفقي ونقرأ الفرزدق وجرير والأخطل كشعراء عموديين ونقرأ جمهرة الشُّعراء المداحين في ذلك العصر كشعراء أفقيين ونقرأ بشَّار بن بُرد وأبا العتاهية وأبا النوَّاس كشعراء عموديين وكثيراً من مجايليهم كشعراء أفقيين , ثُمَّ نقرأ أبا تمَّامٍ كشاعرٍ عمودي والبحتري كشاعرٍ ملتبس يتأرجح بين العمودي والأفقي , ثُمَّ نتقدَّم نحو أكثر شعراء العربيَّة إغراقاً في عموديته العميقة بحيث كان كلُّ مجايليه مقارنةً برحلته الخطرة والعميقة أفقيين حُكماً : المتنبي .ثُمَّ بعد ذلكَ نتقدَّم نحو عصورٍ شعريَّةٍ كاملةٍ كانت أفقيَّةً إلا أقلَّ القليل حتى نصل للشِّعر العربي الحديث والذي أدركَ شعراؤه الكبار هذه المفارقة العميقة فنحتوا عميقاً في زمنٍ قليلٍ وقصيرٍ ومكثَّف : أدونيس نموذجاً .هذه مقاربةٌ واقتراحُ مُمكن لإعادة تعريف المصطلح وتوجيهه باتجاهات قراءة أكثر عمقاً للشِّعر والشَّاعرية العربية في تجلياتها عبر التاريخ العربي منذ أقدم ما وصلنا من الشِّعر العربي حتى اللحظة الراهنة .’ شاعر من الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية